إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

القيروان.. حرفي يصارع اندثار صناعة الأقفاص ويدعو الشباب إلى تعلم المهنة

في أحد الأحياء الهادئة بالقيروان في حومة سيدي بوراوي  وبين رائحة الخشب وصوت الأدوات اليدوية، التقينا بالحرفي إبراهيم بن صميدة داخل محله الصغير، حيث كان منهمكا في تشكيل قفص جديد بعناية لافتة. حركة يديه كانت تختصر سنوات طويلة من الخبرة فيما تعكس ملامحه ارتباطا عميقا بحرفة اختار أن يواصل الدفاع عنها رغم تغير الزمن وتراجع الإقبال عليها.
يقول بن صميدة إن رحلته مع صناعة الأقفاص والأعشاش انطلقت منذ سنة 1974، حين تعلم أصول المهنة على يد حرفيين تقليديين قبل أن يشق طريقه الخاص ويطور أسلوبه بمرور السنوات. ومنذ ذلك الحين، لم يغادر هذا المجال بل ظل وفيا له رغم ما شهده من تحولات. ويؤكد أن ما يصنعه اليوم يجد طريقه إلى الأسواق خارج الجهة خاصة نحو ولاية سوسة حيث يتولى تسويق منتوجاته وبيعها لهواة تربية الطيور.
داخل الورشة، تتراص المواد الأولية بشكل بسيط: أخشاب، أسلاك معدنية وبعض الأدوات التقليدية. ويشير الحرفي إلى أن توفر هذه المواد لم يكن يوما عائقا أمامه إذ يمكن الحصول عليها بسهولة مما يجعل الحرفة في متناول من يرغب في تعلمها. غير أن الإشكال الحقيقي، حسب قوله لا يتعلق بالإمكانيات بل بندرة الراغبين في اكتساب هذه المهارة.
ويضيف بن صميدة بنبرة يختلط فيها الأسف بالواقعية أن الحرفة أصبحت مهددة بالاندثار في ظل عزوف الشباب عنها. “اليوم، أغلب الشباب يبحثون عن الربح السريع ولا يقبلون على المهن التي تتطلب صبرا ووقتا”، يقول، مشيرا إلى أن صناعة الأقفاص تحتاج إلى دقة وتركيز فضلا عن شغف حقيقي بالعمل اليدوي.
ورغم هذا التراجع، لا يزال الحرفي متمسكا بالأمل إذ يؤكد استعداده لتعليم هذه الصنعة لكل من يرغب في تعلمها، معتبرا أن نقل الخبرة إلى الأجيال القادمة هو السبيل الوحيد لضمان استمراريتها. ويشدد على أن الحرفة ليست مجرد مصدر رزق بل هي أيضا جزء من الذاكرة الثقافية والهوية المحلية.
وتتراوح أسعار الأقفاص التي يصنعها بين 20 و350 دينارا بحسب الحجم ونوعية المواد المستعملة وهو ما يجعلها في متناول فئات مختلفة من الحرفاء خاصة من هواة تربية طيور الزينة. ويحرص بن صميدة على تنويع تصاميمه لتناسب مختلف الأذواق من الأقفاص البسيطة إلى تلك المزخرفة التي يمكن أن تستعمل أيضا كقطع ديكور.
وتعد صناعة أقفاص العصافير من الحرف التقليدية التي تجمع بين الوظيفة والجمال حيث لا تقتصر على توفير مأوى للطيور بل تعكس أيضا حسا فنيا متوارثا. وقد اشتهرت عدة مناطق تونسية بهذا النوع من الصناعات التي تمزج بين الخشب والأسلاك المعدنية في أشكال هندسية دقيقة مما يمنح كل قطعة طابعا فريدا.
ويقبل العديد من الهواة على الأقفاص المصنوعة يدويًا نظرا لما توفره من متانة وإمكانية تخصيص الحجم والشكل بحسب نوع الطائر، سواء كان كناريا أو غيره من طيور الزينة. كما أن هذه المنتجات تحافظ على جاذبيتها في ظل انتشار الأقفاص الصناعية بفضل قيمتها الجمالية والإنسانية.
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل تبدأ بالتصميم وتحديد المقاسات ثم تجهيز الهيكل الخشبي وتركيب القضبان المعدنية وصولا إلى إضافة التجهيزات الداخلية مثل أماكن الطعام والماء. وهي خطوات تتطلب مهارة ودقة مما يجعل من كل قفص قطعة فنية قائمة بذاتها.
وفي ظل التحديات التي تواجهها، تظل هذه الحرفة قائمة بفضل تمسك بعض الحرفيين بها وتحويلها من مجرد نشاط اقتصادي إلى شغف يومي. كما يساهم توظيفها في مجالات أخرى مثل الديكور في فتح آفاق جديدة قد تساعد على إنقاذها من الاندثار.
ويبقى إبراهيم بن صميدة واحدا من هؤلاء الذين اختاروا الاستمرار ليس فقط للحفاظ على مصدر رزقهم بل أيضا لصون جزء من التراث الحرفي الذي يواجه خطر النسيان في انتظار أن تجد هذه الصنعة من يعيد إليها الحياة من جديد.


ريبورتاج: مروان الدعلول

القيروان.. حرفي يصارع اندثار صناعة الأقفاص ويدعو الشباب إلى تعلم المهنة

في أحد الأحياء الهادئة بالقيروان في حومة سيدي بوراوي  وبين رائحة الخشب وصوت الأدوات اليدوية، التقينا بالحرفي إبراهيم بن صميدة داخل محله الصغير، حيث كان منهمكا في تشكيل قفص جديد بعناية لافتة. حركة يديه كانت تختصر سنوات طويلة من الخبرة فيما تعكس ملامحه ارتباطا عميقا بحرفة اختار أن يواصل الدفاع عنها رغم تغير الزمن وتراجع الإقبال عليها.
يقول بن صميدة إن رحلته مع صناعة الأقفاص والأعشاش انطلقت منذ سنة 1974، حين تعلم أصول المهنة على يد حرفيين تقليديين قبل أن يشق طريقه الخاص ويطور أسلوبه بمرور السنوات. ومنذ ذلك الحين، لم يغادر هذا المجال بل ظل وفيا له رغم ما شهده من تحولات. ويؤكد أن ما يصنعه اليوم يجد طريقه إلى الأسواق خارج الجهة خاصة نحو ولاية سوسة حيث يتولى تسويق منتوجاته وبيعها لهواة تربية الطيور.
داخل الورشة، تتراص المواد الأولية بشكل بسيط: أخشاب، أسلاك معدنية وبعض الأدوات التقليدية. ويشير الحرفي إلى أن توفر هذه المواد لم يكن يوما عائقا أمامه إذ يمكن الحصول عليها بسهولة مما يجعل الحرفة في متناول من يرغب في تعلمها. غير أن الإشكال الحقيقي، حسب قوله لا يتعلق بالإمكانيات بل بندرة الراغبين في اكتساب هذه المهارة.
ويضيف بن صميدة بنبرة يختلط فيها الأسف بالواقعية أن الحرفة أصبحت مهددة بالاندثار في ظل عزوف الشباب عنها. “اليوم، أغلب الشباب يبحثون عن الربح السريع ولا يقبلون على المهن التي تتطلب صبرا ووقتا”، يقول، مشيرا إلى أن صناعة الأقفاص تحتاج إلى دقة وتركيز فضلا عن شغف حقيقي بالعمل اليدوي.
ورغم هذا التراجع، لا يزال الحرفي متمسكا بالأمل إذ يؤكد استعداده لتعليم هذه الصنعة لكل من يرغب في تعلمها، معتبرا أن نقل الخبرة إلى الأجيال القادمة هو السبيل الوحيد لضمان استمراريتها. ويشدد على أن الحرفة ليست مجرد مصدر رزق بل هي أيضا جزء من الذاكرة الثقافية والهوية المحلية.
وتتراوح أسعار الأقفاص التي يصنعها بين 20 و350 دينارا بحسب الحجم ونوعية المواد المستعملة وهو ما يجعلها في متناول فئات مختلفة من الحرفاء خاصة من هواة تربية طيور الزينة. ويحرص بن صميدة على تنويع تصاميمه لتناسب مختلف الأذواق من الأقفاص البسيطة إلى تلك المزخرفة التي يمكن أن تستعمل أيضا كقطع ديكور.
وتعد صناعة أقفاص العصافير من الحرف التقليدية التي تجمع بين الوظيفة والجمال حيث لا تقتصر على توفير مأوى للطيور بل تعكس أيضا حسا فنيا متوارثا. وقد اشتهرت عدة مناطق تونسية بهذا النوع من الصناعات التي تمزج بين الخشب والأسلاك المعدنية في أشكال هندسية دقيقة مما يمنح كل قطعة طابعا فريدا.
ويقبل العديد من الهواة على الأقفاص المصنوعة يدويًا نظرا لما توفره من متانة وإمكانية تخصيص الحجم والشكل بحسب نوع الطائر، سواء كان كناريا أو غيره من طيور الزينة. كما أن هذه المنتجات تحافظ على جاذبيتها في ظل انتشار الأقفاص الصناعية بفضل قيمتها الجمالية والإنسانية.
تمر عملية التصنيع بعدة مراحل تبدأ بالتصميم وتحديد المقاسات ثم تجهيز الهيكل الخشبي وتركيب القضبان المعدنية وصولا إلى إضافة التجهيزات الداخلية مثل أماكن الطعام والماء. وهي خطوات تتطلب مهارة ودقة مما يجعل من كل قفص قطعة فنية قائمة بذاتها.
وفي ظل التحديات التي تواجهها، تظل هذه الحرفة قائمة بفضل تمسك بعض الحرفيين بها وتحويلها من مجرد نشاط اقتصادي إلى شغف يومي. كما يساهم توظيفها في مجالات أخرى مثل الديكور في فتح آفاق جديدة قد تساعد على إنقاذها من الاندثار.
ويبقى إبراهيم بن صميدة واحدا من هؤلاء الذين اختاروا الاستمرار ليس فقط للحفاظ على مصدر رزقهم بل أيضا لصون جزء من التراث الحرفي الذي يواجه خطر النسيان في انتظار أن تجد هذه الصنعة من يعيد إليها الحياة من جديد.


ريبورتاج: مروان الدعلول