رغم تراجع نتائج الباكالوريا وتذيل ولاية القصرين الترتيب الوطني لهذه المحطة من الامتحانات الوطنية هذه السنة الا أن في خضم هذا الاستياء والمشهد الرمادي تتلألأ عدة أسماء ونتائج متميزة ومعدلات باهرة في مختلف الشعب والمعاهد بالجهة.
وكان التميز هذه السنة لأسماء خطفت الأضواء من تلامذة المعهد النموذجي الذين اعتاد الشارع على تميزهم لتوفر كل متطلبات النجاح ، وأبرزهم بروز نجم هادر في ربوع مفقرة بمعتمدية حاسي الفريد ليهدر صوت نجاحها من أعماق منسية معلنا عن تألق باهر رغم كل المحن والطريق المخضب بالتعب والوجع.
فنجاح التلميذة هدير نصري في امتحان الباكالوريا دورة 2022 بمعدل 16,17 في شعبة العلوم التجريبية عن معهد حاسي الفريد خطف القلوب والمسامع ودخل الفرح في كل الجهة وارسى تاج الفخر لهذه المعتمدية التي تئن منذ عقود بين التفقير والعطش
وغياب المرافق الأساسية الحياتية لأغلب ربوعها .
والد هدير أجل الترشح للباكالوريا من أجل مساعدة ابنته
تحدثت هدير نصري أصيلة منطقة الطرش عمادة الهشيم من معتمدية حاسي الفريد عن نجاحها ل"الصباح نيوز" لتؤكد اأنه كان ثمرة اصرار وتضحيات كبيرة منها ومن عائلتها ومن الاطارات التربوية فتقول " كان الطريق شاقا جدا وشائكا ومليء بالوجع والشقاء والتعب ، لكن قوة الاصرار التي تسلحت بها كانت كافية لأقف بكل ثبات أمام قدر الانتماء لبيئة مظلومة لم يتغير حالها منذ عقود" ، هذا ولم تزدها التعاليق المتشائمة والمحيط الذي ينعق باليأس والسقوط الى القاع وازهاق الأحلام والتفكير الا اصرارا على تحقيق المنال وكسب الرهان والتقدم بخطى حالمة نحو الهدف المنشود (الطب) و المرسوم بألوان الطفولة والذي نمى مع كل سنة تخطوها بتميز .
هدير هدرت بصوتها القوي الآتي خلف أصقاع الجبال المنسية بأنها لم تتوقف يوما عن السعي نحو التميز وصنعت من الأحجار التي كانت ترشقها بعدم وصولها الى مبتغاها من ضعفاء الشخصية والفكر الأعرج سلما للرد على هؤلاء، وأرادت تحديه بكل قواها مستمدة القوة والشجاعة من والدها المشحذ لهممها كلما مالت من أجل نيل ما لم يستطع نيله فحلم ابنته هو حلمه الذي حرم منه . فتصف هذا الدافع الأقوى نحو ما حققته بالخيط الذي نسجت حوله أحلامهما فوالدها وصل بدوره الى مرحلة الباكالوريا ولم يتسن له خوض غمار الامتحانات وكان سيسجل هذه السنة ليجتاز الامتحان صحبة ابنته لكنه فضل أن يوفر الظروف الأمثل لابنته بما ملك من امكانيات عامل يومي بسيط ولكن بقلب استطاع أن يحتوي حلم ابنته ويؤمن به.
هدير تمكنت من احراز هذا النجاح رغم الظروف الصعبة للمنطقة ككل ورغم افتقار المخابر لأهم الضروريات للمواد العلمية، وكذلك الحواسيب للشعب التقنية والاعلامية بمعهد حاسي الفريد.
اضافة الى غياب عدة شعب على غرار الرياضيات، اقتصاد وتصرف وعلوم التقنية ما يجبر التلاميذ على اختيارات لا تتلائم مع مقدراتهم وامكانياتها خاصة مع مايتميز به تلاميذ حاسي الفريد من تألق في المواد العلمية . وتحدث هدير عن الغياب المتكرر للحافلات المدرسية التي ترفض الدخول للمسالك الوعرة ووصولهم متأخرين أغلب الاوقات الى المعهد ساردة رواية المعاناة اليومية لقطعها واترابها ما يقارب 28 كلم للوصول الى المعهد والعودة منه في طريق متردية والمخاطر المحدقة بهم في فصل الشتاء وعودتهم أحيانا في الصناديق الخلفية لسيارات يتم كراؤها من قبل الاولياء أو عبر سيارات التهريب . دون الحديث عن ظروف التحضير التي تتم تحت ضوء الشموع لانقطاع التيار الكهربائي بشكل متواصل على مدار الايام .
تختم هدير بالقول أنها قارعت هذه الظروف التعسية التي فتكت بأحلام ومستقبل الكثير من أجيال منطقتها وأرادت أن تضيىء هذه العتمة علها تكون حافزا لغيرها ولعدة عائلات والاجيال اللاحقة للتمسك بأحلامهم ووالتمسك بالحق في التعليم رغم غياب تكافئ الفرص ورغم البؤس والشقاء ولتغيير عدة مفاهيم واصلاح ما أمكن من المعتقدات والتفكير العائلي والذاتي بأن التميز ينبلج كمشكاة
فجر في رحم العتمة والألم .
تميز جهوي رغم المعاناة
ومن حاسي الفريد الى معتمدية فريانة صدحت التلميذة اسلام حاجي عن معهد فريانة بتفوق جهوي كأعلى معدل بالجهة 18,43 شعبة علوم تجريبية ، وفي حديثها ل "الصباح نيوز" قالت اسلام أنها وجدت كل الظروف المريحة لتحقيق هكذا انجاز ، مؤكدة أن هذا النجاح هو حصيلة مسار طويل من العمل في مختلف مراحل تعليمها ،ووجدت الاحاطة الكاملة والدعم من والديها العاملين بقطاع التعليم الى جانب قرب المعهد من منزلها ودعم الاطارات التربوية لها في كل كبيرة او صغيرة .
لكنها في المقابل اشارت كذلك الى ذات الاشكال في المعهد من تقادم في تجهيزات المخابر أو عدم توفرها في أغلب الحالات مما يؤثر سلبا على تحصيلهم العلمي وعلى أداء الأستاذ كذلك .
اسلام تحدثت عن حلمها في دارسة الطب أو الهندسة والتأكيد على الايمان الشديد بنفع جهتها من خلال المسار الذي ستتخذه مستقبلا وعدم التنكر لهذه الربوع .
كما تجدر الاشارة الى تميز العديد من التلاميذ بالجهة خلال هذه الدورة وتسجيل معدلات متميزة في المعهد النموذجي بالقصرين أو المعاهد العمومية بمختلف المعتمديات رغم خيبة الأمل والاستياء الذي رافق نتائج وترتيب الجهة هذا العام والذي كان دون الانتظارات .
وأوضح المندوب الجهوي للتربية بالقصرين المنصف القاسمي ل "الصباح نيوز" أن هناك بعض الأبعاد التي تفسر هذه النتيجة منها المستوى الهزيل لقطاع الخاص والترشحات الفردية اللذان يمثلان أكثر من ثلث مجموع المترشحين ، حيث أفرزت المعاهد الخاصة بالجهة نجاح 50 مترشحا من جملة ألف و800 مترشح والتصريح بنجاح 5 مترشحين من جملة 442 مترشحا فرديا وتغيب أغلب المترشحين الفرديين عن الامتحانات، الى جانب ضعف نسب النجاح في المعاهد العمومية للدورة الرئيسية التي بلغت 18٫60 أي بنجاح ألف مترشح وتأجيل ما يقارب ألفان و358 مترشحا لدورة المراقبة .
وتراوحت نسب النجاح بالمعاهد بالجهة بين 100 بالمئة بالمعهد النموذجي يليه المعهد الجديد تالة ب43،59 بالمئة ثم معهد تلابت ب40,14 الى أدناه بمعهد حيدرة ب8,28 بالمئة وفق محدثنا الذي اشار الى أنهم يأملون أن تتحسن نسب نجاح الجهة في هذه السنة مع اجتياز دورة المراقبة . هذا وترشح عن ولاية القصرين 5 الاف و377 مترشح لاجتياز امتحان الباكالوريا.
صفوة قرمازي
