إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

افتتاحية "الصباح".. طريق "بريكس" إلى عالم "متعدد الأقطاب

 

عنوان واحد يمكنه اختصار قمة مجموعة "بريكس"، التي عقدت بكازان الرّوسية، وهي أنها قمة الانتقال من "مربّع الاقتصاد" إلى "مربع السياسة"، في إطار إيجاد طريق لنظام دولي جديد، "متعدّد الأقطاب"، يصرّ "أغلب" أعضاء هذه التكتل على فرضه، مع بداية تمدّده خارج الدول الخمس المؤسسة له، منذ قمة العام الماضي بجوهانسبورغ بجنوب إفريقيا.

ولعلّ ما فرض على أغلب هذه الدول– وخاصة روسيا والصين ومن بعدهما البرازيل- مغادرة "العباءة الاقتصادية" إلى "الرداء السياسي"، التغيرات الجيوسياسية التي أضحت تغيّر تضاريس العلاقات الدولية في العالم، والتشقق الذي بات يعرفه النظام الدّولي الموروث من الحرب العالمية الثانية، ومن بعدها سقوط جدار برلين، والمرور إلى "زمن السلام الأمريكي" و"مركزية الغرب" في فرض نظامه المالي والسياسي على بقية الدول، في إطار "العولمة" في مفهومها الغربي (الغربنة).

هذه التغيّرات الجيوسياسية، بدأت بوادرها في التطور منذ بداية الألفية الثالثة، وبروز أقطاب اقتصادية، أخذت قوتها في التصاعد، أو في العودة للبروز، وبدأ معها التفكير في لعب دور سياسي محوري على رقعة الشطرنج الدولية، خصوصا وأنّ الاقتصاد السياسي في مفاهيمه المتعددة (الاجتماعي أو الليبرالي) يربط نمو الدول الاقتصادي بمدى تأثيرها على الجغرافيا، وهو ما يعني التأثير السياسي ما بعد حدود سيادة الدول، وهو ما يؤشّر إلى الدور الجيواستراتيجي للدول، وهو الذي يعطي في ما بعد أبعاد الأمن القومي، المرتبط بمعنى آخر أشمل وأعم يطلق عليه "التمدد الجيواستراتيجي".

ثم إنّ تلك التحولات الجيوسياسية، فرضت انتقالا في مركز ثقل الصراع الدولي –وهو بديهي إذا ما اعتمدنا السيرورة التاريخية لتحولات الصراع- من الشمال الأطلسي والبحر المتوسط (حيث أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط في معناه الانقليزي) إلى جنوب شرق آسيا حيث نمت "النمور" وتضخّمت "التنانين" وشهدت بداية نهوض أحدها وأكبرها وهو "التنين الصيني"، الذي تطور حتى بات يفكر في الخروج من "انغلاقية" ماو تسي تونغ وأباطرة سلالة تشينغ قبله، والانطواء وراء "السور العظيم"، إلى فضاء أرحب وجد طريقه في انسيابية وتواصلية إستراتيجية "طريق وحزام الحرير" التي أُسست على منهجية "القوة الناعمة" في التمدد الاقتصادي، والذي أضحى واقع الحال، بعد بدايتها بأكثر من عقدين.

تلك الإستراتيجية التي أقلقت الغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، التي تدافع على استمرار "زمنها الإمبراطوري، بمحاولة "احتواء الخطر الصيني"، ومحاصرة "التمدّد الأوراسي الروسي"، في فضائهما القاري، والعمل على تفتيته، والحفاظ على مسار "التعددية القطبية" في مفهومه الشامل الذي سطر بداية تسعينات القرن الماضي.

تلك الإستراتيجية باتت تفرض على واشنطن، محاولة استمالة قوى في "بريكس"-في أولى مراحل تشكلها كتكتل سياسي- علها تفلح في شق صفوف الاتحاد وأعضائه الذين تعمل أبرز الدول المنضوية تحته على تكوين "نظام مالي دولي بديل"، بدأت بوادره مع تأسيس بنك خاص بالمجموعة –بنك التنمية الجديد- (ترأسه الرئيسة البرازيلية السابقة دليما روسيف)، في وقت تعمل هذه الدول على إعادة توحيد التصورات والبناءات الاقتصادية المالية التي تشهد اختلافا كبيرا بينها، بالرغم من ميزة تكاملها من حيث طبيعة كل اقتصاد ومساهمته في الناتج الدولي الخام (حجم اقتصاد دول بريكس يبلغ 36.7 % من الاقتصاد العالمي)، ومحاولة الالتفاف على فروض نظام "القطب الواحد" وأبرزها إيجاد بديل للدولار الأمريكي، الذي يمثل أداة هيمنة اقتصادية وسياسية أمريكية، ومحور كل الأزمات الاقتصادية الدولية.

وهو نفس التحدي بالنسبة للأهداف السياسية والإستراتيجية (وهو ما يشكل تنافرا بين الصين والهند مثلا)، علاوة على اختلاف القيم الحضارية التي تجمع بين هذه الدول، بالرغم من عراقتها وامتدادها في القدم.

إن كل التحولات الجيوسياسية التي طرأت، عبر تاريخ العالم، لا يمكن أن تتشكل إلا من خلال مخاض عسير من الصراعات والحروب، تحتم آخرها في ضمور قوى قديمة وبروز أخرى، تسعى لرسم ملامح نظام عالمي آخر يكون فيه تقاسم أعباء الزعامة بين القوى الجديدة، وخلق ديناميكية أخرى في العلاقات الدولية تنتهي بقواعد لعبة جديدة من "لعبة الأمم".

 

نزار مقني

 

عنوان واحد يمكنه اختصار قمة مجموعة "بريكس"، التي عقدت بكازان الرّوسية، وهي أنها قمة الانتقال من "مربّع الاقتصاد" إلى "مربع السياسة"، في إطار إيجاد طريق لنظام دولي جديد، "متعدّد الأقطاب"، يصرّ "أغلب" أعضاء هذه التكتل على فرضه، مع بداية تمدّده خارج الدول الخمس المؤسسة له، منذ قمة العام الماضي بجوهانسبورغ بجنوب إفريقيا.

ولعلّ ما فرض على أغلب هذه الدول– وخاصة روسيا والصين ومن بعدهما البرازيل- مغادرة "العباءة الاقتصادية" إلى "الرداء السياسي"، التغيرات الجيوسياسية التي أضحت تغيّر تضاريس العلاقات الدولية في العالم، والتشقق الذي بات يعرفه النظام الدّولي الموروث من الحرب العالمية الثانية، ومن بعدها سقوط جدار برلين، والمرور إلى "زمن السلام الأمريكي" و"مركزية الغرب" في فرض نظامه المالي والسياسي على بقية الدول، في إطار "العولمة" في مفهومها الغربي (الغربنة).

هذه التغيّرات الجيوسياسية، بدأت بوادرها في التطور منذ بداية الألفية الثالثة، وبروز أقطاب اقتصادية، أخذت قوتها في التصاعد، أو في العودة للبروز، وبدأ معها التفكير في لعب دور سياسي محوري على رقعة الشطرنج الدولية، خصوصا وأنّ الاقتصاد السياسي في مفاهيمه المتعددة (الاجتماعي أو الليبرالي) يربط نمو الدول الاقتصادي بمدى تأثيرها على الجغرافيا، وهو ما يعني التأثير السياسي ما بعد حدود سيادة الدول، وهو ما يؤشّر إلى الدور الجيواستراتيجي للدول، وهو الذي يعطي في ما بعد أبعاد الأمن القومي، المرتبط بمعنى آخر أشمل وأعم يطلق عليه "التمدد الجيواستراتيجي".

ثم إنّ تلك التحولات الجيوسياسية، فرضت انتقالا في مركز ثقل الصراع الدولي –وهو بديهي إذا ما اعتمدنا السيرورة التاريخية لتحولات الصراع- من الشمال الأطلسي والبحر المتوسط (حيث أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط في معناه الانقليزي) إلى جنوب شرق آسيا حيث نمت "النمور" وتضخّمت "التنانين" وشهدت بداية نهوض أحدها وأكبرها وهو "التنين الصيني"، الذي تطور حتى بات يفكر في الخروج من "انغلاقية" ماو تسي تونغ وأباطرة سلالة تشينغ قبله، والانطواء وراء "السور العظيم"، إلى فضاء أرحب وجد طريقه في انسيابية وتواصلية إستراتيجية "طريق وحزام الحرير" التي أُسست على منهجية "القوة الناعمة" في التمدد الاقتصادي، والذي أضحى واقع الحال، بعد بدايتها بأكثر من عقدين.

تلك الإستراتيجية التي أقلقت الغرب وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية، التي تدافع على استمرار "زمنها الإمبراطوري، بمحاولة "احتواء الخطر الصيني"، ومحاصرة "التمدّد الأوراسي الروسي"، في فضائهما القاري، والعمل على تفتيته، والحفاظ على مسار "التعددية القطبية" في مفهومه الشامل الذي سطر بداية تسعينات القرن الماضي.

تلك الإستراتيجية باتت تفرض على واشنطن، محاولة استمالة قوى في "بريكس"-في أولى مراحل تشكلها كتكتل سياسي- علها تفلح في شق صفوف الاتحاد وأعضائه الذين تعمل أبرز الدول المنضوية تحته على تكوين "نظام مالي دولي بديل"، بدأت بوادره مع تأسيس بنك خاص بالمجموعة –بنك التنمية الجديد- (ترأسه الرئيسة البرازيلية السابقة دليما روسيف)، في وقت تعمل هذه الدول على إعادة توحيد التصورات والبناءات الاقتصادية المالية التي تشهد اختلافا كبيرا بينها، بالرغم من ميزة تكاملها من حيث طبيعة كل اقتصاد ومساهمته في الناتج الدولي الخام (حجم اقتصاد دول بريكس يبلغ 36.7 % من الاقتصاد العالمي)، ومحاولة الالتفاف على فروض نظام "القطب الواحد" وأبرزها إيجاد بديل للدولار الأمريكي، الذي يمثل أداة هيمنة اقتصادية وسياسية أمريكية، ومحور كل الأزمات الاقتصادية الدولية.

وهو نفس التحدي بالنسبة للأهداف السياسية والإستراتيجية (وهو ما يشكل تنافرا بين الصين والهند مثلا)، علاوة على اختلاف القيم الحضارية التي تجمع بين هذه الدول، بالرغم من عراقتها وامتدادها في القدم.

إن كل التحولات الجيوسياسية التي طرأت، عبر تاريخ العالم، لا يمكن أن تتشكل إلا من خلال مخاض عسير من الصراعات والحروب، تحتم آخرها في ضمور قوى قديمة وبروز أخرى، تسعى لرسم ملامح نظام عالمي آخر يكون فيه تقاسم أعباء الزعامة بين القوى الجديدة، وخلق ديناميكية أخرى في العلاقات الدولية تنتهي بقواعد لعبة جديدة من "لعبة الأمم".

 

نزار مقني