-1440 ترشّحوا للتصفيات النهائية بمعدّل 60 مشارك(ة) عن كلّ ولاية
-الجديد في الدورة الرابعة هو الإعداد لمشروع قانون ينظّم كيفية إسناد الجوائز في التظاهرات الثقافية.
حين أعلنت الإدارة العامة للكتاب عن موعد تنظيم الدورة الرابعة من البطولة الوطنية للمطالعة في تونس، الممتدة من 25 ديسمبر 2024 إلى 25 أكتوبر 2025، لم يكن الأمر مجرّد بلاغ إداري. فالرهان في جوهره يتجاوز التواريخ واللوائح التنظيمية، ليطرح سؤالا أوسع: كيف تتحوّل المطالعة إلى سياسة ثقافية وطنية تُعيد الاعتبار للكتاب في زمن الشاشات؟ وكيف يمكن لهذه المبادرة أن تجد صداها في سياق إقليمي وعالمي يشهد تنافسا متسارعا حول مؤشرات المعرفة والقراءة؟
فُتحت البطولة الباب أمام كلّ رواد المكتبات العمومية التونسية، حيث يحصل المترشّح على دفتر مطالعة مجاني، ويُطلب منه اعتماد الرصيد الورقي والرقمي المتوفر. واللافت أنّ التصوّر يشمل مختلف الفئات العمرية من أطفال ويافعين وشباب وكهول، وكل فئة مطلوب منها أن تطالع عددا معينا من الكتب.
ويمرّ السباق نحو اللقب الوطني عبر ثلاث محطات: التصفيات المحلية وقد نُظّمت من 25 ديسمبر 2024 إلى 25 ماي 2025، ثم الجهوية من 15 جوان إلى 15 جويلية من العام الجاري، وستكون النهائيات في أكتوبر بالقاعة المغطاة برادس.
وتتولى لجنة علمية وطنية، تضم أساتذة ومتفقدين وأدباء، الإشراف على عملية التقييم، في محاولة لتأمين معايير علمية وأكاديمية ترفع التظاهرة من مجرّد منافسة رمزية إلى حدث يُنتج معرفة وفكرا نقديا. وبعد إجراء التصفيات المحلية والجهوية بالمكتبات العمومية، وصل إلى التصفيات النهائية 1440 مترشّحا بمعدّل 60 مشاركا عن كلّ ولاية.
من الجوائز الفردية إلى العائلة القارئة
الجديد في هذه الدورة الرابعة هو الإعداد لمشروع قانون ينظّم كيفية إسناد الجوائز في التظاهرات الثقافية، ومنها هذه البطولة. وفي سياق متّصل، تمّ الإعلان عن تخصيص ثلاث جوائز مالية موجّهة إلى العائلات التي تشارك بكامل أفرادها وتصل إلى التصفيات النهائية. هذا التوجّه يُعبّر عن وعي بأهمية إدماج العائلة كوحدة اجتماعية كاملة في فعل القراءة، بما يساهم في ترسيخ المطالعة كسلوك جماعي لا كفعل فردي معزول.
فتوسيع الرهان من الفرد إلى الأسرة من شأنه أن يُعيد صياغة العلاقة بين الثقافة والبنية الاجتماعية، فالعائلة التي تقرأ معا لا تكتفي بتكوين عادة معرفية، بل تبني شبكة تواصل داخلي تُسهم في إعادة تعريف أدوار الأب والأم والأطفال في الفعل الثقافي.
وفي ذات التوجّه، قدّمت الوزارة البطولة باعتبارها مناسبة للتعريف بشبكة المكتبات العمومية، الأكبر في إفريقيا والعالم العربي بـ498 مكتبة، بينها 24 مكتبة جهوية و374 مكتبة محلية و45 متجولة، تضم حوالي 8 ملايين عنوان بالعربية واللغات الأجنبية. وهي أرقام تكشف، بدورها، عن ثروة وطنية قد تكون غير مستثمرة بما يكفي، فتُصبح ربّما هذه البطولة وسيلة لإحياء المكتبات كفضاءات مدنية مفتوحة، خصوصا وأنها تستهدف كلّ الفئات العمرية والاجتماعية من أطفال وشباب وكهول ونزلاء المؤسسات السجنية والآباء والأمهات المقيمين بدور رعاية المسنّين وذوي الاحتياجات الخصوصية.
تونس في قلب المعركة من أجل المطالعة في العالم
والجدير بالتأكيد، أيضا، أنّ ما يجعل هذه البطولة ذات قيمة مضاعفة هو أنها تضع تونس في قلب مشهد إقليمي حيث أصبحت «المطالعة» قضية إستراتيجية في ظلّ سياقات وتحديات دولية متعدّدة، منها الرقمنة وتصاعد وتيرة التركيز على الذكاء الاصطناعي. فالإمارات العربية المتحدة مثلا جعلت من «تحدّي القراءة العربي» أكبر مبادرة من نوعها، إذ استقطب في دوراته الأخيرة أكثر من 24 مليون مشارك من مختلف الدول، ضمن تصوّر يعتبر القراءة ركيزة لبناء مجتمع المعرفة. وبدورها أطلقت المملكة العربية السعودية مبادرة «الكتاب للجميع» وربطتها بمشاريع رؤية 2030 التي تسعى إلى رفع نسب الاطّلاع ومؤشرات الثقافة ضمن اقتصاد متنوع لا يعتمد فقط على النفط.
وخارج الخليج، نجد المغرب الذي أطلق برامج شبيهة مثل «القارئ المبدع» و«جائزة المغرب للكتاب الشاب»، وإن كانت أقل استمرارية من تلك التظاهرات. أما غربيا، فتقدّم فرنسا نموذجا متقدما من خلال «مهرجان باريس للكتاب» الذي يحوّل المطالعة إلى حدث وطني مدعوم من الدولة والقطاع الخاص، فيما تُظهر كندا والدول الاسكندنافية (خصوصا فنلندا) كيف يمكن للمكتبات العامة أن تصبح مراكز اجتماعية تدمج المطالعة بالأنشطة الرقمية والورشات التفاعلية، في صيغة تجعل الكتاب جزءا من ثقافة الحياة اليومية.
مقارنة بهذه التجارب، تبدو البطولة الوطنية للمطالعة في تونس أقل زخما من حيث الحجم، لكنها أكثر التصاقا بالنسيج الاجتماعي المحلي، إذ تراهن على شبكة المكتبات العمومية المنتشرة في كل الولايات، بما يجعلها مبادرة قريبة من الناس وليست فقط حدثا احتفاليا ضخما.
نحو سياسة ثقافية جديدة؟
ومن خلالها، تحاول تونس أن تراهن على ما هو أهمّ من نشر عناوين أو توزيع دفاتر مطالعة، باعتبار أنّ الرهان الحقيقي هو إعادة تعريف مكانة المعرفة في مشروع الدولة. ففي زمن الأزمات الاقتصادية والسياسية، تبدو الثقافة أحيانا ترفا، ولكن هذه المبادرات تثبت العكس، فالمطالعة استثمار بعيد المدى في رأس المال البشري، ومؤشر على قدرة المجتمع على إنتاج مواطنين ناقدين ومبدعين.
يبقى السؤال: هل ستظل البطولة الوطنية للمطالعة حدثا ظرفيا، أم أنها ستتحوّل إلى ركيزة في سياسة ثقافية متكاملة؟ الجواب يتوقّف على قدرة وزارة الشؤون الثقافية على جعلها تقليدا مستداما، وربطها بإصلاح أوسع يشمل المدرسة والجامعة والإعلام. فالمطالعة لا تزدهر إلا إذا كانت جزءا من منظومة متكاملة تضع برامج تعليمية تُحفّز على النقد، إعلام يُبرز قيمة الكتاب، ومؤسسات تُشجّع على الإنتاج المعرفي المحلي.
وفي عالم يتجه بسرعة نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي، ومع مؤشرات دولية تضع العديد من الدول في الصدارة من حيث نسب القراءة، تبدو تونس أمام تحدّي اللحاق بهذا الركب. فالبطولة الوطنية للمطالعة لا يجب أن تكون مجرّد منافسة بين الأطفال والشباب والكهول والعائلات، بل يجب أن تكون بمثابة الإعلان عن انخراط تونس في سباق حضاري، حيث تصبح المعرفة والكتاب مؤشرات للتنمية، لا أقل أهمية من الاقتصاد والتكنولوجيا.
ومن المفترض في أكتوبر 2025، حين تجتمع النهائيات في القاعة المغطاة برادس، أن يكون الحدث أكثر من مجرّد لحظة لتوزيع الجوائز، بل يكون مشهدا رمزيا لمجتمع يحاول إعادة الاعتبار للكتاب، وإثبات أن المطالعة قادرة على أن تتحوّل من عادة فردية إلى مشروع وطني.
إيمان عبد اللطيف
-1440 ترشّحوا للتصفيات النهائية بمعدّل 60 مشارك(ة) عن كلّ ولاية
-الجديد في الدورة الرابعة هو الإعداد لمشروع قانون ينظّم كيفية إسناد الجوائز في التظاهرات الثقافية.
حين أعلنت الإدارة العامة للكتاب عن موعد تنظيم الدورة الرابعة من البطولة الوطنية للمطالعة في تونس، الممتدة من 25 ديسمبر 2024 إلى 25 أكتوبر 2025، لم يكن الأمر مجرّد بلاغ إداري. فالرهان في جوهره يتجاوز التواريخ واللوائح التنظيمية، ليطرح سؤالا أوسع: كيف تتحوّل المطالعة إلى سياسة ثقافية وطنية تُعيد الاعتبار للكتاب في زمن الشاشات؟ وكيف يمكن لهذه المبادرة أن تجد صداها في سياق إقليمي وعالمي يشهد تنافسا متسارعا حول مؤشرات المعرفة والقراءة؟
فُتحت البطولة الباب أمام كلّ رواد المكتبات العمومية التونسية، حيث يحصل المترشّح على دفتر مطالعة مجاني، ويُطلب منه اعتماد الرصيد الورقي والرقمي المتوفر. واللافت أنّ التصوّر يشمل مختلف الفئات العمرية من أطفال ويافعين وشباب وكهول، وكل فئة مطلوب منها أن تطالع عددا معينا من الكتب.
ويمرّ السباق نحو اللقب الوطني عبر ثلاث محطات: التصفيات المحلية وقد نُظّمت من 25 ديسمبر 2024 إلى 25 ماي 2025، ثم الجهوية من 15 جوان إلى 15 جويلية من العام الجاري، وستكون النهائيات في أكتوبر بالقاعة المغطاة برادس.
وتتولى لجنة علمية وطنية، تضم أساتذة ومتفقدين وأدباء، الإشراف على عملية التقييم، في محاولة لتأمين معايير علمية وأكاديمية ترفع التظاهرة من مجرّد منافسة رمزية إلى حدث يُنتج معرفة وفكرا نقديا. وبعد إجراء التصفيات المحلية والجهوية بالمكتبات العمومية، وصل إلى التصفيات النهائية 1440 مترشّحا بمعدّل 60 مشاركا عن كلّ ولاية.
من الجوائز الفردية إلى العائلة القارئة
الجديد في هذه الدورة الرابعة هو الإعداد لمشروع قانون ينظّم كيفية إسناد الجوائز في التظاهرات الثقافية، ومنها هذه البطولة. وفي سياق متّصل، تمّ الإعلان عن تخصيص ثلاث جوائز مالية موجّهة إلى العائلات التي تشارك بكامل أفرادها وتصل إلى التصفيات النهائية. هذا التوجّه يُعبّر عن وعي بأهمية إدماج العائلة كوحدة اجتماعية كاملة في فعل القراءة، بما يساهم في ترسيخ المطالعة كسلوك جماعي لا كفعل فردي معزول.
فتوسيع الرهان من الفرد إلى الأسرة من شأنه أن يُعيد صياغة العلاقة بين الثقافة والبنية الاجتماعية، فالعائلة التي تقرأ معا لا تكتفي بتكوين عادة معرفية، بل تبني شبكة تواصل داخلي تُسهم في إعادة تعريف أدوار الأب والأم والأطفال في الفعل الثقافي.
وفي ذات التوجّه، قدّمت الوزارة البطولة باعتبارها مناسبة للتعريف بشبكة المكتبات العمومية، الأكبر في إفريقيا والعالم العربي بـ498 مكتبة، بينها 24 مكتبة جهوية و374 مكتبة محلية و45 متجولة، تضم حوالي 8 ملايين عنوان بالعربية واللغات الأجنبية. وهي أرقام تكشف، بدورها، عن ثروة وطنية قد تكون غير مستثمرة بما يكفي، فتُصبح ربّما هذه البطولة وسيلة لإحياء المكتبات كفضاءات مدنية مفتوحة، خصوصا وأنها تستهدف كلّ الفئات العمرية والاجتماعية من أطفال وشباب وكهول ونزلاء المؤسسات السجنية والآباء والأمهات المقيمين بدور رعاية المسنّين وذوي الاحتياجات الخصوصية.
تونس في قلب المعركة من أجل المطالعة في العالم
والجدير بالتأكيد، أيضا، أنّ ما يجعل هذه البطولة ذات قيمة مضاعفة هو أنها تضع تونس في قلب مشهد إقليمي حيث أصبحت «المطالعة» قضية إستراتيجية في ظلّ سياقات وتحديات دولية متعدّدة، منها الرقمنة وتصاعد وتيرة التركيز على الذكاء الاصطناعي. فالإمارات العربية المتحدة مثلا جعلت من «تحدّي القراءة العربي» أكبر مبادرة من نوعها، إذ استقطب في دوراته الأخيرة أكثر من 24 مليون مشارك من مختلف الدول، ضمن تصوّر يعتبر القراءة ركيزة لبناء مجتمع المعرفة. وبدورها أطلقت المملكة العربية السعودية مبادرة «الكتاب للجميع» وربطتها بمشاريع رؤية 2030 التي تسعى إلى رفع نسب الاطّلاع ومؤشرات الثقافة ضمن اقتصاد متنوع لا يعتمد فقط على النفط.
وخارج الخليج، نجد المغرب الذي أطلق برامج شبيهة مثل «القارئ المبدع» و«جائزة المغرب للكتاب الشاب»، وإن كانت أقل استمرارية من تلك التظاهرات. أما غربيا، فتقدّم فرنسا نموذجا متقدما من خلال «مهرجان باريس للكتاب» الذي يحوّل المطالعة إلى حدث وطني مدعوم من الدولة والقطاع الخاص، فيما تُظهر كندا والدول الاسكندنافية (خصوصا فنلندا) كيف يمكن للمكتبات العامة أن تصبح مراكز اجتماعية تدمج المطالعة بالأنشطة الرقمية والورشات التفاعلية، في صيغة تجعل الكتاب جزءا من ثقافة الحياة اليومية.
مقارنة بهذه التجارب، تبدو البطولة الوطنية للمطالعة في تونس أقل زخما من حيث الحجم، لكنها أكثر التصاقا بالنسيج الاجتماعي المحلي، إذ تراهن على شبكة المكتبات العمومية المنتشرة في كل الولايات، بما يجعلها مبادرة قريبة من الناس وليست فقط حدثا احتفاليا ضخما.
نحو سياسة ثقافية جديدة؟
ومن خلالها، تحاول تونس أن تراهن على ما هو أهمّ من نشر عناوين أو توزيع دفاتر مطالعة، باعتبار أنّ الرهان الحقيقي هو إعادة تعريف مكانة المعرفة في مشروع الدولة. ففي زمن الأزمات الاقتصادية والسياسية، تبدو الثقافة أحيانا ترفا، ولكن هذه المبادرات تثبت العكس، فالمطالعة استثمار بعيد المدى في رأس المال البشري، ومؤشر على قدرة المجتمع على إنتاج مواطنين ناقدين ومبدعين.
يبقى السؤال: هل ستظل البطولة الوطنية للمطالعة حدثا ظرفيا، أم أنها ستتحوّل إلى ركيزة في سياسة ثقافية متكاملة؟ الجواب يتوقّف على قدرة وزارة الشؤون الثقافية على جعلها تقليدا مستداما، وربطها بإصلاح أوسع يشمل المدرسة والجامعة والإعلام. فالمطالعة لا تزدهر إلا إذا كانت جزءا من منظومة متكاملة تضع برامج تعليمية تُحفّز على النقد، إعلام يُبرز قيمة الكتاب، ومؤسسات تُشجّع على الإنتاج المعرفي المحلي.
وفي عالم يتجه بسرعة نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي، ومع مؤشرات دولية تضع العديد من الدول في الصدارة من حيث نسب القراءة، تبدو تونس أمام تحدّي اللحاق بهذا الركب. فالبطولة الوطنية للمطالعة لا يجب أن تكون مجرّد منافسة بين الأطفال والشباب والكهول والعائلات، بل يجب أن تكون بمثابة الإعلان عن انخراط تونس في سباق حضاري، حيث تصبح المعرفة والكتاب مؤشرات للتنمية، لا أقل أهمية من الاقتصاد والتكنولوجيا.
ومن المفترض في أكتوبر 2025، حين تجتمع النهائيات في القاعة المغطاة برادس، أن يكون الحدث أكثر من مجرّد لحظة لتوزيع الجوائز، بل يكون مشهدا رمزيا لمجتمع يحاول إعادة الاعتبار للكتاب، وإثبات أن المطالعة قادرة على أن تتحوّل من عادة فردية إلى مشروع وطني.