إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تسريبات أمنية: بناء إسرائيل الجديدة والسيطرة على الإقليم والإطاحة بالنظام الإيراني

 

بقلم: هاني مبارك (*)

تكتسي فضيحة ما يسمى بقضية التسريبات الأمنية بديوان رئيس الحكومة الاسرائيلية التي قادها ايلي فلدشتاين، الناطق الحالي باسم نتنياهو والناطق السابق بلسان الوزير المتطرف بن غافيير، التي تعيش على وقعها اليوم كل إسرائيل خطورتها من كونها تغلغل غير مسبوق للصهيونية الدينية في أعلى قمة الهرم الأمني الإسرائيلي وقدرتها ليس فقط على الوصول الى معلومات على غاية من السرية بل والتلاعب بها وتزويرها خدمة لأهدافها السياسية على الرغم مما قد يلحقه ذلك من أضرار بالغة الخطورة بالجيش والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، على حد تعبير كل من غنتس ولابيد.

وإن كان هذا الحدث الذي لم يتأكد بعد إن كان الأول من نوعه خلال هذه الحرب، فإنه مثل مناسبة أخرى تُجيز لنا ألا نصدق كل ما يقوله نتنياهو عن نيته بوقف الحرب وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني وبقية شعوب المنطقة ووضع حد لجرائم جيشه وقبوله بمعادلة سلام الشرعية الدولية، كما أنها مناسبة لا تُجيز  لنا أبدا ألا نصدق ما يقوله بشأن مستقبل المنطقة، فهو يضع أصابع يديه الاثنتين بعيون كل من لا يصدقه ويقدم صباحا مساء البرهان تلو الآخر على أنه غير معني بكل ما هو خارج سياق رؤية تعاليم وأهداف الصهيونية الدينية التي تتغلغل اليوم في كل اوساط الدولة وتعمل على تفكيكها وإعادة بنائها من جديد لبناء اسرائيل الجديدة وفقا لتلك الأهداف، وأنه لن يتوقف عند القضاء على كل فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية وكل ظواهر ومظاهر الفصائلية المسلحة في الإقليم وإسقاط النظام الإيراني وعدم القبول بأي قوة إقليمية تحمل في احشائها بذور احتمال ان تكون يوما منافسا لإسرائيل.

فكلنا يعرف كيف أنه مع اليوم الأول لوصوله الى رئاسة الحكومة بعد اغتيال إسحاق رابين كان حاملا على كتفيه معول تدمير السلطة الفلسطينية واقتلاعها ليس لكونها جاءت في سياق سوء تقدير اسرائيلي في لحظة دولية شابتها كثافة ضباب رافق انتقال قيادة النظام الدولي من نمطها الثنائي الى نمط جديد أحادي القطب، كان معنيا بتخفيف حدة التوتر في بعض الاقاليم العالمية ليتسنى له وضع آليات قيادة مرحلة الانفراد بقيادة هذا النظام، بل لأنها وضعت اللبنة الأولى لنسف الرواية الصهيونية من أساسها تلك التي قامت على وهم خرافات وأساطير التلمود التي جعلت فلسطين أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض.

وعلى الرغم من تهافت هذا الشعار إلا أنه ينقل على ألسنة قادة الحركة الصهيونية اعترافا صارخا بأن اليهود لم تكن لهم يوما ما أرض خاصة بهم باعتبارهم جماعة دينية ليس إلا، وأن المحاولات اللاحقة لتدارك ذلك الاعتراف والالتفاف عليه واستبداله بشعار أضفت عليه بعدا دينيا، أي شعار العودة الى ارض الميعاد الذي لا تؤيده بل تفنده كل الدراسات الانتروبولوجية، إلا أن اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا وحيدا وشرعيا للشعب الفلسطيني واعترافها بحقه في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة، شكل بالنسبة لليمين الصهيوني الديني ونتنياهو تحديدا ليس خطاء تاريخيا، بل انه بداية نهاية اسرائيل ومخالفة صارخة للتعاليم الدينية اليهودية، وانه يجب تصحيح هذا الخطأ الذي لن يتم قبل القضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية برمزيتها السياسية والقانونية، إذ هي، بهذا الشكل أو ذاك، الطرف التعاقدي الوحيد الذي اعترفت له اسرائيل بحق تمثيل الشعب الفلسطيني وأن له الحق في إقامة دولته المستقلة، وأن بقاءها بهذا المضمون يفرغ إسرائيل كأداة تنفيذية بيد الولايات المتحدة وحلفائها من أي مضمون، وفي هذا السياق فإن كل المرونة التي أبدتها القيادة الفلسطينية لم تغر إسرائيل خاصة يمينها ويمينها الديني المتطرف للقبول بالتعايش السلمي معها وأن المعركة معها صفرية غير قابلة للتسوية، استخدمت خلالها ولا زالت كل سبل إضعاف السلطة وإحراجها.

وإيران وهي تستعد اليوم لتنفيذ ما تسميه بعملية الوعد الصادق الثالثة كما اكد ذلك المرشد الاعلى للثورة الإيرانية وقائد الحرس الثوري، بعد أن تبين لها أن كل محاولات ابتلاع نتائج الهجوم الاسرائيلي الذي استهدف برنامجها الصاروخي البالستي والذي كان منذ تسعينات القرن الماضي محط اهتمامها الخاص أكثر من برنامجها النووي، قد فشلت وأن نتنياهو ووزير دفاعه غالانت قد عمقا من شعورها بالحرج عندما أعلنا أكثر من مرة أن سماء إيران صارت مساحة مفتوحة لعمليات إسرائيل الجوية وأنها أصبحت قادرة على الوصول إلى أي هدف داخل الأراضي الإيرانية، وإيران وهي تستعد الآن كما يؤكد قادتها للرد هل اقتنعت هي الاخرى ان معركتها مع اسرائيل ليست أقل صفرية من معركة هذه الأخيرة مع السلطة والشعب الفلسطيني؟؟

منطقيا هو أن تكون قد وقفت على مثل هذه القناعة، ومنطقيا ألا تكرر أخطاءها السابقة والخطأ القاتل الذي ارتكبه حزب الله عندما ترك زمام المبادرة في يد اسرائيل لتقرر متى تشعل هذه الجبهة أو تلك، حيث أثبتت مجريات الحرب على الجبهة الشمالية وحجم الانجازات التي حققتها إسرائيل فيها وخاصة على مستوى الاستهدافات القيادية في الحزب انها كانت تستعد وتخطط لشن هذه الحرب حتى دون هجوم السابع من أكتوبر، أو دون إسناد حزب الله للفصائل الفلسطينية في غزة.

ومن المفروض أن يكون قد أصبح واضحا للقيادة الإيرانية أن اختيار إستراتيجية المحافظة على النظام والبرنامج النووي، والتجريب بإيصال رموز الجناح الإصلاحي لدفة الحكم وإعادة الدفء لمفاوضات البرنامج النووي مع الولايات المتحدة، ليست هي الخيار الواقعي الذي من شأنه إسقاطها من حسابات الصهيونية الدينية على أنها منافس إقليمي محتمل لن يكون بالمقدور التجاوز عنه، وأن كل ما ستفعله باستثناء المواجهة المفتوحة التي تحمل إمكانية توريط إسرائيل والولايات المتحدة وربما الإقليم، سيكون قادرا على حماية بقاء النظام والاستمرار في المنافسة الاقليمية.

كذلك فإن على إيران أن تدرك أن حربها الآن مع إسرائيل تتجاوز حرب المحافظة على الهيبة في الإقليم الى حرب النفوذ والسيطرة عليه، وأن هذه الأخيرة لن تقبل بأقل من الإطاحة بالنظام وإن كان ذلك لن يؤثر على التنافس الجيوستراتيجي بين الطرفين على المدى البعيد في ظل استسلام تام من النظام العربي وقيادته الضبابية لمعطيات الأمر الواقع، وفي كل الأحوال فإنه لا يمكن إغماض الأعين عن حقيقة انفتاح الإقليم على تغيرات جذرية، لم يعد بالإمكان الرجوع بها الى الوراء، وأن حادثة التسريبات الأمنية هذه لن تكون عابرة بل ستكون بداية لمرحلة أشد خطورة.

*أستاذ الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية في جامعة منوبة

تسريبات أمنية:   بناء إسرائيل الجديدة والسيطرة على الإقليم والإطاحة بالنظام الإيراني

 

بقلم: هاني مبارك (*)

تكتسي فضيحة ما يسمى بقضية التسريبات الأمنية بديوان رئيس الحكومة الاسرائيلية التي قادها ايلي فلدشتاين، الناطق الحالي باسم نتنياهو والناطق السابق بلسان الوزير المتطرف بن غافيير، التي تعيش على وقعها اليوم كل إسرائيل خطورتها من كونها تغلغل غير مسبوق للصهيونية الدينية في أعلى قمة الهرم الأمني الإسرائيلي وقدرتها ليس فقط على الوصول الى معلومات على غاية من السرية بل والتلاعب بها وتزويرها خدمة لأهدافها السياسية على الرغم مما قد يلحقه ذلك من أضرار بالغة الخطورة بالجيش والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، على حد تعبير كل من غنتس ولابيد.

وإن كان هذا الحدث الذي لم يتأكد بعد إن كان الأول من نوعه خلال هذه الحرب، فإنه مثل مناسبة أخرى تُجيز لنا ألا نصدق كل ما يقوله نتنياهو عن نيته بوقف الحرب وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني وبقية شعوب المنطقة ووضع حد لجرائم جيشه وقبوله بمعادلة سلام الشرعية الدولية، كما أنها مناسبة لا تُجيز  لنا أبدا ألا نصدق ما يقوله بشأن مستقبل المنطقة، فهو يضع أصابع يديه الاثنتين بعيون كل من لا يصدقه ويقدم صباحا مساء البرهان تلو الآخر على أنه غير معني بكل ما هو خارج سياق رؤية تعاليم وأهداف الصهيونية الدينية التي تتغلغل اليوم في كل اوساط الدولة وتعمل على تفكيكها وإعادة بنائها من جديد لبناء اسرائيل الجديدة وفقا لتلك الأهداف، وأنه لن يتوقف عند القضاء على كل فصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية وكل ظواهر ومظاهر الفصائلية المسلحة في الإقليم وإسقاط النظام الإيراني وعدم القبول بأي قوة إقليمية تحمل في احشائها بذور احتمال ان تكون يوما منافسا لإسرائيل.

فكلنا يعرف كيف أنه مع اليوم الأول لوصوله الى رئاسة الحكومة بعد اغتيال إسحاق رابين كان حاملا على كتفيه معول تدمير السلطة الفلسطينية واقتلاعها ليس لكونها جاءت في سياق سوء تقدير اسرائيلي في لحظة دولية شابتها كثافة ضباب رافق انتقال قيادة النظام الدولي من نمطها الثنائي الى نمط جديد أحادي القطب، كان معنيا بتخفيف حدة التوتر في بعض الاقاليم العالمية ليتسنى له وضع آليات قيادة مرحلة الانفراد بقيادة هذا النظام، بل لأنها وضعت اللبنة الأولى لنسف الرواية الصهيونية من أساسها تلك التي قامت على وهم خرافات وأساطير التلمود التي جعلت فلسطين أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض.

وعلى الرغم من تهافت هذا الشعار إلا أنه ينقل على ألسنة قادة الحركة الصهيونية اعترافا صارخا بأن اليهود لم تكن لهم يوما ما أرض خاصة بهم باعتبارهم جماعة دينية ليس إلا، وأن المحاولات اللاحقة لتدارك ذلك الاعتراف والالتفاف عليه واستبداله بشعار أضفت عليه بعدا دينيا، أي شعار العودة الى ارض الميعاد الذي لا تؤيده بل تفنده كل الدراسات الانتروبولوجية، إلا أن اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا وحيدا وشرعيا للشعب الفلسطيني واعترافها بحقه في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة، شكل بالنسبة لليمين الصهيوني الديني ونتنياهو تحديدا ليس خطاء تاريخيا، بل انه بداية نهاية اسرائيل ومخالفة صارخة للتعاليم الدينية اليهودية، وانه يجب تصحيح هذا الخطأ الذي لن يتم قبل القضاء على السلطة الوطنية الفلسطينية برمزيتها السياسية والقانونية، إذ هي، بهذا الشكل أو ذاك، الطرف التعاقدي الوحيد الذي اعترفت له اسرائيل بحق تمثيل الشعب الفلسطيني وأن له الحق في إقامة دولته المستقلة، وأن بقاءها بهذا المضمون يفرغ إسرائيل كأداة تنفيذية بيد الولايات المتحدة وحلفائها من أي مضمون، وفي هذا السياق فإن كل المرونة التي أبدتها القيادة الفلسطينية لم تغر إسرائيل خاصة يمينها ويمينها الديني المتطرف للقبول بالتعايش السلمي معها وأن المعركة معها صفرية غير قابلة للتسوية، استخدمت خلالها ولا زالت كل سبل إضعاف السلطة وإحراجها.

وإيران وهي تستعد اليوم لتنفيذ ما تسميه بعملية الوعد الصادق الثالثة كما اكد ذلك المرشد الاعلى للثورة الإيرانية وقائد الحرس الثوري، بعد أن تبين لها أن كل محاولات ابتلاع نتائج الهجوم الاسرائيلي الذي استهدف برنامجها الصاروخي البالستي والذي كان منذ تسعينات القرن الماضي محط اهتمامها الخاص أكثر من برنامجها النووي، قد فشلت وأن نتنياهو ووزير دفاعه غالانت قد عمقا من شعورها بالحرج عندما أعلنا أكثر من مرة أن سماء إيران صارت مساحة مفتوحة لعمليات إسرائيل الجوية وأنها أصبحت قادرة على الوصول إلى أي هدف داخل الأراضي الإيرانية، وإيران وهي تستعد الآن كما يؤكد قادتها للرد هل اقتنعت هي الاخرى ان معركتها مع اسرائيل ليست أقل صفرية من معركة هذه الأخيرة مع السلطة والشعب الفلسطيني؟؟

منطقيا هو أن تكون قد وقفت على مثل هذه القناعة، ومنطقيا ألا تكرر أخطاءها السابقة والخطأ القاتل الذي ارتكبه حزب الله عندما ترك زمام المبادرة في يد اسرائيل لتقرر متى تشعل هذه الجبهة أو تلك، حيث أثبتت مجريات الحرب على الجبهة الشمالية وحجم الانجازات التي حققتها إسرائيل فيها وخاصة على مستوى الاستهدافات القيادية في الحزب انها كانت تستعد وتخطط لشن هذه الحرب حتى دون هجوم السابع من أكتوبر، أو دون إسناد حزب الله للفصائل الفلسطينية في غزة.

ومن المفروض أن يكون قد أصبح واضحا للقيادة الإيرانية أن اختيار إستراتيجية المحافظة على النظام والبرنامج النووي، والتجريب بإيصال رموز الجناح الإصلاحي لدفة الحكم وإعادة الدفء لمفاوضات البرنامج النووي مع الولايات المتحدة، ليست هي الخيار الواقعي الذي من شأنه إسقاطها من حسابات الصهيونية الدينية على أنها منافس إقليمي محتمل لن يكون بالمقدور التجاوز عنه، وأن كل ما ستفعله باستثناء المواجهة المفتوحة التي تحمل إمكانية توريط إسرائيل والولايات المتحدة وربما الإقليم، سيكون قادرا على حماية بقاء النظام والاستمرار في المنافسة الاقليمية.

كذلك فإن على إيران أن تدرك أن حربها الآن مع إسرائيل تتجاوز حرب المحافظة على الهيبة في الإقليم الى حرب النفوذ والسيطرة عليه، وأن هذه الأخيرة لن تقبل بأقل من الإطاحة بالنظام وإن كان ذلك لن يؤثر على التنافس الجيوستراتيجي بين الطرفين على المدى البعيد في ظل استسلام تام من النظام العربي وقيادته الضبابية لمعطيات الأمر الواقع، وفي كل الأحوال فإنه لا يمكن إغماض الأعين عن حقيقة انفتاح الإقليم على تغيرات جذرية، لم يعد بالإمكان الرجوع بها الى الوراء، وأن حادثة التسريبات الأمنية هذه لن تكون عابرة بل ستكون بداية لمرحلة أشد خطورة.

*أستاذ الجيوبوليتيك والعلاقات الدولية في جامعة منوبة