إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

خفايا صِمْت السُّلطة والنخَب والشعْب عن سَلْب البَلديات السيادة اللغوية للْبلاَد

 

 

الأستاذ الدكتور محمود الذوادي عالم الاجتماع

قصور البلديات في حماية اللغة العربية

تسمح العلوم الاجتماعية بالمقدرة على ملاحظة أشياء وظواهر لا يكاد يلاحظها الآخرون مثل ظاهرة تعامل البلديات التونسية مع اللغة الوطنية/العربية والأسباب العميقة وراء ذلك التعامل. تتمثل الظاهرة في قصور البلديات على حماية اللغة العربية في كتابة اللافتات في الفضاء العام وفي الشوارع والمراكز التجارية والطرقات وغيرها حيث تغتصب اللغة الفرنسية المكانة الأولى فيها رغم وجود قوانين بلدية تجبر أصحابَ تلك الأماكن بإعطاء الصدارة إلى كتابة اللافتات بالحروف العربية، بينما تتبنى البلديات سياسات لغوية في الاتجاه المعاكس تتمثل في كتابة أغلبية اللافتات بالفرنسية في مدن وقرى البلاد التونسية. تشير تلك السلوكيات اللغوية إلى أن البلديات التونسية فاقدة للسيادة اللغوية رغم أن القوانين البلدية تطالب باستعمال اللغة العربية أولا في اللافتات وبحروف كبيرة ثم ثانيا كتابتها بالفرنسية أو غيرها (عند الضرورة) تحت الكلمات العربية وبحروف صغيرة. يكثر الحديث بعد الثورة على دور المجتمع المدني في التصدي لبعض المعالم غير الوطنية وغيرها من الظواهر التي تعتدي على الجوانب المدنية للمجتمع. لقد سألتُ المسئولين في محلات مثل المونوبري إذا كانت هناك احتجاجات من طرف المواطنين على اللافتات المكتوبة بالفرنسية فقط. فكانت الإجابات أن عدد التونسيات والتونسيين الذين قاموا بعملية الاحتجاج = صفرا/0. أي أن المجتمع المدني التونسي لا يحرك ساكنا حول موضوع مدني مائة في المائة ( اللغة) وذي علاقة حميمة بالمواطنة اللغوية. والسؤال العلمي الكبير هو: ما هي خفايا وجود صفر احتجاجات لدى الشعب التونسي على غياب لغته الوطنية في معظم اللافتات ؟ فحضور الظاهرة ليس ' هككا وبّرا ' وإنما هي نتيجة عوامل تبرزها بقية سطور هذا المقال.

المجتمع التونسي وحقوقه اللغوية

يتحدث التونسيون والتونسيات عن سلسلة من الحقوق للمواطنين في البلاد، لكن يصمت الجميع تقريبا عن حقوق المجتمع التونسي في استعمال لغته الوطنية/العربية. فمنذ الاستقلال حكمت النخب السياسية والفكرية "الحداثية" بقيادة الرئيس بورقيبة البلاد. وهي نخب يهيمن عليها الاستعمار الفرنسي اللغوي والثقافي مما جعلها تتبنى سياسات لغوية تحرم المجتمع التونسي من حقوقه في استعمال لغته الوطنية باعتزاز استعمالا كاملا وطبيعيا في تسيير شؤون الناس والمؤسسات في هذا المجتمع "المستقل" منذ 1956. تشير الكثير من الأحداث التونسية ضُعف الاهتمام بالأمور الوطنية وتهميشها في مجالات عديدة في المجتمع. مثلا، فتفضيل استعمال الفرنسية بدل العربية اللغة الوطنية للمجتمع التونسي في الإعلان عن نتائج امتحانات الباكالوريا وغيرها يُعتبر نفورا من رحاب الوطنية اللغوية. يفيد تحليل العلوم الاجتماعية لذلك أن نظام التعليم التونسي يحتضن ما نسميه 'الازدواجية اللغوية الأمارة' التي تحرم المواطنين التونسيين من الوطنية اللغوية الحقيقية. أي أنهم بالتعبير الفلسفي دافعوا عن تحرير جسد المجتمع ( الاحتلال العسكري والسياسي والفلاحي) ورحبوا/يرحبون ببقاء روح المجتمع ( لغته وثقافته) مستعمَرة ومستلَبة الهوية، ومن ثم يحتفلون سنويا بالجلاء العسكري لكنهم لا يرحبون بالجلاء اللغوي والثقافي. لقد أبرز مؤلف كتاب العقل العربي Raphael Patai آثار التعليم الثنائي اللغة على اللغة العربية في المجتمعات العربية كما هو الحال في التعليم الصادقي التونسي والتعليم العام بعد الاستقلال. فوجدت الأعراض التالية لدى خريجيهما:

1ـ الانتماء إلى ثقافتين دون القدرة على تعريف الذات بالانتماء الكامل لأي منهما.

2 - التذبذب المزدوج يتمثل في رغبتهم كسب علاقة حميمة كاملة مع الغرب ومع مجتمعهم في نفس الوقت دون النجاح في أي منهما.

 3 - يتصف خريجو ذلك التعليم بشخصية منفصمة ناتجة عن معايشة عاملين قويين متعاكسين: الارتباط بالثقافة العربية والانجذاب إلى الثقافة الغربية.

4 - عداء سافر للاستعمار الفرنسي يقابله ترحيب كبير بلغته. فخريجو هاتين المدرستين أسسوا نظام تعليم تونسي يعيد إنتاج نمط تعليمهم الضعيف في الوطنية اللغوية كما يعبر عن ذلك مفهومReproduction (إعادة إنتاج أنفسهم ) في علم الاجتماع.

فقدان الحجر اللغوي وراء الاغتراب اللغوي .

تفيد دراساتنا للمسألة اللغوية في المجتمع التونسية أن غفلة المجتمع المدني عن أهمية اللغة الوطنية/العربية تعود أساسا إلى فقدان ما نسميه الحجر اللغوي في التعليم التونسي الذي يتمثل في تدريس جميع المواد باللغة الوطنية فقط حتى نهاية التعليم الثانوي على الأقل كما تفعل مثلا أنظمة التعليم في المجتمعات الأوروبية. فكان ينبغي على وزارات التربية بعد الاستقلال طرح بديلين لإنهاء التدريس باللغة الفرنسية المواد العلمية في المرحلة الثانوية: 1- تدريس تلك المواد باللغة الوطنية فقط وهي السياسة اللغوية الطبيعية والوطنية في المجتمعات ذات السيادة الكاملة. 2- تدريس تلك المواد باللغة الانكليزية لغة العلوم على المستوى العالمي. وهذا البديل تتبناه مجتمعات أخرى ليس في المرحلة الثانوية فحسب وإنما في المراحل الجامعية كما هو الحال في الجزائر والمغرب وغيرهما في بعض المجتمعات الإفريقية جنوب الصحراء. وبغياب الحجر اللغوي، غابت المناداة بالاستقلال اللغوي كأولوية مثل الاستقلال السياسي والعسكري والفلاحي لدى النخب السياسية بقيادة الرئيس بورقيبة ومن قادوا مسيرة البلاد بعد رحيل الاستعمار الفرنسي لأنهم درسوا جميع المواد في المدرسة الصادقية وغيرها باللغة الفرنسية. وبهذا الصدد تعود جذور الرضى بحضور الاستيطان اللغوي إلى ما قبل الاستقلال. فقد أخطأ خيرُ الدين باشا في قرار التدريس باللغة الفرنسية في المدرسة الصادقية بدلا عن العربية جهلا منه بالآثار السلبية على اللغة العربية وهوية خريجي هذه المدرسة. لذا .يخطئ معظمُ التونسيين في الاعتقاد أن مجرد إتقان الصادقيين للغة العربية وغيرهم من خريجي المدرسة العمومية بعد الاستقلال يجعلهم يحترمونها مثل الفرنسية أو يفضلونها في الحديث والكتابة. فبورقيبة والنخب التونسية بعد الاستقلال متحيزون أكثر إلى اللغة الفرنسية. يؤكد التحليل العلمي أن السبب الأول وراء ذلك هو فقدانهم للحجر اللغوي (دراسة جميع المواد باللغة العربية حتى نهاية التعليم الثانوي) الذي يغرس فيهم موقفا نفسيا استعماريا يفضل اللغة الفرنسية على العربية كما عبر عن ذلك تصريح السيد محمود المسعدي وزير التربية لمجلة Dialogue قائلا : " يجب التدريس بالفرنسية وتعليم العربية". ومن ثم، فأجيال ما بعد الاستقلال في المجتمع التونسي هي أجيال مسلوبة الوطنية اللغوية بسبب فقدانها للحجر اللغوي لصلح اللغة العربية. فالمجلس الأعلى للتربية ووزارة التربية يناديان بإصلاح المنظومة التربوية، لكن لا أحد – حسب علمنا - ذكر أن الإصلاح الحقيقي لأبجدية منظومة التعليم لا يتم دون تبني الحجر اللغوي لتأصيل منظومة التربية في مجتمع تقول دساتيره إن اللغة العربية هي لغة سيادته الكاملة.

عِبرُ عنوان المقال

نرجو أنه قد اتضح للقارئ معنى ودلالات عنوان هذا المقال الذي يبرز شبكة العوامل اللغوية والثقافية والنفسية والاستعمارية التي تجعل التونسيات والتونسيين لا يحتجون على اللافتات المكتوبة باللغة الفرنسية فقط رغم إبصارهم لها ( إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) أي أن حرمانهم من الحجر اللغوي يجعلهم نفسيا عاجزين حتى على مجرد الوعي بأن كتابة اللافتات بالفرنسية فقط هي تعدّ سافر على السيادة اللغوية للوطن. تأتي مشروعية واجب تبني الحجر اللغوي من أنه يضمن وجود العلاقة السليمة مع اللغة الوطنية/العربية المتمثلة في استعمالها وحدها في الحديث (العامية التونسية العربية) والكتابة. لكن يرحب الحجر اللغوي بتعلّم اللغات الأجنبية ويرفض التدريس بها لأنه يفسد العلاقة السليمة مع اللغة العربية/الوطنية كما تشهد على ذلك مجتمعات المغرب العربي الفرنكوفونية. وختاما وتعزيزا لمقولة هذا المقال، تشير الملاحظة الى أن خريجي نظام التعليم في مطلع الاستقلال في ما سُمي شعبة (أ) حيث درس التلاميذ التونسيون كل المواد باللغة العربية حتى نهاية التعليم الثانوي هم أكثر المتعلمين التونسيين تعاطفا واستعمالا ودفاعا عن اللغة العربية/ الوطنية.

 

 

خفايا صِمْت السُّلطة والنخَب والشعْب عن سَلْب البَلديات السيادة اللغوية للْبلاَد

 

 

الأستاذ الدكتور محمود الذوادي عالم الاجتماع

قصور البلديات في حماية اللغة العربية

تسمح العلوم الاجتماعية بالمقدرة على ملاحظة أشياء وظواهر لا يكاد يلاحظها الآخرون مثل ظاهرة تعامل البلديات التونسية مع اللغة الوطنية/العربية والأسباب العميقة وراء ذلك التعامل. تتمثل الظاهرة في قصور البلديات على حماية اللغة العربية في كتابة اللافتات في الفضاء العام وفي الشوارع والمراكز التجارية والطرقات وغيرها حيث تغتصب اللغة الفرنسية المكانة الأولى فيها رغم وجود قوانين بلدية تجبر أصحابَ تلك الأماكن بإعطاء الصدارة إلى كتابة اللافتات بالحروف العربية، بينما تتبنى البلديات سياسات لغوية في الاتجاه المعاكس تتمثل في كتابة أغلبية اللافتات بالفرنسية في مدن وقرى البلاد التونسية. تشير تلك السلوكيات اللغوية إلى أن البلديات التونسية فاقدة للسيادة اللغوية رغم أن القوانين البلدية تطالب باستعمال اللغة العربية أولا في اللافتات وبحروف كبيرة ثم ثانيا كتابتها بالفرنسية أو غيرها (عند الضرورة) تحت الكلمات العربية وبحروف صغيرة. يكثر الحديث بعد الثورة على دور المجتمع المدني في التصدي لبعض المعالم غير الوطنية وغيرها من الظواهر التي تعتدي على الجوانب المدنية للمجتمع. لقد سألتُ المسئولين في محلات مثل المونوبري إذا كانت هناك احتجاجات من طرف المواطنين على اللافتات المكتوبة بالفرنسية فقط. فكانت الإجابات أن عدد التونسيات والتونسيين الذين قاموا بعملية الاحتجاج = صفرا/0. أي أن المجتمع المدني التونسي لا يحرك ساكنا حول موضوع مدني مائة في المائة ( اللغة) وذي علاقة حميمة بالمواطنة اللغوية. والسؤال العلمي الكبير هو: ما هي خفايا وجود صفر احتجاجات لدى الشعب التونسي على غياب لغته الوطنية في معظم اللافتات ؟ فحضور الظاهرة ليس ' هككا وبّرا ' وإنما هي نتيجة عوامل تبرزها بقية سطور هذا المقال.

المجتمع التونسي وحقوقه اللغوية

يتحدث التونسيون والتونسيات عن سلسلة من الحقوق للمواطنين في البلاد، لكن يصمت الجميع تقريبا عن حقوق المجتمع التونسي في استعمال لغته الوطنية/العربية. فمنذ الاستقلال حكمت النخب السياسية والفكرية "الحداثية" بقيادة الرئيس بورقيبة البلاد. وهي نخب يهيمن عليها الاستعمار الفرنسي اللغوي والثقافي مما جعلها تتبنى سياسات لغوية تحرم المجتمع التونسي من حقوقه في استعمال لغته الوطنية باعتزاز استعمالا كاملا وطبيعيا في تسيير شؤون الناس والمؤسسات في هذا المجتمع "المستقل" منذ 1956. تشير الكثير من الأحداث التونسية ضُعف الاهتمام بالأمور الوطنية وتهميشها في مجالات عديدة في المجتمع. مثلا، فتفضيل استعمال الفرنسية بدل العربية اللغة الوطنية للمجتمع التونسي في الإعلان عن نتائج امتحانات الباكالوريا وغيرها يُعتبر نفورا من رحاب الوطنية اللغوية. يفيد تحليل العلوم الاجتماعية لذلك أن نظام التعليم التونسي يحتضن ما نسميه 'الازدواجية اللغوية الأمارة' التي تحرم المواطنين التونسيين من الوطنية اللغوية الحقيقية. أي أنهم بالتعبير الفلسفي دافعوا عن تحرير جسد المجتمع ( الاحتلال العسكري والسياسي والفلاحي) ورحبوا/يرحبون ببقاء روح المجتمع ( لغته وثقافته) مستعمَرة ومستلَبة الهوية، ومن ثم يحتفلون سنويا بالجلاء العسكري لكنهم لا يرحبون بالجلاء اللغوي والثقافي. لقد أبرز مؤلف كتاب العقل العربي Raphael Patai آثار التعليم الثنائي اللغة على اللغة العربية في المجتمعات العربية كما هو الحال في التعليم الصادقي التونسي والتعليم العام بعد الاستقلال. فوجدت الأعراض التالية لدى خريجيهما:

1ـ الانتماء إلى ثقافتين دون القدرة على تعريف الذات بالانتماء الكامل لأي منهما.

2 - التذبذب المزدوج يتمثل في رغبتهم كسب علاقة حميمة كاملة مع الغرب ومع مجتمعهم في نفس الوقت دون النجاح في أي منهما.

 3 - يتصف خريجو ذلك التعليم بشخصية منفصمة ناتجة عن معايشة عاملين قويين متعاكسين: الارتباط بالثقافة العربية والانجذاب إلى الثقافة الغربية.

4 - عداء سافر للاستعمار الفرنسي يقابله ترحيب كبير بلغته. فخريجو هاتين المدرستين أسسوا نظام تعليم تونسي يعيد إنتاج نمط تعليمهم الضعيف في الوطنية اللغوية كما يعبر عن ذلك مفهومReproduction (إعادة إنتاج أنفسهم ) في علم الاجتماع.

فقدان الحجر اللغوي وراء الاغتراب اللغوي .

تفيد دراساتنا للمسألة اللغوية في المجتمع التونسية أن غفلة المجتمع المدني عن أهمية اللغة الوطنية/العربية تعود أساسا إلى فقدان ما نسميه الحجر اللغوي في التعليم التونسي الذي يتمثل في تدريس جميع المواد باللغة الوطنية فقط حتى نهاية التعليم الثانوي على الأقل كما تفعل مثلا أنظمة التعليم في المجتمعات الأوروبية. فكان ينبغي على وزارات التربية بعد الاستقلال طرح بديلين لإنهاء التدريس باللغة الفرنسية المواد العلمية في المرحلة الثانوية: 1- تدريس تلك المواد باللغة الوطنية فقط وهي السياسة اللغوية الطبيعية والوطنية في المجتمعات ذات السيادة الكاملة. 2- تدريس تلك المواد باللغة الانكليزية لغة العلوم على المستوى العالمي. وهذا البديل تتبناه مجتمعات أخرى ليس في المرحلة الثانوية فحسب وإنما في المراحل الجامعية كما هو الحال في الجزائر والمغرب وغيرهما في بعض المجتمعات الإفريقية جنوب الصحراء. وبغياب الحجر اللغوي، غابت المناداة بالاستقلال اللغوي كأولوية مثل الاستقلال السياسي والعسكري والفلاحي لدى النخب السياسية بقيادة الرئيس بورقيبة ومن قادوا مسيرة البلاد بعد رحيل الاستعمار الفرنسي لأنهم درسوا جميع المواد في المدرسة الصادقية وغيرها باللغة الفرنسية. وبهذا الصدد تعود جذور الرضى بحضور الاستيطان اللغوي إلى ما قبل الاستقلال. فقد أخطأ خيرُ الدين باشا في قرار التدريس باللغة الفرنسية في المدرسة الصادقية بدلا عن العربية جهلا منه بالآثار السلبية على اللغة العربية وهوية خريجي هذه المدرسة. لذا .يخطئ معظمُ التونسيين في الاعتقاد أن مجرد إتقان الصادقيين للغة العربية وغيرهم من خريجي المدرسة العمومية بعد الاستقلال يجعلهم يحترمونها مثل الفرنسية أو يفضلونها في الحديث والكتابة. فبورقيبة والنخب التونسية بعد الاستقلال متحيزون أكثر إلى اللغة الفرنسية. يؤكد التحليل العلمي أن السبب الأول وراء ذلك هو فقدانهم للحجر اللغوي (دراسة جميع المواد باللغة العربية حتى نهاية التعليم الثانوي) الذي يغرس فيهم موقفا نفسيا استعماريا يفضل اللغة الفرنسية على العربية كما عبر عن ذلك تصريح السيد محمود المسعدي وزير التربية لمجلة Dialogue قائلا : " يجب التدريس بالفرنسية وتعليم العربية". ومن ثم، فأجيال ما بعد الاستقلال في المجتمع التونسي هي أجيال مسلوبة الوطنية اللغوية بسبب فقدانها للحجر اللغوي لصلح اللغة العربية. فالمجلس الأعلى للتربية ووزارة التربية يناديان بإصلاح المنظومة التربوية، لكن لا أحد – حسب علمنا - ذكر أن الإصلاح الحقيقي لأبجدية منظومة التعليم لا يتم دون تبني الحجر اللغوي لتأصيل منظومة التربية في مجتمع تقول دساتيره إن اللغة العربية هي لغة سيادته الكاملة.

عِبرُ عنوان المقال

نرجو أنه قد اتضح للقارئ معنى ودلالات عنوان هذا المقال الذي يبرز شبكة العوامل اللغوية والثقافية والنفسية والاستعمارية التي تجعل التونسيات والتونسيين لا يحتجون على اللافتات المكتوبة باللغة الفرنسية فقط رغم إبصارهم لها ( إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) أي أن حرمانهم من الحجر اللغوي يجعلهم نفسيا عاجزين حتى على مجرد الوعي بأن كتابة اللافتات بالفرنسية فقط هي تعدّ سافر على السيادة اللغوية للوطن. تأتي مشروعية واجب تبني الحجر اللغوي من أنه يضمن وجود العلاقة السليمة مع اللغة الوطنية/العربية المتمثلة في استعمالها وحدها في الحديث (العامية التونسية العربية) والكتابة. لكن يرحب الحجر اللغوي بتعلّم اللغات الأجنبية ويرفض التدريس بها لأنه يفسد العلاقة السليمة مع اللغة العربية/الوطنية كما تشهد على ذلك مجتمعات المغرب العربي الفرنكوفونية. وختاما وتعزيزا لمقولة هذا المقال، تشير الملاحظة الى أن خريجي نظام التعليم في مطلع الاستقلال في ما سُمي شعبة (أ) حيث درس التلاميذ التونسيون كل المواد باللغة العربية حتى نهاية التعليم الثانوي هم أكثر المتعلمين التونسيين تعاطفا واستعمالا ودفاعا عن اللغة العربية/ الوطنية.