يٌعد المسرح والسينما والموسيقى والكتاب أدوات لتشكيل الوعي الجماعي وصناعة الإنسان.. لكن يبدو أن هذا الدور قد تراجع في تونس لصالح منطق الفرجة السريعة، حتى أصبحت الثقافة في كثير من الأحيان نشاطا موسميا ينتهي بانتهاء الصيف!..
ليست الأزمة في قلة المهرجانات، فعددها يتزايد من سنة إلى أخرى بل في غياب رؤية ثقافية واضحة.. هل يكفي تنظيم عشرات السهرات الغنائية لنقول إن المشهد الثقافي بخير؟ وهل يمكن اختزال الثقافة في حفلات تُقاس قيمتها بعدد الحضور أو حجم الإيرادات؟
الحقيقة أن المنظومة الثقافية في تونس تحتاج إلى مراجعة شاملة، لأن ما تغير في العالم خلال العقود الأخيرة لم ينعكس بالقدر نفسه على السياسات الثقافية. فما زالت آليات الدعم والبرمجة والترويج والإنتاج تخضع في أحيان كثيرة لمنطق تقليدي، بينما تطورت أشكال الإبداع والجمهور ووسائل التواصل مع الفن..
المبدع الحقيقي لا يبحث فقط عن فرصة للصعود إلى الركح، بل يحتاج إلى بيئة تؤمن بفكرته وترافق مشروعه وتحمي حقه في التجريب والاختلاف.. فالثقافة لا تزدهر عندما نعيد إنتاج الأسماء نفسها والبرامج نفسها، وإنما عندما نتيح المجال للأفكار الجديدة وللأصوات التي تحمل قيمة فنية وفكرية حقيقية.
ولعل أخطر ما تعيشه الساحة الثقافية اليوم هو تراجع مكانة المثقف والفنان في النقاش العام.. فالمبدع لم يعد شريكا في رسم السياسات الثقافية، بل أصبح في كثير من الأحيان مجرد منفذ لبرامج تُعدّ بعيدا عن رؤيته. وعندما يُقصى أصحاب المشاريع الجادة، يصبح المشهد أكثر فقرا حتى وإن بدا مزدحما بالعروض..
إن إصلاح المنظومة الثقافية لم يعد ترفا بل ضرورة وطنية.. فهو يبدأ بوضع استراتيجية طويلة المدى، تعيد الاعتبار للإنتاج الفني، وتربط الثقافة بالتربية والتعليم وتمنح المؤسسات الثقافية استقلالية أكبر، وتعيد للمهرجانات دورها كفضاءات للحوار والتكوين والإبداع.. لا مجرد منصات للترفيه..
الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرقات ومبان، بل بما تنتجه من فكر وفن وجمال.. لذلك فإن الاستثمار في الثقافة استثمار في هوية الوطن ومستقبله. وحين يستعيد المبدع مكانته الطبيعية، تستعيد الثقافة رسالتها ويستعيد المجتمع إحدى أهم قواه الناعمة في مواجهة الرداءة والتهميش..
بقلم: وليد عبد اللاوي
يٌعد المسرح والسينما والموسيقى والكتاب أدوات لتشكيل الوعي الجماعي وصناعة الإنسان.. لكن يبدو أن هذا الدور قد تراجع في تونس لصالح منطق الفرجة السريعة، حتى أصبحت الثقافة في كثير من الأحيان نشاطا موسميا ينتهي بانتهاء الصيف!..
ليست الأزمة في قلة المهرجانات، فعددها يتزايد من سنة إلى أخرى بل في غياب رؤية ثقافية واضحة.. هل يكفي تنظيم عشرات السهرات الغنائية لنقول إن المشهد الثقافي بخير؟ وهل يمكن اختزال الثقافة في حفلات تُقاس قيمتها بعدد الحضور أو حجم الإيرادات؟
الحقيقة أن المنظومة الثقافية في تونس تحتاج إلى مراجعة شاملة، لأن ما تغير في العالم خلال العقود الأخيرة لم ينعكس بالقدر نفسه على السياسات الثقافية. فما زالت آليات الدعم والبرمجة والترويج والإنتاج تخضع في أحيان كثيرة لمنطق تقليدي، بينما تطورت أشكال الإبداع والجمهور ووسائل التواصل مع الفن..
المبدع الحقيقي لا يبحث فقط عن فرصة للصعود إلى الركح، بل يحتاج إلى بيئة تؤمن بفكرته وترافق مشروعه وتحمي حقه في التجريب والاختلاف.. فالثقافة لا تزدهر عندما نعيد إنتاج الأسماء نفسها والبرامج نفسها، وإنما عندما نتيح المجال للأفكار الجديدة وللأصوات التي تحمل قيمة فنية وفكرية حقيقية.
ولعل أخطر ما تعيشه الساحة الثقافية اليوم هو تراجع مكانة المثقف والفنان في النقاش العام.. فالمبدع لم يعد شريكا في رسم السياسات الثقافية، بل أصبح في كثير من الأحيان مجرد منفذ لبرامج تُعدّ بعيدا عن رؤيته. وعندما يُقصى أصحاب المشاريع الجادة، يصبح المشهد أكثر فقرا حتى وإن بدا مزدحما بالعروض..
إن إصلاح المنظومة الثقافية لم يعد ترفا بل ضرورة وطنية.. فهو يبدأ بوضع استراتيجية طويلة المدى، تعيد الاعتبار للإنتاج الفني، وتربط الثقافة بالتربية والتعليم وتمنح المؤسسات الثقافية استقلالية أكبر، وتعيد للمهرجانات دورها كفضاءات للحوار والتكوين والإبداع.. لا مجرد منصات للترفيه..
الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرقات ومبان، بل بما تنتجه من فكر وفن وجمال.. لذلك فإن الاستثمار في الثقافة استثمار في هوية الوطن ومستقبله. وحين يستعيد المبدع مكانته الطبيعية، تستعيد الثقافة رسالتها ويستعيد المجتمع إحدى أهم قواه الناعمة في مواجهة الرداءة والتهميش..