إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

افتتاحية "الصباح".. ظلم الجغرافيا وإنصاف الدولة !

تكاد أوضاع المناطق الحدودية، في أغلب بلدان العالم، أن تتشابه من حيث الإهمال والتهميش والنسيان، نظرا لبعدها عن مدن المركز، حيث الثقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. ولكن الكثير من الدول وبينها دول إفريقية وعربية، انتبهت، في السنوات الأخيرة، إلى خطورة وأهمية المناطق الحدودية في نفس الوقت، وسعت الى رفع "الحيف الجغرافي" عنها، بحضور أكثر للدولة، من خلال تجويد الخدمات العامة والاستثمار في هذه المناطق وتحويلها من مناطق مهمشة ومهملة إلى مناطق متقدمة ومتطورة وفاعلة، من خلال خطط تنمويّة تراعي خصوصيات تلك المناطق وتحفّز المستثمرين وتفكّ العزلة عن الأنشطة الاقتصادية المحلية ..

ومنذ سنوات، ومع تحوّل المناطق الحدودية التونسية، الجنوبية والغربية، إلى مناطق خطرة، انتعش فيها الإرهاب والتهريب وضعفت فيها المعابر الرسمية والتجارة البينية في مسالكها المعترف بها مع ليبيا والجزائر، تم التفكير في إحداث الديوان الوطني للمعابر الحدودية البرية في 2016 ليتولّى الإشراف على المعابر الحدودية الموزعة على تسعة معابر مع الجزائر ومعبرين مع ليبيا، وكان الهدف من إحداث هذا الديوان هو وضع برامج وخطط لتطوير المعابر الحدودية وتحويلها إلى مساحة اقتصادية وتجارية وحتى ترفيهية ونقطة التقاء مهمة في التبادل وفي التنشيط الاقتصادي للمناطق الداخلية، بعد عقود من التهميش والتجاهل الرسمي !

إلا أن هذا الديوان وبعد 8 سنوات من إحداثه لم يحقّق النقلة النوعية المنتظرة، وظلت المعابر والمناطق الحدودية على حالها، بل وفي ظلّ أزمة اقتصادية متواصلة منذ سنوات، باتت هذه المناطق مراكز قوية للتهريب والتجارة خارج المسالك الرسمية للدولة، رغم النجاحات الأمنية والعسكرية الكبيرة في اجتثاث الخلايا الإرهابية من هذه المناطق وتطهيرها من الخطر "الجهادي"، ولكن هذه النجاحات الأمنية والتي حققت الأمن لمتساكني هذه الجهات، حققت "أمانا مؤقتا"، لأن البيئة التي ينتعش فيها التهريب، تكون دائما بيئة خصبة، يمكن للإرهاب أن يستثمرها متى أراد ذلك ..

وعودة الاهتمام، اليوم، بالمناطق الحدودية ووضعها ضمن جدول العمل الحكومي، يعتبر خطوة مهمة للقطع مع مرحلة من الركود والخمول في عمل الديوان، الذي لم يجد التحفيز والدعم الحكوميين المطلوبين، لأداء مهمته التي أحدث من أجلها، مثل تعصير فضاءات العبور، وفق المواصفات الدولية، لتكون نقطة جذب للمسافرين وللمستثمرين الى جانب تهيئة فضاءات تجارية للتسوّق والاستراحة وتكون رافدا مهما لتنمية الأنشطة الاقتصادية المحلية المحيطة بالمعبر، والتي تتكوّن عادة من تجمعات سكنية وقرى معزولة وتفتقد الى مرافق الخدمات العامة، وهو ما ساهم بشكل كبير في إقفار هذه المناطق ونزوح سكانها إلى المدن الكبرى، مما أضاف أزمة جديدة إلى سلسلة الأزمات، والمتمثلة في اختناق المدن الكبرى بالسكان، في حين أن هناك مناطق شاسعة، اليوم، باتت مقفرة من أهلها بسبب غياب الخدمات والحضور المحتشم للدولة في كل شؤون حياة المواطنين في تلك المناطق ..

اليوم إذا كانت هناك إرادة حقيقية للنهوض بالمناطق الداخلية، وخاصة الحدودية منها، والتوجّه إلى منوال تنموي أكثر عدالة وإنصافا، وإلى ترسيخ فكرة الدولة الاجتماعية، فإن المناطق الحدودية هي الملف الذي يجب أن يكون ذا أولوية قصوى سواء في علاقة بالمعابر أو في علاقة بإنجاز أقطاب اقتصادية جهوية قادرة على إدخال حيوية جديدة على الاقتصاد الوطني، بعد سنوات من استنزاف الأقطاب التقليدية.

منية العرفاوي

 

 

 

 

تكاد أوضاع المناطق الحدودية، في أغلب بلدان العالم، أن تتشابه من حيث الإهمال والتهميش والنسيان، نظرا لبعدها عن مدن المركز، حيث الثقل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.. ولكن الكثير من الدول وبينها دول إفريقية وعربية، انتبهت، في السنوات الأخيرة، إلى خطورة وأهمية المناطق الحدودية في نفس الوقت، وسعت الى رفع "الحيف الجغرافي" عنها، بحضور أكثر للدولة، من خلال تجويد الخدمات العامة والاستثمار في هذه المناطق وتحويلها من مناطق مهمشة ومهملة إلى مناطق متقدمة ومتطورة وفاعلة، من خلال خطط تنمويّة تراعي خصوصيات تلك المناطق وتحفّز المستثمرين وتفكّ العزلة عن الأنشطة الاقتصادية المحلية ..

ومنذ سنوات، ومع تحوّل المناطق الحدودية التونسية، الجنوبية والغربية، إلى مناطق خطرة، انتعش فيها الإرهاب والتهريب وضعفت فيها المعابر الرسمية والتجارة البينية في مسالكها المعترف بها مع ليبيا والجزائر، تم التفكير في إحداث الديوان الوطني للمعابر الحدودية البرية في 2016 ليتولّى الإشراف على المعابر الحدودية الموزعة على تسعة معابر مع الجزائر ومعبرين مع ليبيا، وكان الهدف من إحداث هذا الديوان هو وضع برامج وخطط لتطوير المعابر الحدودية وتحويلها إلى مساحة اقتصادية وتجارية وحتى ترفيهية ونقطة التقاء مهمة في التبادل وفي التنشيط الاقتصادي للمناطق الداخلية، بعد عقود من التهميش والتجاهل الرسمي !

إلا أن هذا الديوان وبعد 8 سنوات من إحداثه لم يحقّق النقلة النوعية المنتظرة، وظلت المعابر والمناطق الحدودية على حالها، بل وفي ظلّ أزمة اقتصادية متواصلة منذ سنوات، باتت هذه المناطق مراكز قوية للتهريب والتجارة خارج المسالك الرسمية للدولة، رغم النجاحات الأمنية والعسكرية الكبيرة في اجتثاث الخلايا الإرهابية من هذه المناطق وتطهيرها من الخطر "الجهادي"، ولكن هذه النجاحات الأمنية والتي حققت الأمن لمتساكني هذه الجهات، حققت "أمانا مؤقتا"، لأن البيئة التي ينتعش فيها التهريب، تكون دائما بيئة خصبة، يمكن للإرهاب أن يستثمرها متى أراد ذلك ..

وعودة الاهتمام، اليوم، بالمناطق الحدودية ووضعها ضمن جدول العمل الحكومي، يعتبر خطوة مهمة للقطع مع مرحلة من الركود والخمول في عمل الديوان، الذي لم يجد التحفيز والدعم الحكوميين المطلوبين، لأداء مهمته التي أحدث من أجلها، مثل تعصير فضاءات العبور، وفق المواصفات الدولية، لتكون نقطة جذب للمسافرين وللمستثمرين الى جانب تهيئة فضاءات تجارية للتسوّق والاستراحة وتكون رافدا مهما لتنمية الأنشطة الاقتصادية المحلية المحيطة بالمعبر، والتي تتكوّن عادة من تجمعات سكنية وقرى معزولة وتفتقد الى مرافق الخدمات العامة، وهو ما ساهم بشكل كبير في إقفار هذه المناطق ونزوح سكانها إلى المدن الكبرى، مما أضاف أزمة جديدة إلى سلسلة الأزمات، والمتمثلة في اختناق المدن الكبرى بالسكان، في حين أن هناك مناطق شاسعة، اليوم، باتت مقفرة من أهلها بسبب غياب الخدمات والحضور المحتشم للدولة في كل شؤون حياة المواطنين في تلك المناطق ..

اليوم إذا كانت هناك إرادة حقيقية للنهوض بالمناطق الداخلية، وخاصة الحدودية منها، والتوجّه إلى منوال تنموي أكثر عدالة وإنصافا، وإلى ترسيخ فكرة الدولة الاجتماعية، فإن المناطق الحدودية هي الملف الذي يجب أن يكون ذا أولوية قصوى سواء في علاقة بالمعابر أو في علاقة بإنجاز أقطاب اقتصادية جهوية قادرة على إدخال حيوية جديدة على الاقتصاد الوطني، بعد سنوات من استنزاف الأقطاب التقليدية.

منية العرفاوي