تجدد اللقاء مع منتدى الفكر التنويري يومي الثلاثاء 5 والأربعاء 6 نوفمبر للاحتفاء وتكريم الشاعر الراحل محجوب العياري من خلال ندوة فكرية كبرى، على عادة هذا المنتدى الذي اختار منذ تأسيسه سنة 2018 تحت إشراف مؤسِّسه ومديره الباحث محمد المي، التوثيق لرواد كانت بصمتهم واضحة وجلية في المشهد الأدبي والفكري والثقافي التونسي. ولئن كان حرص المنتدى بدرجة أولى على الاحتفاء بالتجارب الإبداعية لرواد ما زالوا على قيد الحياة، وهو التوجه الذي ينفرد به، فإنه في ذات الوقت يعمل على التوقف عند تجارب، ونفض الغبار عن أسماء مبدعين غادروا هذه الحياة تاركين وراءهم تجربة إبداعية فريدة في مسيرتهم. من هذا المنطلق، لا غرابة أن يكون الشاعر الراحل محجوب العياري أحد هؤلاء الرواد الذين انفردت تجربتهم الشعرية بخصوصيات لا يتقنها إلا هم، على اعتبار أن الشعر عنده ليس مجرد انفعالات وأحاسيس بقدر ما هو طريقة ومنهج لتلك الأحاسيس والانفعالات والمشاعر. برز الراحل محجوب العياري منذ بداية الثمانينات بصوت إبداعي شعري خاص، وهو الذي يتغنى في أشعاره كلها بمباهج الحياة، وكان لديه إحساس بكونه سيغادر هذه الحياة باكرًا. لقد تمرد محجوب العياري على المرض الذي استفحل به، ولم يلتفت إطلاقًا لنصائح الأطباء، لينغمس كليًا في الحياة التي رأى أنه عليه الاستمرار فيها كما يريدها هو، بعيدًا عن النصائح والتوجيهات والقيود. أراد وسعى أن يكون طفلاً لا يكبر ولا يريد أن يكبر في هذه الحياة، حتى وإن تقدم به العمر. انتاب محجوب العياري إحساس عميق ويقين لا شك فيه بأنه بداخله طفلًا نسي أن يكبر، فطفق يحاوره ويحادثه ليكون بذلك صوت الطفولة التي انفرد في التغنّي بها بشكل لا يضاهيه فيه أي شاعر تونسي آخر، وهو الذي انفرد في هذه الأشعار بإخراج اللغة من وظيفتها الإخبارية إلى وظيفة إنشائية تشد القارئ إليها قبل أن تشده إلى شيء آخر.
محجوب العياري..المسكون بالشعر
محجوب العياري - الذي رحل عن هذه الدنيا يوم 10 مارس 2010 - وله من العمر 49 سنة، أصيل مدينة ماطر الجميلة بطبيعتها الخلابة، ومنها وفي رحاب مناخها بطابعها الرومانسي الحالم، نحت الراحل أولى أشعاره، والتي برزت خصوصياتها في دواوينه التي صدرت له، والتي أكد من خلالها أنه مسكون بالشعر. وهذه الدواوين هي "حالات شتى لمدينة" سنة 1990، و"حرائق الصباح حرائق المساء" سنة 1993، و"أقمار لسيدة الشجرات" سنة 1997، و"الطفل" 2004، وروايته "أمجد عبد الدائم يركب البحر شمالًا". والملفت في هذه الإصدارات أن ديوانه "الطفل" اتفق النقاد والدراسون على أنه واحد من أرقى وأجمل المجموعات في المدونة الشعرية التونسية. فهذه المجموعة عبارة عن نشيد طويل خصصه صاحبه للطفولة... فهي الدرع الذي يحتمي به من القبح المستشري في العالم وسوء الطوية، السمة البارزة في العلاقات الإنسانية. فالطفولة عند محجوب العياري هي الحصن الذي يفر إليه هربًا من زمن يلتهم كل شيء. إنه شاعر الطفولة الذي رثى نفسه، شاعر كرمته نابل بتأسيس ملتقى أدبي سنوي يحمل اسمه تقديرًا واعترافًا لما قدمه لهذه المدينة من جليل الأعمال لمثقفيها طيلة الفترة المهنية التي قضاها في هذه المدينة الجميلة.
محسن بن أحمد
تونس - الصباح
تجدد اللقاء مع منتدى الفكر التنويري يومي الثلاثاء 5 والأربعاء 6 نوفمبر للاحتفاء وتكريم الشاعر الراحل محجوب العياري من خلال ندوة فكرية كبرى، على عادة هذا المنتدى الذي اختار منذ تأسيسه سنة 2018 تحت إشراف مؤسِّسه ومديره الباحث محمد المي، التوثيق لرواد كانت بصمتهم واضحة وجلية في المشهد الأدبي والفكري والثقافي التونسي. ولئن كان حرص المنتدى بدرجة أولى على الاحتفاء بالتجارب الإبداعية لرواد ما زالوا على قيد الحياة، وهو التوجه الذي ينفرد به، فإنه في ذات الوقت يعمل على التوقف عند تجارب، ونفض الغبار عن أسماء مبدعين غادروا هذه الحياة تاركين وراءهم تجربة إبداعية فريدة في مسيرتهم. من هذا المنطلق، لا غرابة أن يكون الشاعر الراحل محجوب العياري أحد هؤلاء الرواد الذين انفردت تجربتهم الشعرية بخصوصيات لا يتقنها إلا هم، على اعتبار أن الشعر عنده ليس مجرد انفعالات وأحاسيس بقدر ما هو طريقة ومنهج لتلك الأحاسيس والانفعالات والمشاعر. برز الراحل محجوب العياري منذ بداية الثمانينات بصوت إبداعي شعري خاص، وهو الذي يتغنى في أشعاره كلها بمباهج الحياة، وكان لديه إحساس بكونه سيغادر هذه الحياة باكرًا. لقد تمرد محجوب العياري على المرض الذي استفحل به، ولم يلتفت إطلاقًا لنصائح الأطباء، لينغمس كليًا في الحياة التي رأى أنه عليه الاستمرار فيها كما يريدها هو، بعيدًا عن النصائح والتوجيهات والقيود. أراد وسعى أن يكون طفلاً لا يكبر ولا يريد أن يكبر في هذه الحياة، حتى وإن تقدم به العمر. انتاب محجوب العياري إحساس عميق ويقين لا شك فيه بأنه بداخله طفلًا نسي أن يكبر، فطفق يحاوره ويحادثه ليكون بذلك صوت الطفولة التي انفرد في التغنّي بها بشكل لا يضاهيه فيه أي شاعر تونسي آخر، وهو الذي انفرد في هذه الأشعار بإخراج اللغة من وظيفتها الإخبارية إلى وظيفة إنشائية تشد القارئ إليها قبل أن تشده إلى شيء آخر.
محجوب العياري..المسكون بالشعر
محجوب العياري - الذي رحل عن هذه الدنيا يوم 10 مارس 2010 - وله من العمر 49 سنة، أصيل مدينة ماطر الجميلة بطبيعتها الخلابة، ومنها وفي رحاب مناخها بطابعها الرومانسي الحالم، نحت الراحل أولى أشعاره، والتي برزت خصوصياتها في دواوينه التي صدرت له، والتي أكد من خلالها أنه مسكون بالشعر. وهذه الدواوين هي "حالات شتى لمدينة" سنة 1990، و"حرائق الصباح حرائق المساء" سنة 1993، و"أقمار لسيدة الشجرات" سنة 1997، و"الطفل" 2004، وروايته "أمجد عبد الدائم يركب البحر شمالًا". والملفت في هذه الإصدارات أن ديوانه "الطفل" اتفق النقاد والدراسون على أنه واحد من أرقى وأجمل المجموعات في المدونة الشعرية التونسية. فهذه المجموعة عبارة عن نشيد طويل خصصه صاحبه للطفولة... فهي الدرع الذي يحتمي به من القبح المستشري في العالم وسوء الطوية، السمة البارزة في العلاقات الإنسانية. فالطفولة عند محجوب العياري هي الحصن الذي يفر إليه هربًا من زمن يلتهم كل شيء. إنه شاعر الطفولة الذي رثى نفسه، شاعر كرمته نابل بتأسيس ملتقى أدبي سنوي يحمل اسمه تقديرًا واعترافًا لما قدمه لهذه المدينة من جليل الأعمال لمثقفيها طيلة الفترة المهنية التي قضاها في هذه المدينة الجميلة.