إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بئر بروطة بالقيروان.. منبع ماء تحول إلى رمز للصبر والأمل منذ أكثر من 13 قرنا

في قلب المدينة العتيقة بـالقيروان، وبين أزقتها الضيقة وأسواقها العتيقة، يقف بئر بروطة كأحد أشهر المعالم التاريخية التي ارتبطت بذاكرة القيروانيين على مدى قرون طويلة. فهذا المكان الذي يقصده الزوار يوميا لمشاهدة الجمل وهو يدير الساقية لا يختزل فقط حكاية بئر قديم بل يجمع بين التاريخ والأسطورة والرمزية الشعبية التي جعلت منه أحد أبرز رموز المدينة.

يقع البئر داخل أسوار المدينة العتيقة غير بعيد عن المعلم الديني الأبرز في القيروان وهو جامع عقبة بن نافع ويعد محطة أساسية ضمن المسار السياحي والتاريخي للمدينة.

 فمنذ اللحظة التي يصل فيها الزائر إلى المكان، يلفت انتباهه مشهد الجمل الذي يدور في حلقة متواصلة حول البئر في حركة تقليدية ما تزال متواصلة منذ مئات السنين لاستخراج المياه من أعماقه.

ويرجع تاريخ إنشاء بئر بروطة إلى القرن الثامن الميلادي أي إلى سنة 180 للهجرة تقريبا، عندما أمر الأمير الأغلبي هرثمة بن الأعين ببنائه لتأمين مورد مياه إضافي لسكان القيروان. ففي تلك الفترة كانت المدينة التي تأسست في القرن الأول للهجرة تشهد توسعا عمرانيا متزايدا وهو ما فرض البحث عن مصادر مياه قادرة على تلبية حاجيات السكان.

ويبلغ عمق البئر نحو عشرين متر وهو مجهز بآلية تقليدية لاستخراج المياه تعتمد على جمل يدور حول نفسه موصولا بناعورة خشبية وسلسلة من الدلاء. ومع كل دورة للجمل ترتفع المياه تدريجيا من الأعماق لتصب في حوض حجري قبل أن توجه عبر قنوات صغيرة. وتعد هذه التقنية من أقدم طرق استخراج المياه في المدن الإسلامية حيث اعتمدت لقرون طويلة على الطاقة الحيوانية قبل ظهور المضخات الحديثة.

ولعل أكثر ما يمنح هذا المعلم خصوصيته هو المشهد التقليدي للجمل الذي يقوم بإدارة الساقية حيث غالبا ما يزين بأوشحة ملونة في صورة أصبحت مألوفة لدى سكان القيروان وزوارها على حد سواء. وقد تحول هذا المشهد إلى جزء من الهوية البصرية للمدينة حتى بات كثير من السياح يحرصون على التقاط الصور إلى جانب الجمل أو متابعة عملية استخراج الماء بالطريقة التقليدية.

غير أن شهرة بئر بروطة لا تعود فقط إلى تاريخه أو طريقته التقليدية في استخراج المياه بل أيضا إلى الأساطير الشعبية التي ارتبطت به عبر الأجيال. 

ومن أشهر هذه الروايات أن اكتشاف موقع البئر يعود إلى كلبة كانت تدعى "روطة". ووفق الرواية المتداولة، فقد لاحظ الناس في ذلك الزمن أن الكلبة كانت تعود إلى المكان باستمرار وتحفر في الأرض قبل أن يتبين لاحقا وجود الماء في ذلك الموقع. ومن هنا جاءت تسمية "بئر روطة" التي تحولت مع مرور الزمن إلى "بئر بروطة".

وتبقى هذه القصة جزء من الذاكرة الشعبية المتوارثة حتى وإن لم تؤكدها المصادر التاريخية بدقة. لكنها تعكس في المقابل العلاقة العميقة التي نسجها سكان القيروان مع هذا المعلم حيث تحولت قصته إلى حكاية متداولة بين الأجيال.

ومن بين الروايات الأخرى التي ساهمت في انتشار شهرة البئر الاعتقاد الشعبي بوجود علاقة باطنية بين مياهه ومياه بئر زمزم في مكة المكرمة وهو ما دفع البعض إلى تسميته أحيانا "زمزم القيروان".

 ورغم أن هذه الرواية تبقى في إطار المعتقدات الشعبية فإنها منحت البئر بعدا روحيا خاصا لدى بعض الزوار الذين يحرصون على تذوق مائه أو حمله معهم كتذكار.

وبمرور الزمن، أصبح بئر بروطة جزءا من المشهد الثقافي والسياحي للمدينة العتيقة بالقيروان التي تعد بدورها من أبرز المدن التاريخية في العالم الإسلامي. وقد أدرجت المدينة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو سنة 1988 لما تحتويه من معالم دينية وتاريخية تعود إلى قرون طويلة.

ويؤكد المهتمون بالتراث أن قيمة بئر بروطة لا تقتصر على كونه مصدرا قديماً للمياه، بل تكمن أيضا في كونه شاهدا على نمط الحياة في القيروان خلال العصور الماضية. فقد كانت الآبار والسواقي تشكل جزءا أساسيا من الحياة اليومية للمدن القديمة حيث اعتمد السكان على هذه الموارد لتأمين حاجياتهم من الماء.

واليوم، تحول هذا البئر إلى فضاء يلتقي فيه التاريخ بالتراث الشعبي حيث يتوافد الزوار لمشاهدة أحد أقدم أنظمة استخراج المياه التقليدية التي ما تزال تعمل إلى اليوم. كما يظل المكان شاهدا على قدرة الإنسان عبر العصور على التكيف مع البيئة واستغلال الموارد الطبيعية بطرق بسيطة لكنها فعالة.

وهكذا، وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عشر قرنا بقي بئر بروطة حاضرا في وجدان القيروانيين ليس فقط كمصدر ماء قديم، بل كرمز للصبر والاستمرارية وقطعة من ذاكرة مدينة عريقة ما تزال تحافظ على روحها التاريخية في قلب المدينة العتيقة.

ريبورتاج: مروان الدعلول 

 

643883556_1581026424033227_7864283491629284918_n.jpg

 

645742382_26112809541712001_5207441304423674744_n.jpg

644355546_4226744644138529_474768154063679180_n.jpg

646097103_889285520765330_6134701283200375048_n.jpg

641785809_1429874518000938_3692095472456209128_n.jpg

641756672_911710265166015_2358070833367122233_n.jpg

647515709_1276368944373298_7820185323796971968_n.jpg

647765266_1232668685645062_2624307698342956565_n.jpg

بئر بروطة بالقيروان.. منبع ماء تحول إلى رمز للصبر والأمل منذ أكثر من 13 قرنا

في قلب المدينة العتيقة بـالقيروان، وبين أزقتها الضيقة وأسواقها العتيقة، يقف بئر بروطة كأحد أشهر المعالم التاريخية التي ارتبطت بذاكرة القيروانيين على مدى قرون طويلة. فهذا المكان الذي يقصده الزوار يوميا لمشاهدة الجمل وهو يدير الساقية لا يختزل فقط حكاية بئر قديم بل يجمع بين التاريخ والأسطورة والرمزية الشعبية التي جعلت منه أحد أبرز رموز المدينة.

يقع البئر داخل أسوار المدينة العتيقة غير بعيد عن المعلم الديني الأبرز في القيروان وهو جامع عقبة بن نافع ويعد محطة أساسية ضمن المسار السياحي والتاريخي للمدينة.

 فمنذ اللحظة التي يصل فيها الزائر إلى المكان، يلفت انتباهه مشهد الجمل الذي يدور في حلقة متواصلة حول البئر في حركة تقليدية ما تزال متواصلة منذ مئات السنين لاستخراج المياه من أعماقه.

ويرجع تاريخ إنشاء بئر بروطة إلى القرن الثامن الميلادي أي إلى سنة 180 للهجرة تقريبا، عندما أمر الأمير الأغلبي هرثمة بن الأعين ببنائه لتأمين مورد مياه إضافي لسكان القيروان. ففي تلك الفترة كانت المدينة التي تأسست في القرن الأول للهجرة تشهد توسعا عمرانيا متزايدا وهو ما فرض البحث عن مصادر مياه قادرة على تلبية حاجيات السكان.

ويبلغ عمق البئر نحو عشرين متر وهو مجهز بآلية تقليدية لاستخراج المياه تعتمد على جمل يدور حول نفسه موصولا بناعورة خشبية وسلسلة من الدلاء. ومع كل دورة للجمل ترتفع المياه تدريجيا من الأعماق لتصب في حوض حجري قبل أن توجه عبر قنوات صغيرة. وتعد هذه التقنية من أقدم طرق استخراج المياه في المدن الإسلامية حيث اعتمدت لقرون طويلة على الطاقة الحيوانية قبل ظهور المضخات الحديثة.

ولعل أكثر ما يمنح هذا المعلم خصوصيته هو المشهد التقليدي للجمل الذي يقوم بإدارة الساقية حيث غالبا ما يزين بأوشحة ملونة في صورة أصبحت مألوفة لدى سكان القيروان وزوارها على حد سواء. وقد تحول هذا المشهد إلى جزء من الهوية البصرية للمدينة حتى بات كثير من السياح يحرصون على التقاط الصور إلى جانب الجمل أو متابعة عملية استخراج الماء بالطريقة التقليدية.

غير أن شهرة بئر بروطة لا تعود فقط إلى تاريخه أو طريقته التقليدية في استخراج المياه بل أيضا إلى الأساطير الشعبية التي ارتبطت به عبر الأجيال. 

ومن أشهر هذه الروايات أن اكتشاف موقع البئر يعود إلى كلبة كانت تدعى "روطة". ووفق الرواية المتداولة، فقد لاحظ الناس في ذلك الزمن أن الكلبة كانت تعود إلى المكان باستمرار وتحفر في الأرض قبل أن يتبين لاحقا وجود الماء في ذلك الموقع. ومن هنا جاءت تسمية "بئر روطة" التي تحولت مع مرور الزمن إلى "بئر بروطة".

وتبقى هذه القصة جزء من الذاكرة الشعبية المتوارثة حتى وإن لم تؤكدها المصادر التاريخية بدقة. لكنها تعكس في المقابل العلاقة العميقة التي نسجها سكان القيروان مع هذا المعلم حيث تحولت قصته إلى حكاية متداولة بين الأجيال.

ومن بين الروايات الأخرى التي ساهمت في انتشار شهرة البئر الاعتقاد الشعبي بوجود علاقة باطنية بين مياهه ومياه بئر زمزم في مكة المكرمة وهو ما دفع البعض إلى تسميته أحيانا "زمزم القيروان".

 ورغم أن هذه الرواية تبقى في إطار المعتقدات الشعبية فإنها منحت البئر بعدا روحيا خاصا لدى بعض الزوار الذين يحرصون على تذوق مائه أو حمله معهم كتذكار.

وبمرور الزمن، أصبح بئر بروطة جزءا من المشهد الثقافي والسياحي للمدينة العتيقة بالقيروان التي تعد بدورها من أبرز المدن التاريخية في العالم الإسلامي. وقد أدرجت المدينة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو سنة 1988 لما تحتويه من معالم دينية وتاريخية تعود إلى قرون طويلة.

ويؤكد المهتمون بالتراث أن قيمة بئر بروطة لا تقتصر على كونه مصدرا قديماً للمياه، بل تكمن أيضا في كونه شاهدا على نمط الحياة في القيروان خلال العصور الماضية. فقد كانت الآبار والسواقي تشكل جزءا أساسيا من الحياة اليومية للمدن القديمة حيث اعتمد السكان على هذه الموارد لتأمين حاجياتهم من الماء.

واليوم، تحول هذا البئر إلى فضاء يلتقي فيه التاريخ بالتراث الشعبي حيث يتوافد الزوار لمشاهدة أحد أقدم أنظمة استخراج المياه التقليدية التي ما تزال تعمل إلى اليوم. كما يظل المكان شاهدا على قدرة الإنسان عبر العصور على التكيف مع البيئة واستغلال الموارد الطبيعية بطرق بسيطة لكنها فعالة.

وهكذا، وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عشر قرنا بقي بئر بروطة حاضرا في وجدان القيروانيين ليس فقط كمصدر ماء قديم، بل كرمز للصبر والاستمرارية وقطعة من ذاكرة مدينة عريقة ما تزال تحافظ على روحها التاريخية في قلب المدينة العتيقة.

ريبورتاج: مروان الدعلول 

 

643883556_1581026424033227_7864283491629284918_n.jpg

 

645742382_26112809541712001_5207441304423674744_n.jpg

644355546_4226744644138529_474768154063679180_n.jpg

646097103_889285520765330_6134701283200375048_n.jpg

641785809_1429874518000938_3692095472456209128_n.jpg

641756672_911710265166015_2358070833367122233_n.jpg

647515709_1276368944373298_7820185323796971968_n.jpg

647765266_1232668685645062_2624307698342956565_n.jpg