إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

كيف نجح العرب في اكتساب العلوم وبناء حضارة عن طريق الترجمة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم د. الصحراوي قمعون

صحفي باحث في علوم الاعلام والصحافة

كانت الترجمة بداية عصر النهضة الحضارية الإسلامية الكبرى زمن العباسيين، خاصة مع الخليفة الليبرالي المثقف المأمون الذي بعث "بيت الحكمة" كمركز بحوث علمية في بغداد وأشرف على ترجمة الآثار الإغريقية في العلوم والطب والفلك والفلسفة والرياضيات، كما تفيد بذلك المصادر التاريخية .

 كما قام المأمون بحثّ الناس على قراءة هذه الكتب المترجمة وترغيبهم في تعلمها ووضع برنامج طموح لنشر الكتاب وإدارة مطالعة الكتب والإصدارات الجديدة في مدينة السلام وعاصمة العلم بغداد، مما سهل انتشار العلوم والمعرفة على أوسع نطاق في بغداد وفي البلدان الإسلامية التابعة للإمبراطورية، التي أصبحت تتشبه بعاصمة الخلافة بغداد، على غرار دولة الأغالبة في القيروان، التي بعثت لديها "بيت الحكمة" في القيروان إسوة ببغداد.

       كما بذل جهودا وأموالا كبيرة لجلب وشراء نفائس المؤلفات الإغريقية والرومية من عند الروم. وقد كان من أحد شروط الصلح بين المأمون والامبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث أن يسلم للمأمون إحدى المكتبات الشهيرة في القسطنطينية. وكان من بين كنوزها كتاب بطليموس في الفلك، فأمر المأمون، وهو فرح بهذا الكنز الذي يعرف قيمته العليا باعتباره حاكما مثقفا ، بنقله إلى العربية. كما أرسل بعثات إلى بلاد الروم للحصول على كتب علماء الإغريق. وذكر الطبيب والمؤرخ بن أبي أُصَيْبِعة صاحب كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" (ص 260)، أن المأمون كان معجبا بالمترجم حنين بن اسحاق إلى درجة أن كان يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى اللسان العربي، مما جعله يتعمد نسخ الكتب المترجمة بحروف كوفية كبيرة وبورق عالي الجودة وثقيل الوزن حتى تكون المكافأة أعلى، وهو ما سمح أيضا بدوام تلك النسخ لمئات السنين لأنها من ورق ذي جودة عالية تقاوم الزمن، كما ورق الجرائد والمجلات الرفيعة اليوم.

    وقد اقتدى بالمأمون رجال دولته ومن جاء بعدهم. وشمل الاهتمام الفكري أيضا سكان الخلافة العباسية المزدهرة مما جعل الحياة الفكرية وعملية الترجمة تشمل كل اللغات اليونانية والسريانية والهندية والنبطية والفهلوية .

وفي الكتب الثلاث التي نشرتها بالفرنسية خلال السنوات الاخيرة (من 2015 إلى 2021) أبرزت الجامعية وعالمة الفيزياء التونسية فوزية الشرفي المكانة الكبرى للعلوم في التاريخ الاسلامي، وبينت كيف أن المسلمين زمن الدولة العباسية قاموا خلال قرنين من الزمن بمجهود جبار في ترجمة علوم وفلسفة اليونان والفرس والهنود ليقدموا بذلك خدمة كبيرة لاستمرار مشعل الحضارة الإنسانية وقّادا، كما جاء خاصة في كتابها " الإسلام والعلم" (ص 42).

   وفي القيروان خلال عهد الدولة الأغلبية بذل أمراؤها، اقتداء بأسيادهم العباسيين في بغداد، جهودا كبيرة لتشجيع الترجمة في "بيت الحكمة" بالقيروان، حيث يفيد المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب في كتابه "ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية "( ص 230).أن: " الأمير الأغلبي إبراهيم الثاني تخيّرَ بعض المصنفات اللاتينية في العلوم الرياضية التي اطلع عليها وكلف بترجمتها بعض الرهبان الصقليين المتكلمين باللغة العربية وألحق بهم بعض علماء اللغة من الافريقيين، وعهد إليهم مهمة تنقيح عباراتهم وسبْكها في قالب عربي صحيح، رغبة منه في تعميم فائدتها ونشرها بين الناس. ومما يؤيد هذا الظن ما ذكره حسن الوزاني (ليون الافريقي ) في رحلته المشهورة من أنه رأى في بلاد إفريقية (تونس) ترجمة كتاب المؤرخ بلينوس الروماني في علم النبات باللغة العربية. أما بلاد المغرب من الأندلس إلى آخر برقة بليبيا حاليا ، فإن اللغة السائدة فيها سواء في الشؤون الرسمية أو في رسوم الديانة هي اللاتينية خاصة. ولذا اضطر كثير من العرب الأفارقة تعلمها وإتقانها تكلما وكتابة، لما يفرضه عليهم امتزاجهم بالعناصر المحلية ومجاورتهم المستمرة لبقايا الرومان والمسيحيين المقيمين في بلادهم ، سواء كانوا في الشمال الإفريقي أو في الأندلس أو في صقلية. وجملة القول، أن مساعي أمراء الأغالبة في توثيق العلاقات بين الشرق والغرب وفي ميدان الثقافة ونشر العرفان في مملكتهم بالخصوص، كان مجهودا كبيرا يعتبر من أخصب فترات الحكم في افريقية الذي تواصل قرنا كاملا في القرن العاشر الميلادي، مثلما تدل عليه الشواهد المادية في الرباطات الدفاعية للمدن الساحلية وفسقيات جلب وتجميع المياه في القيروان وصفاقس والتي تجاوزت في عظمتها ماتركه الرومان من عمل لقرون عديدة، كما يبينه المؤرخون .

  والحقيقة أن الحضارة العربية الإسلامية المعولمة جاءت بفضل الانفتاح على منطقة الهلال الخصيب في العراق والشام وفارس ومصر والتي عرفت حضارة بلاد ما بين النهرين الي جانب مختلف الحضارات التي تعاقبت على البحر الابيض المتوسط في اليونان وقرطاج وروما وقرطبة والقيروان .

وكتبت فوزية الشرفي في كتابها " الإسلام والعلم (ص 31) تقول: "لمدة سبعة قرون تألق العرب في كل العلوم من الرياضيات إلى علم الفلك والبصريات والكيمياء وعلوم الحياة والجغرافيا. وكان الانطلاق مع الخليفة العقلاني المأمون. وتحولت اللغة العربية الى لغة للعلوم بامتياز والى لغة عالمية".

 وبفضل تلك الظروف والجهود، استطاع العرب في تلك الفترة القصيرة نسبيا استيعاب علوم العصر والثقافات السائدة قبلهم. وتحولت اللغة العربية في وقت قياسي إلى لغة العلم والفكر ولغة الرياضيات والجبر والتقنية، كما نشاهد اليوم الأمر بالنسبة لسيطرة اللغة الانجليزية والمناهج الانغلوساكسونية بفضل وجود إمبراطورية الولايات المتحدة الامريكية الناطقة لغة وعلما وتكنولوجيا بالانجليزية.

 وفي نظر الكثير من المؤرخين فقد كان القرن العشرون قرنا أمريكيا بامتياز على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي والعلمي، بعد أن كان القرن التاسع عشر قرنا بريطانيّا، والقرن الثامن عشر فرنسيّا، في حين كانت القرون الثلاثة التي أعقبت اكتشاف امريكا وسقوط غرناطة في نفس العام سنة 1492 قرون الامبراطوريتين الاسبانية والبرتغالية ، المتخرجتين من شبه الجزيرة الإيبيرية وبلاد الأندلس المتطورة علميا وتقنيا ، واللتين مثلتا عملية الانتقال الحضاري الكوني من الحضارة العربية الاسلامية المهيمنة طوال العصر الوسيط ، إلى الإمبراطورية اللاتينية الرومانية اليونانية، المهيمنة إلى اليوم.

   وبالأمس كانت الترجمة وسيلة الأخذ والعطاء بين الحضارات المتعاقبة . ولم يكن هناك فاصل بين الترجمة ووضع المصطلح واشتقاقاته اللغوية العربية ، حيث كان المترجمون يقومون باستنباط المصطلح واستخدامه في المجالات والحالات المناسبة لأداء المعنى الجديد المستحدث مع الحالة المكتشفة باستمرار، بفضل التطور العلمي والفكري المنبعث من كل مجتمع حضاري متميز بالحيوية والخلق والإبداع اليومي والاكتشافات بشكل لاحدود له .

   أما اليوم، فقد انضافت إلى ديناميكية الترجمة مختلف وسائل الإعلام والاتصال السيارة والناشرة، التي أصبح لها دور محوري في نشر المصطلحات الجديدة التي تقرّها مجامع اللغة العربية أو المراكز الوطنية للترجمة في الدول العربية، وفي معرفة كيفية إشاعتها وبثها ونشرها في مختلف الصحف والاذاعات والتلفزيونات والمواقع الإلكترونية، إلى جانب تطويع وتهذيب المصطلحات التي تفرزها ديناميكية الميديا الجديدة المتواصلة "أون لاين"، على مدار الساعة في شبكات التواصل الاجتماعي كافة، وصولا الي توظيف الذكاء الصناعي والروبوتات المولّدة والمترجمة للنصوص الكتابية، تحت إمرة الذكاء البشري الوقّاد دوما، حسب الخوارزميات التي يزودها به أبو جعفر الخوارزمي، مؤسس بيت الحكمة ومديرها التنفيذي لسنوات في بغداد في قرب المأمون.

     وحيال الوضع الحضاري المتخلف الذي يعيشه العالم العربي والاسلامي راهنا، فإنه ليس هناك من خيار أمامه لتحقيق نهوضه الحضاري المطلوب، سوى القيام أولا بإحياء تراثه الحضاري في مختلف مجالات الإبداع الأدبي والكتابي والفكري والعلمي المعرفي، بغاية الاستلهام منه، وثانيا تطوير وتكثيف جهود الترجمة إلى العربية من مختلف اللغات الأجنبية التي لها منتوج إبداعي راهن، وهي خلاصة اللغات اللاتينية للغرب المهيمن على العالم إلى اليوم منذ 1492 . ومنذ ذلك التاريخ جاءت نهضة بلدان الغرب من احتكاكها بالعالم الاسلامي المتقدم وقتها وتكثيفها جهود ترجمة آثار العرب العلمية من جامعات قرطبة وطليطلة خاصة بالأندلس ، لمدة قرنين من الزمن ترجمة قبل الإبداع استلهاما.

 

 

 

كيف نجح العرب في اكتساب العلوم وبناء حضارة عن طريق الترجمة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم د. الصحراوي قمعون

صحفي باحث في علوم الاعلام والصحافة

كانت الترجمة بداية عصر النهضة الحضارية الإسلامية الكبرى زمن العباسيين، خاصة مع الخليفة الليبرالي المثقف المأمون الذي بعث "بيت الحكمة" كمركز بحوث علمية في بغداد وأشرف على ترجمة الآثار الإغريقية في العلوم والطب والفلك والفلسفة والرياضيات، كما تفيد بذلك المصادر التاريخية .

 كما قام المأمون بحثّ الناس على قراءة هذه الكتب المترجمة وترغيبهم في تعلمها ووضع برنامج طموح لنشر الكتاب وإدارة مطالعة الكتب والإصدارات الجديدة في مدينة السلام وعاصمة العلم بغداد، مما سهل انتشار العلوم والمعرفة على أوسع نطاق في بغداد وفي البلدان الإسلامية التابعة للإمبراطورية، التي أصبحت تتشبه بعاصمة الخلافة بغداد، على غرار دولة الأغالبة في القيروان، التي بعثت لديها "بيت الحكمة" في القيروان إسوة ببغداد.

       كما بذل جهودا وأموالا كبيرة لجلب وشراء نفائس المؤلفات الإغريقية والرومية من عند الروم. وقد كان من أحد شروط الصلح بين المأمون والامبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث أن يسلم للمأمون إحدى المكتبات الشهيرة في القسطنطينية. وكان من بين كنوزها كتاب بطليموس في الفلك، فأمر المأمون، وهو فرح بهذا الكنز الذي يعرف قيمته العليا باعتباره حاكما مثقفا ، بنقله إلى العربية. كما أرسل بعثات إلى بلاد الروم للحصول على كتب علماء الإغريق. وذكر الطبيب والمؤرخ بن أبي أُصَيْبِعة صاحب كتاب "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" (ص 260)، أن المأمون كان معجبا بالمترجم حنين بن اسحاق إلى درجة أن كان يعطيه من الذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى اللسان العربي، مما جعله يتعمد نسخ الكتب المترجمة بحروف كوفية كبيرة وبورق عالي الجودة وثقيل الوزن حتى تكون المكافأة أعلى، وهو ما سمح أيضا بدوام تلك النسخ لمئات السنين لأنها من ورق ذي جودة عالية تقاوم الزمن، كما ورق الجرائد والمجلات الرفيعة اليوم.

    وقد اقتدى بالمأمون رجال دولته ومن جاء بعدهم. وشمل الاهتمام الفكري أيضا سكان الخلافة العباسية المزدهرة مما جعل الحياة الفكرية وعملية الترجمة تشمل كل اللغات اليونانية والسريانية والهندية والنبطية والفهلوية .

وفي الكتب الثلاث التي نشرتها بالفرنسية خلال السنوات الاخيرة (من 2015 إلى 2021) أبرزت الجامعية وعالمة الفيزياء التونسية فوزية الشرفي المكانة الكبرى للعلوم في التاريخ الاسلامي، وبينت كيف أن المسلمين زمن الدولة العباسية قاموا خلال قرنين من الزمن بمجهود جبار في ترجمة علوم وفلسفة اليونان والفرس والهنود ليقدموا بذلك خدمة كبيرة لاستمرار مشعل الحضارة الإنسانية وقّادا، كما جاء خاصة في كتابها " الإسلام والعلم" (ص 42).

   وفي القيروان خلال عهد الدولة الأغلبية بذل أمراؤها، اقتداء بأسيادهم العباسيين في بغداد، جهودا كبيرة لتشجيع الترجمة في "بيت الحكمة" بالقيروان، حيث يفيد المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب في كتابه "ورقات عن الحضارة العربية بإفريقية "( ص 230).أن: " الأمير الأغلبي إبراهيم الثاني تخيّرَ بعض المصنفات اللاتينية في العلوم الرياضية التي اطلع عليها وكلف بترجمتها بعض الرهبان الصقليين المتكلمين باللغة العربية وألحق بهم بعض علماء اللغة من الافريقيين، وعهد إليهم مهمة تنقيح عباراتهم وسبْكها في قالب عربي صحيح، رغبة منه في تعميم فائدتها ونشرها بين الناس. ومما يؤيد هذا الظن ما ذكره حسن الوزاني (ليون الافريقي ) في رحلته المشهورة من أنه رأى في بلاد إفريقية (تونس) ترجمة كتاب المؤرخ بلينوس الروماني في علم النبات باللغة العربية. أما بلاد المغرب من الأندلس إلى آخر برقة بليبيا حاليا ، فإن اللغة السائدة فيها سواء في الشؤون الرسمية أو في رسوم الديانة هي اللاتينية خاصة. ولذا اضطر كثير من العرب الأفارقة تعلمها وإتقانها تكلما وكتابة، لما يفرضه عليهم امتزاجهم بالعناصر المحلية ومجاورتهم المستمرة لبقايا الرومان والمسيحيين المقيمين في بلادهم ، سواء كانوا في الشمال الإفريقي أو في الأندلس أو في صقلية. وجملة القول، أن مساعي أمراء الأغالبة في توثيق العلاقات بين الشرق والغرب وفي ميدان الثقافة ونشر العرفان في مملكتهم بالخصوص، كان مجهودا كبيرا يعتبر من أخصب فترات الحكم في افريقية الذي تواصل قرنا كاملا في القرن العاشر الميلادي، مثلما تدل عليه الشواهد المادية في الرباطات الدفاعية للمدن الساحلية وفسقيات جلب وتجميع المياه في القيروان وصفاقس والتي تجاوزت في عظمتها ماتركه الرومان من عمل لقرون عديدة، كما يبينه المؤرخون .

  والحقيقة أن الحضارة العربية الإسلامية المعولمة جاءت بفضل الانفتاح على منطقة الهلال الخصيب في العراق والشام وفارس ومصر والتي عرفت حضارة بلاد ما بين النهرين الي جانب مختلف الحضارات التي تعاقبت على البحر الابيض المتوسط في اليونان وقرطاج وروما وقرطبة والقيروان .

وكتبت فوزية الشرفي في كتابها " الإسلام والعلم (ص 31) تقول: "لمدة سبعة قرون تألق العرب في كل العلوم من الرياضيات إلى علم الفلك والبصريات والكيمياء وعلوم الحياة والجغرافيا. وكان الانطلاق مع الخليفة العقلاني المأمون. وتحولت اللغة العربية الى لغة للعلوم بامتياز والى لغة عالمية".

 وبفضل تلك الظروف والجهود، استطاع العرب في تلك الفترة القصيرة نسبيا استيعاب علوم العصر والثقافات السائدة قبلهم. وتحولت اللغة العربية في وقت قياسي إلى لغة العلم والفكر ولغة الرياضيات والجبر والتقنية، كما نشاهد اليوم الأمر بالنسبة لسيطرة اللغة الانجليزية والمناهج الانغلوساكسونية بفضل وجود إمبراطورية الولايات المتحدة الامريكية الناطقة لغة وعلما وتكنولوجيا بالانجليزية.

 وفي نظر الكثير من المؤرخين فقد كان القرن العشرون قرنا أمريكيا بامتياز على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي والعلمي، بعد أن كان القرن التاسع عشر قرنا بريطانيّا، والقرن الثامن عشر فرنسيّا، في حين كانت القرون الثلاثة التي أعقبت اكتشاف امريكا وسقوط غرناطة في نفس العام سنة 1492 قرون الامبراطوريتين الاسبانية والبرتغالية ، المتخرجتين من شبه الجزيرة الإيبيرية وبلاد الأندلس المتطورة علميا وتقنيا ، واللتين مثلتا عملية الانتقال الحضاري الكوني من الحضارة العربية الاسلامية المهيمنة طوال العصر الوسيط ، إلى الإمبراطورية اللاتينية الرومانية اليونانية، المهيمنة إلى اليوم.

   وبالأمس كانت الترجمة وسيلة الأخذ والعطاء بين الحضارات المتعاقبة . ولم يكن هناك فاصل بين الترجمة ووضع المصطلح واشتقاقاته اللغوية العربية ، حيث كان المترجمون يقومون باستنباط المصطلح واستخدامه في المجالات والحالات المناسبة لأداء المعنى الجديد المستحدث مع الحالة المكتشفة باستمرار، بفضل التطور العلمي والفكري المنبعث من كل مجتمع حضاري متميز بالحيوية والخلق والإبداع اليومي والاكتشافات بشكل لاحدود له .

   أما اليوم، فقد انضافت إلى ديناميكية الترجمة مختلف وسائل الإعلام والاتصال السيارة والناشرة، التي أصبح لها دور محوري في نشر المصطلحات الجديدة التي تقرّها مجامع اللغة العربية أو المراكز الوطنية للترجمة في الدول العربية، وفي معرفة كيفية إشاعتها وبثها ونشرها في مختلف الصحف والاذاعات والتلفزيونات والمواقع الإلكترونية، إلى جانب تطويع وتهذيب المصطلحات التي تفرزها ديناميكية الميديا الجديدة المتواصلة "أون لاين"، على مدار الساعة في شبكات التواصل الاجتماعي كافة، وصولا الي توظيف الذكاء الصناعي والروبوتات المولّدة والمترجمة للنصوص الكتابية، تحت إمرة الذكاء البشري الوقّاد دوما، حسب الخوارزميات التي يزودها به أبو جعفر الخوارزمي، مؤسس بيت الحكمة ومديرها التنفيذي لسنوات في بغداد في قرب المأمون.

     وحيال الوضع الحضاري المتخلف الذي يعيشه العالم العربي والاسلامي راهنا، فإنه ليس هناك من خيار أمامه لتحقيق نهوضه الحضاري المطلوب، سوى القيام أولا بإحياء تراثه الحضاري في مختلف مجالات الإبداع الأدبي والكتابي والفكري والعلمي المعرفي، بغاية الاستلهام منه، وثانيا تطوير وتكثيف جهود الترجمة إلى العربية من مختلف اللغات الأجنبية التي لها منتوج إبداعي راهن، وهي خلاصة اللغات اللاتينية للغرب المهيمن على العالم إلى اليوم منذ 1492 . ومنذ ذلك التاريخ جاءت نهضة بلدان الغرب من احتكاكها بالعالم الاسلامي المتقدم وقتها وتكثيفها جهود ترجمة آثار العرب العلمية من جامعات قرطبة وطليطلة خاصة بالأندلس ، لمدة قرنين من الزمن ترجمة قبل الإبداع استلهاما.