موقف التونسيات لصالح استعمال اللغة الفرنسية يرجع إلى أسباب عديدة ذات صلة وطيدة بعلاقة المغلوب بالغالب كما جاء في مقدمة ابن خلدون
المواطنة اللغوية
أطرح هنا مصطلح المواطنة اللغوية كمفهوم جديد يندرج في نظريتي للرموزالثقافية. ويعني هذا المفهوم أن المجتمع وأفراده يتصفون بالمواطنة اللغوية الكاملة متى كانت اللغة الوطنية تحتل المكانة الأولى في قلوب المواطنين وفي السمعة الإجتماعية في مجتمعها وفي الإستعمال اليومي فيه لدى الأفراد وفي المؤسسات والقطاعات المجتمعية المختلفة. يستند هذا التعريف للمواطنة اللغوية على أن العلاقة بين اللغة الوطنية والمجتمع وأفراده يجب أن تكون علاقة طبيعية سليمة وحميمة باعتبار اللغة مكونا رئيسيا من هوية المواطنات والمواطنين والوطن الأمر الذي يتطلب منهن ومنهم الولاء الكامل للغة الوطنية والمحافظة عليها وحمايتها والدفاع عنها مثلها مثل ثروة وعلم وحدود البلاد. وهذا ما نجده، مثلا، سائدا اليوم في المجتمعات المتقدمة مثل مجتمعات الإتحاد الأوروبي
غياب اللغة العربية لدى النساء الديمقراطيات
نظمت منظمة النساء الديمقراطيات لقاء في 28 -1-2012 في مؤسسة بيت الحكمة لتتحدث فيه خاصة بعض النساء المثقفات في العلوم الإنسانية والاجتماعية عن وضع المرأة بصفة عامة وفي المنطقة العربية الإسلامية على وجه الخصوص.. اختارت هؤلاء جميعا اللغة الفرنسية في القيام بمداخلاتهن أمام الجمهور التونسي رغم أن مكانة المرأة في القرآن والحديث ولدى الفقهاء كانت الموضوع الرئيسي لمداخلتهن.. وبالطبع، فإن ظاهرة إقصاء استعمال اللغة العربية/الوطنية في هذا التجمع النسائي الكبير أمرلافت للنظروغيرديمقراطي بكل المقاييس بالنسبة للباحث ذي الفضول العلمي الذي لايستطيع أن يتخذ موقف اللامبالاة من تلك الظاهرة الغريبة. فالرؤية العلمية لهذا السلوك اللغوي لاتقبل عامل الصدفة كفرضية لتفسيرإقصاء اللغة العربية/الوطنية من الإستعمال في اللقاء الذي تمثل فيه النساء أغلبية الحضور. تفيد بحوثي في المسألة اللغوية بالمجتمع التونسي أن المرأة التونسية أكثرانجذابا من الرجل إلى استعمال اللغة الفرنسية. كما سنرى في بقية سطورهذا المقال العديد من السلوكات اللغوية التي تؤكد مدى شدة استبطان انحيازالمرأة التونسية للغة الفرنسية حتى في أبسط وأتفه الأشياء.
تسلط استعمال الفرنسية على التونسيات
إن ما يلفت نظر عالم الاجتماع في السلوك اللغوي للمرأة التونسية هومبالغتها في استعمال اللغة الفرنسية بدل العامية العربية التونسية النقية في حديثها عن الألوان والمقاييس والأيام والأرقام. فيندر استعمال الكلمات العربية للون الأزرق والأسود والأبيض والوردي والرمادي في حديث النساء المشتريات والبائعات،مثلا، على حد سواء. وتستولي اللغة الفرنسية أيضا بطريقة شبه كاملة في الحديث على مقاييس طول وعرض الملابس. فهذا الإستعمال المتكررباللغة الفرنسية في هذه المناسبات في دنيا عا لم النساء يؤدي إلى نشأة عرف لغوي عام بين التونسيات يعطي الأولوية للفرنسية بحيث يجعلهن يخجلن (يحشمو) من استعمال اللغة العربية في الحديث عن الألوان والمقاييس والأرقام. ويمكن القول إن تلك السلوكيات اللغوية غير الوطنية هي نتيجة لظاهرتين لغويتين أخريين لدى النساء وهما الإزدواجية اللغوية الأمارة وضُعف التعريب النفسي. أما الظاهرة الأولى، فتعني إنها تلك الازدواجية اللغوية (العربية والفرنسية) التي لا تكون فيها للغة الأم/الوطنية (العربية) المكانة الأولى في قلوب وعقول واستعمالات مزدوجات اللغة. أي أن اللغة الأم/الوطنية لاتحتل المرتبة الأولى عند هؤلاء على المستوى العاطفي والنفسي وعلى المستوى الذهني والفكري وعلى مستوى الممارسة والإستعمال. فنجد صاحبات الازدواجية اللغوية الأمارة غير متحمسات للذود عن لغتهن الأم/الوطنية وغير مباليات إزاء عدم استعمالها في شؤونهن الشخصية وفي ما بينهن في أسرهن ومؤسسا تهن بحيث تصبح عندهن في حالات عديدة لغة ثانية أو ثالثة، كما يشهد على ذلك حديث وكتابة مركز البحوث والدراسات والتوثيق والمعلومات حول النساء Crédif ولقاء النساء الديمقراطيات في بيت الحكمة.
أما فقدان/ضُعف التعريب النفسي لدى النساء التونسيات فيتمثل في أن اللغة ا لعربية لم تكسب بعدُ عند أغلبيتهن علاقة حميمة حقيقية تجعلها عندهن صاحبة
ا لمكانة الأولى في نفوسهن بحيث يلجأن عفويا وبتحمس وافتخار إ لى ا ستعمالها في شؤون حياتهن الشخصية والاجتماعية قبل أ ية لغة أخرى.
وبالتالي فمن النادر جدا أن نجد بينهن من تغار على لغة الضاد أو تتحمس للدفاع عنها أ و تراقب الكلمات الأجنبية في حديثها اليومي مع ا لتونسيات والتونسيين.إ ذ الإتجاه المعاكس هو السائد لدى هؤلاء التونسيات . فهن يتعجبن من التونسية التي لا تمزج حديثها اليومي بكلمات وعبارات فرنسية أو تكتب صكوكها المصرفية بحروف عربية . وطالما يذهبن إ لى حد وصفها بالإ نحرا ف اللغوي.
نظرية الحجر اللغوي
تفسر نظريتنا للحجر اللغوي سلسلة تلك السلوكيات اللغوية النسائية. فالحجر اللغوي يشبه الحجر الصحي أثناء وباء كوفيد 19 الذي تطلب الإجراءات الصحية الشديدة ضد تفشي فيروس جائحة الكورونا (الابتعاد الاجتماعي ولباس الكمامات وغسل اليدين والعزل المنزلي...) . أما معنى الحجر عندنا فيتمثل في الإجراءات اللغوية التي توجب استعمال اللغة الأم أو الوطنية فقط على الأقل في التدريس في المراحل الثلاث للتعليم : الابتدائية والإعدادية والثانوية.. يتمثل هذا التشابه في كون أن كلا منهما يؤدي بمن يلتزم بالكامل بتلك الإجراءات إلى حظ أكبر في تحاشي الإصابة بفيروس الكورونا، من جهة، أو تحاشي إقصاء اللغة الوطنية من التدريس بها جميع المواد و تفشي المزج اللغوي بين لغة الأم أو اللغة الوطنية واللغة الأجنبية في الحديث والكتابة، من جهة أخرى.
الرغبة في التقليد والحداثة
إضافة إلى عامل فقدان الحجر اللغوي في نظام التعليم التونسي، فإن موقف التونسيات لصالح استعمال اللغة الفرنسية يرجع إلى أسباب عديدة ذات صلة وطيدة بعلاقة المغلوب بالغالب كما جاء في مقدمة ابن خلدون. فالمرأة التونسية مثلها مثل الرجل التونسي هي في حالة المغلوب بالنسبة للفرنسي المستعمرالقديم. إذن، فهي مرشحة لتقليد الفرنسيات والفرنسييين في لغتهم وفي نبرة نطقها الباريسية. ترى إحدى الباحثات الأمريكيات أن الركض وراء الحداثة يؤدي إلى أمراض نفسية لدى المرأة التونسية . وبغياب مثل ذلك التعاطف مع اللغة الأم (اللغة العربية أوالعامية العربية النقية) عند أغلبية الأمهات التونسيات تتضرربالتأكيد علاقة أطفالهن باللغة العربية في شكليها الفصيح والعامي. ومن ثم، تتأثر سلبا علاقةُ الأجيال الصاعدة باللغة العربية، لغتهم الوطنية. ويجوز القول إن هذا السلوك اللغوي النسائي هونتيجة لمشاكل ثقافية ونفسية ومجتمعية تعاني منها النساء أكثرمن الرجال في المجتمع التونسي كما سنرى. ومن ثم، لاينبغي التباهي والافتخار به كما تفعل الكثيرات من التونسيات.إذ ما هو في نهاية المطاف سوى مؤشرعلى مخزون مشاكل ثقافية ونفسية واجتماعية لعب ويلعب فيها تسلط الإستعماراللغوي الثقافي الفرنسي دورا أكبر وأبرز على النوع/ الجندر الأنثوي.
ضُعف الوطنية اللغوية
تؤكد المؤشرات السابقة أن هناك موقفا جماعيا غير سوي لديهن إزاء لغتهن الوطنية. يعتبر علم النفس الإجتماعي أن مثل ذلك الموقف هو بوابة واسعة لبث وغرس جذور ومعالم أمراض مركبات النقص عندهن.إن دراسات العلوم الإجتماعية تجمع أن هناك علاقة وثيقة بين اللغة والهوية الجماعية للشعوب . ومنه ، فالإختلال في هاته العلاقة بين التونسيات واللغة العربية هو مصدر أساسي لخلق شخصية أو هوية نسائية تونسية مضطربة ومرتبكة. ويمكن على هذا الأساس توقع تأثرالهوية العربية للمرأة التونسية سلبا بسب ضعف علاقة هذه الأخيرة باللغة العربية/الوطنية، كمارأينا. فضُعف هذه العلاقة مرشح بقوة لكي يهدد تماسك وصلابة معالم الهوية العربية لأغلبية النساء التونسيات اللاتي يتصف تعليمهن وثقافتهن بالاغتراب اللغوي والفكري الناتج أولا عن فقدان الحجر اللغوي لصالح اللغة الوطنية..
الحتمية الاجتماعية النفسية والسلوك اللغوي الأنثوي:
وكما ذكرتُ من قبل، فإن علوم النفس والمجتمع ترفض موقف اللامبالاة من السلوك اللغوي للمرأة التونسية في لقاء بيت الحكمة وفي غيره من الأمثلة المذكورة. ورغم ذلك، فهوالموقف السائد بين المتخصصات والمتخصصين في تلك العلوم في المجتمع التونسي قبل الثورة وبعدها. يسمح الرصيد المعرفي لتلك العلوم بتشخيص أسباب ميل المرأة التونسية الكبير إلى استعمال اللغة الفرنسية من خلال ما أسميه قانون الحتمية الاجتماعية النفسية. فعلى المستوى الاجتماعي تشكو المرأة التونسية الحديثة من دونية مزدوجة: (أ) فهي مثل نظيرها الرجل في موضع المغلوب بالنسبة للمستعمر الفرنسي القديم الغالب والغرب بصفة عامة و(ب) فهي تشكو من دونية ثانية مقارنة بزميلها الرجل من حيث مكانتها الاجتماعية عموما وتمتعها بمكاسب الحداثة الكاملة. فالبُنى الاجتماعية وقيم وأعراف وتقاليد مجتمعها تضع أمامها عراقيل أكثر بالنسبة لمحاولتها التقدم اجتماعيا وكسب رهان الحداثة. في هذه الظروف تجد نفسها معرّضة أكثر من الرجل التونسي إلى ضغوط وإحباطات نفسية. وسعيا منها لتجاوز وضعها الاجتماعي والنفسي المشوش والمختل تلوذ إلى ما يمكن أن نسميّه بالحل الرموزي التعويضي، أي أن حالة عجزها على تغيير وضعها الاجتماعي مباشرة جعلها تلجأ إلى أحضان اللغة الفرنسية كعالم رموز لغوي تقدّمي وتحديثي، في تصورها واعتقادها. فتستعملها أكثر من نظيرها الرجل وتتقن نطقها بالكامل كما يفعل ذلك الباريسيون أنفسهم. واستعمال الأنثى التونسية للرموز اللغوية كحلّ وعلامة على وضعها الاجتماعي المتأزم ليس بالشيء الغريب. فخطاب "الدعا" المتفشي أيضا بين الفئات النسائية التونسية مثال حيّ وناطق على ذلك. فاستعمالها المكثف للفرنسية وبالنبرة الباريسية في نطق حرف الـ (r) هو عبارة عن احتجاج سلمي ضد مجتمع ذكوري، من جهة، وتقليد بالكامل للآخر الفرنسي في لغته، من جهة ثانية. ويبدو بهذا الصدد أن الرجل التونسي غير مهيئ اجتماعيا ونفسيا – مثل نظيرته المرأة – على تقليد الفرنسي في نبرته الباريسية . وهكذا يتجلى الفرق بين التونسية والتونسي على مستوى تقليد الآخر لغويا، فنحن أمام صنفين من التقليد : (1) تقليد بالكامل و(2) تقليد منقوص. وكل منهما حصيلة لنوع خاص من الحتمية الاجتماعية والنفسية. ويفصح كل من هذين التقليدين عمّا تتعرض له هوية كل من الجنسين بالنسبة لدرجة الانصهار اللغوي الثقافي في الآخر. وهكذا، يتجلى أن نساء تونس نساء ونصف في ضُعف مواطنتهن اللغوية الحقيقية التي صمت عنها خيالُ الشاعر التونسي أولاد حمد كما سكت عنها أيضا الباحثات والباحثون التونسيون في العلوم الاجتماعية رغم وجودها الميداني الظاهر. تفسر نظرية الحجر اللغوي سبب صمت هؤلاء عن دراسة الظاهرة النسائية اللغوية المطروحة في هذه المقالة. نفسح المجال للقارئة وللقارئ لكي يعثرا على تفسير لذلك الصمت من خلال تمرين ذهني وفكري يستند على مقولة نظرية الحجر اللغوي.
الأستاذ الدكتور محمود الذوادي ـ عالم الاجتماع
موقف التونسيات لصالح استعمال اللغة الفرنسية يرجع إلى أسباب عديدة ذات صلة وطيدة بعلاقة المغلوب بالغالب كما جاء في مقدمة ابن خلدون
المواطنة اللغوية
أطرح هنا مصطلح المواطنة اللغوية كمفهوم جديد يندرج في نظريتي للرموزالثقافية. ويعني هذا المفهوم أن المجتمع وأفراده يتصفون بالمواطنة اللغوية الكاملة متى كانت اللغة الوطنية تحتل المكانة الأولى في قلوب المواطنين وفي السمعة الإجتماعية في مجتمعها وفي الإستعمال اليومي فيه لدى الأفراد وفي المؤسسات والقطاعات المجتمعية المختلفة. يستند هذا التعريف للمواطنة اللغوية على أن العلاقة بين اللغة الوطنية والمجتمع وأفراده يجب أن تكون علاقة طبيعية سليمة وحميمة باعتبار اللغة مكونا رئيسيا من هوية المواطنات والمواطنين والوطن الأمر الذي يتطلب منهن ومنهم الولاء الكامل للغة الوطنية والمحافظة عليها وحمايتها والدفاع عنها مثلها مثل ثروة وعلم وحدود البلاد. وهذا ما نجده، مثلا، سائدا اليوم في المجتمعات المتقدمة مثل مجتمعات الإتحاد الأوروبي
غياب اللغة العربية لدى النساء الديمقراطيات
نظمت منظمة النساء الديمقراطيات لقاء في 28 -1-2012 في مؤسسة بيت الحكمة لتتحدث فيه خاصة بعض النساء المثقفات في العلوم الإنسانية والاجتماعية عن وضع المرأة بصفة عامة وفي المنطقة العربية الإسلامية على وجه الخصوص.. اختارت هؤلاء جميعا اللغة الفرنسية في القيام بمداخلاتهن أمام الجمهور التونسي رغم أن مكانة المرأة في القرآن والحديث ولدى الفقهاء كانت الموضوع الرئيسي لمداخلتهن.. وبالطبع، فإن ظاهرة إقصاء استعمال اللغة العربية/الوطنية في هذا التجمع النسائي الكبير أمرلافت للنظروغيرديمقراطي بكل المقاييس بالنسبة للباحث ذي الفضول العلمي الذي لايستطيع أن يتخذ موقف اللامبالاة من تلك الظاهرة الغريبة. فالرؤية العلمية لهذا السلوك اللغوي لاتقبل عامل الصدفة كفرضية لتفسيرإقصاء اللغة العربية/الوطنية من الإستعمال في اللقاء الذي تمثل فيه النساء أغلبية الحضور. تفيد بحوثي في المسألة اللغوية بالمجتمع التونسي أن المرأة التونسية أكثرانجذابا من الرجل إلى استعمال اللغة الفرنسية. كما سنرى في بقية سطورهذا المقال العديد من السلوكات اللغوية التي تؤكد مدى شدة استبطان انحيازالمرأة التونسية للغة الفرنسية حتى في أبسط وأتفه الأشياء.
تسلط استعمال الفرنسية على التونسيات
إن ما يلفت نظر عالم الاجتماع في السلوك اللغوي للمرأة التونسية هومبالغتها في استعمال اللغة الفرنسية بدل العامية العربية التونسية النقية في حديثها عن الألوان والمقاييس والأيام والأرقام. فيندر استعمال الكلمات العربية للون الأزرق والأسود والأبيض والوردي والرمادي في حديث النساء المشتريات والبائعات،مثلا، على حد سواء. وتستولي اللغة الفرنسية أيضا بطريقة شبه كاملة في الحديث على مقاييس طول وعرض الملابس. فهذا الإستعمال المتكررباللغة الفرنسية في هذه المناسبات في دنيا عا لم النساء يؤدي إلى نشأة عرف لغوي عام بين التونسيات يعطي الأولوية للفرنسية بحيث يجعلهن يخجلن (يحشمو) من استعمال اللغة العربية في الحديث عن الألوان والمقاييس والأرقام. ويمكن القول إن تلك السلوكيات اللغوية غير الوطنية هي نتيجة لظاهرتين لغويتين أخريين لدى النساء وهما الإزدواجية اللغوية الأمارة وضُعف التعريب النفسي. أما الظاهرة الأولى، فتعني إنها تلك الازدواجية اللغوية (العربية والفرنسية) التي لا تكون فيها للغة الأم/الوطنية (العربية) المكانة الأولى في قلوب وعقول واستعمالات مزدوجات اللغة. أي أن اللغة الأم/الوطنية لاتحتل المرتبة الأولى عند هؤلاء على المستوى العاطفي والنفسي وعلى المستوى الذهني والفكري وعلى مستوى الممارسة والإستعمال. فنجد صاحبات الازدواجية اللغوية الأمارة غير متحمسات للذود عن لغتهن الأم/الوطنية وغير مباليات إزاء عدم استعمالها في شؤونهن الشخصية وفي ما بينهن في أسرهن ومؤسسا تهن بحيث تصبح عندهن في حالات عديدة لغة ثانية أو ثالثة، كما يشهد على ذلك حديث وكتابة مركز البحوث والدراسات والتوثيق والمعلومات حول النساء Crédif ولقاء النساء الديمقراطيات في بيت الحكمة.
أما فقدان/ضُعف التعريب النفسي لدى النساء التونسيات فيتمثل في أن اللغة ا لعربية لم تكسب بعدُ عند أغلبيتهن علاقة حميمة حقيقية تجعلها عندهن صاحبة
ا لمكانة الأولى في نفوسهن بحيث يلجأن عفويا وبتحمس وافتخار إ لى ا ستعمالها في شؤون حياتهن الشخصية والاجتماعية قبل أ ية لغة أخرى.
وبالتالي فمن النادر جدا أن نجد بينهن من تغار على لغة الضاد أو تتحمس للدفاع عنها أ و تراقب الكلمات الأجنبية في حديثها اليومي مع ا لتونسيات والتونسيين.إ ذ الإتجاه المعاكس هو السائد لدى هؤلاء التونسيات . فهن يتعجبن من التونسية التي لا تمزج حديثها اليومي بكلمات وعبارات فرنسية أو تكتب صكوكها المصرفية بحروف عربية . وطالما يذهبن إ لى حد وصفها بالإ نحرا ف اللغوي.
نظرية الحجر اللغوي
تفسر نظريتنا للحجر اللغوي سلسلة تلك السلوكيات اللغوية النسائية. فالحجر اللغوي يشبه الحجر الصحي أثناء وباء كوفيد 19 الذي تطلب الإجراءات الصحية الشديدة ضد تفشي فيروس جائحة الكورونا (الابتعاد الاجتماعي ولباس الكمامات وغسل اليدين والعزل المنزلي...) . أما معنى الحجر عندنا فيتمثل في الإجراءات اللغوية التي توجب استعمال اللغة الأم أو الوطنية فقط على الأقل في التدريس في المراحل الثلاث للتعليم : الابتدائية والإعدادية والثانوية.. يتمثل هذا التشابه في كون أن كلا منهما يؤدي بمن يلتزم بالكامل بتلك الإجراءات إلى حظ أكبر في تحاشي الإصابة بفيروس الكورونا، من جهة، أو تحاشي إقصاء اللغة الوطنية من التدريس بها جميع المواد و تفشي المزج اللغوي بين لغة الأم أو اللغة الوطنية واللغة الأجنبية في الحديث والكتابة، من جهة أخرى.
الرغبة في التقليد والحداثة
إضافة إلى عامل فقدان الحجر اللغوي في نظام التعليم التونسي، فإن موقف التونسيات لصالح استعمال اللغة الفرنسية يرجع إلى أسباب عديدة ذات صلة وطيدة بعلاقة المغلوب بالغالب كما جاء في مقدمة ابن خلدون. فالمرأة التونسية مثلها مثل الرجل التونسي هي في حالة المغلوب بالنسبة للفرنسي المستعمرالقديم. إذن، فهي مرشحة لتقليد الفرنسيات والفرنسييين في لغتهم وفي نبرة نطقها الباريسية. ترى إحدى الباحثات الأمريكيات أن الركض وراء الحداثة يؤدي إلى أمراض نفسية لدى المرأة التونسية . وبغياب مثل ذلك التعاطف مع اللغة الأم (اللغة العربية أوالعامية العربية النقية) عند أغلبية الأمهات التونسيات تتضرربالتأكيد علاقة أطفالهن باللغة العربية في شكليها الفصيح والعامي. ومن ثم، تتأثر سلبا علاقةُ الأجيال الصاعدة باللغة العربية، لغتهم الوطنية. ويجوز القول إن هذا السلوك اللغوي النسائي هونتيجة لمشاكل ثقافية ونفسية ومجتمعية تعاني منها النساء أكثرمن الرجال في المجتمع التونسي كما سنرى. ومن ثم، لاينبغي التباهي والافتخار به كما تفعل الكثيرات من التونسيات.إذ ما هو في نهاية المطاف سوى مؤشرعلى مخزون مشاكل ثقافية ونفسية واجتماعية لعب ويلعب فيها تسلط الإستعماراللغوي الثقافي الفرنسي دورا أكبر وأبرز على النوع/ الجندر الأنثوي.
ضُعف الوطنية اللغوية
تؤكد المؤشرات السابقة أن هناك موقفا جماعيا غير سوي لديهن إزاء لغتهن الوطنية. يعتبر علم النفس الإجتماعي أن مثل ذلك الموقف هو بوابة واسعة لبث وغرس جذور ومعالم أمراض مركبات النقص عندهن.إن دراسات العلوم الإجتماعية تجمع أن هناك علاقة وثيقة بين اللغة والهوية الجماعية للشعوب . ومنه ، فالإختلال في هاته العلاقة بين التونسيات واللغة العربية هو مصدر أساسي لخلق شخصية أو هوية نسائية تونسية مضطربة ومرتبكة. ويمكن على هذا الأساس توقع تأثرالهوية العربية للمرأة التونسية سلبا بسب ضعف علاقة هذه الأخيرة باللغة العربية/الوطنية، كمارأينا. فضُعف هذه العلاقة مرشح بقوة لكي يهدد تماسك وصلابة معالم الهوية العربية لأغلبية النساء التونسيات اللاتي يتصف تعليمهن وثقافتهن بالاغتراب اللغوي والفكري الناتج أولا عن فقدان الحجر اللغوي لصالح اللغة الوطنية..
الحتمية الاجتماعية النفسية والسلوك اللغوي الأنثوي:
وكما ذكرتُ من قبل، فإن علوم النفس والمجتمع ترفض موقف اللامبالاة من السلوك اللغوي للمرأة التونسية في لقاء بيت الحكمة وفي غيره من الأمثلة المذكورة. ورغم ذلك، فهوالموقف السائد بين المتخصصات والمتخصصين في تلك العلوم في المجتمع التونسي قبل الثورة وبعدها. يسمح الرصيد المعرفي لتلك العلوم بتشخيص أسباب ميل المرأة التونسية الكبير إلى استعمال اللغة الفرنسية من خلال ما أسميه قانون الحتمية الاجتماعية النفسية. فعلى المستوى الاجتماعي تشكو المرأة التونسية الحديثة من دونية مزدوجة: (أ) فهي مثل نظيرها الرجل في موضع المغلوب بالنسبة للمستعمر الفرنسي القديم الغالب والغرب بصفة عامة و(ب) فهي تشكو من دونية ثانية مقارنة بزميلها الرجل من حيث مكانتها الاجتماعية عموما وتمتعها بمكاسب الحداثة الكاملة. فالبُنى الاجتماعية وقيم وأعراف وتقاليد مجتمعها تضع أمامها عراقيل أكثر بالنسبة لمحاولتها التقدم اجتماعيا وكسب رهان الحداثة. في هذه الظروف تجد نفسها معرّضة أكثر من الرجل التونسي إلى ضغوط وإحباطات نفسية. وسعيا منها لتجاوز وضعها الاجتماعي والنفسي المشوش والمختل تلوذ إلى ما يمكن أن نسميّه بالحل الرموزي التعويضي، أي أن حالة عجزها على تغيير وضعها الاجتماعي مباشرة جعلها تلجأ إلى أحضان اللغة الفرنسية كعالم رموز لغوي تقدّمي وتحديثي، في تصورها واعتقادها. فتستعملها أكثر من نظيرها الرجل وتتقن نطقها بالكامل كما يفعل ذلك الباريسيون أنفسهم. واستعمال الأنثى التونسية للرموز اللغوية كحلّ وعلامة على وضعها الاجتماعي المتأزم ليس بالشيء الغريب. فخطاب "الدعا" المتفشي أيضا بين الفئات النسائية التونسية مثال حيّ وناطق على ذلك. فاستعمالها المكثف للفرنسية وبالنبرة الباريسية في نطق حرف الـ (r) هو عبارة عن احتجاج سلمي ضد مجتمع ذكوري، من جهة، وتقليد بالكامل للآخر الفرنسي في لغته، من جهة ثانية. ويبدو بهذا الصدد أن الرجل التونسي غير مهيئ اجتماعيا ونفسيا – مثل نظيرته المرأة – على تقليد الفرنسي في نبرته الباريسية . وهكذا يتجلى الفرق بين التونسية والتونسي على مستوى تقليد الآخر لغويا، فنحن أمام صنفين من التقليد : (1) تقليد بالكامل و(2) تقليد منقوص. وكل منهما حصيلة لنوع خاص من الحتمية الاجتماعية والنفسية. ويفصح كل من هذين التقليدين عمّا تتعرض له هوية كل من الجنسين بالنسبة لدرجة الانصهار اللغوي الثقافي في الآخر. وهكذا، يتجلى أن نساء تونس نساء ونصف في ضُعف مواطنتهن اللغوية الحقيقية التي صمت عنها خيالُ الشاعر التونسي أولاد حمد كما سكت عنها أيضا الباحثات والباحثون التونسيون في العلوم الاجتماعية رغم وجودها الميداني الظاهر. تفسر نظرية الحجر اللغوي سبب صمت هؤلاء عن دراسة الظاهرة النسائية اللغوية المطروحة في هذه المقالة. نفسح المجال للقارئة وللقارئ لكي يعثرا على تفسير لذلك الصمت من خلال تمرين ذهني وفكري يستند على مقولة نظرية الحجر اللغوي.