إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

موسمان بلا مدير.. إلى أين يمضي مهرجان قرطاج؟!

بقلم:وليد عبد اللاوي

لم يكن الجدل الذي رافق الإعلان عن برمجة الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي

مقتصرا على أسماء الفنانين المشاركين، بل امتد إلى أسئلة أعمق تتعلق بطريقة إدارة أعرق مهرجان ثقافي في تونس، في ظل استمرار تنظيمه للسنة الثانية على التوالي دون الإعلان عن مدير عام أو مدير فني يتولى رسميا رسم ملامح المشروع الثقافي والفني للمهرجان.

لقد اعتاد مهرجان قرطاج، على امتداد عقود أن يقترن باسم مدير يحمل رؤية فنية واضحة ويتحمل مسؤولية اختياراته أمام الجمهور والنقاد ووسائل الإعلام. أما اليوم، فإن إدارة المهرجان عبر لجان مشتركة -مهما كانت كفاءتها- تطرح تساؤلات حول الجهة التي تحدد الهوية الفنية للدورة ومن يتحمل مسؤولية نجاحها أو إخفاقها.

قد لا يكون غياب المدير هو السبب الوحيد في طبيعة البرمجة الحالية، لكنه يفتح الباب أمام فرضية غياب الرؤية الموحدة، إذ تتحول البرمجة من مشروع ثقافي متكامل إلى عملية تسيير إداري هدفها إنجاز الدورة في موعدها أكثر من صناعة حدث فني إبداعي استثنائي..

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن الجانب المالي.. فرغم عدم صدور معطيات رسمية تؤكد وجود أزمة تمويل، فإن طبيعة بعض الاختيارات الفنية دفعت كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت الإمكانات المالية المتاحة قد أثرت في استقطاب الأسماء العالمية والعربية القادرة على منح الدورة إشعاعا أكبر. وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال يصبح مشروعا: هل فرضت الموارد المحدودة سياسة برمجة تقوم على أسماء أقل كلفة، أم أن الأمر يعكس توجها فنيا جديدا؟

وفي هذا السياق، أثار إدراج الفنانتين ميادة الحناوي وماجدة الرومي نقاشا واسعا.. فلا أحد يجادل في قيمتهما الفنية أو في الإرث الموسيقي الكبير الذي قدمتاه للأغنية العربية، لكن السؤال يتعلق بمدى جاهزيتهما اليوم لتقديم عرض حي يرقى إلى مستوى انتظارات جمهور قرطاج..

إن تكريم القامات الفنية لا يكون بالضرورة بإسناد حفلات لهن على أكبر ركح في تونس، بل قد يتحقق بطرق تحفظ لهن المكانة التي يستحقنها، بعيدا عن أي مقارنة بين ما قدمنه في ذروة عطائهن وما يمكن أن يقدمنه اليوم.

 الأمر ذاته ينسحب على الفنانة التونسية أمينة فاخت، التي تُعد دون شك من أهم الأصوات التونسية والعربية. غير أن مشاركتها تثير بدورها تساؤلات فنية، باعتبار أن رصيدها الغنائي الجديد محدود، وأن عروضها تعتمد في الغالب على إعادة أداء أعمالها الكلاسيكية وبعض الأغاني الطربية، وهو ما قد يجعل الحفل أقرب إلى استعادة للذاكرة الفنية منه إلى إنتاج عرض جديد يضيف قيمة استثنائية لمهرجان بحجم قرطاج..

 الأمر هنا لا يتعلق بالتقليل من قيمة الفنانين المشاركين، فلكل منهم مكانته وتاريخه، وإنما بخصوصية مهرجان قرطاج الذي ظل لعقود فضاء للعروض الكبرى والمشاريع الفنية الجديدة، لا مجرد منصة لاستحضار أمجاد الماضي.

إن مهرجان قرطاج لا يحتاج فقط إلى أسماء لامعة، بل إلى رؤية ثقافية واضحة تقود البرمجة، وإدارة فنية تتحمل مسؤولية اختياراتها وإمكانات مالية تسمح باستقطاب أفضل العروض العربية والعالمية.. فالمهرجانات الكبرى تُقاس بما تضيفه إلى تاريخها لا بما تستند إليه من أمجاد سابقة..

يبقى الرهان الحقيقي اليوم هو استعادة الهوية التي جعلت مهرجان قرطاج موعدا ثقافيا ينتظره الجمهور العربي والدولي، لا أن يتحول إلى مهرجان يثير الجدل حول غياب القيادة، وحدود الإمكانات وخيارات برمجية لا ترتقي دائما إلى حجم الاسم الذي يحمله..

 

موسمان بلا مدير.. إلى أين يمضي مهرجان قرطاج؟!

بقلم:وليد عبد اللاوي

لم يكن الجدل الذي رافق الإعلان عن برمجة الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي

مقتصرا على أسماء الفنانين المشاركين، بل امتد إلى أسئلة أعمق تتعلق بطريقة إدارة أعرق مهرجان ثقافي في تونس، في ظل استمرار تنظيمه للسنة الثانية على التوالي دون الإعلان عن مدير عام أو مدير فني يتولى رسميا رسم ملامح المشروع الثقافي والفني للمهرجان.

لقد اعتاد مهرجان قرطاج، على امتداد عقود أن يقترن باسم مدير يحمل رؤية فنية واضحة ويتحمل مسؤولية اختياراته أمام الجمهور والنقاد ووسائل الإعلام. أما اليوم، فإن إدارة المهرجان عبر لجان مشتركة -مهما كانت كفاءتها- تطرح تساؤلات حول الجهة التي تحدد الهوية الفنية للدورة ومن يتحمل مسؤولية نجاحها أو إخفاقها.

قد لا يكون غياب المدير هو السبب الوحيد في طبيعة البرمجة الحالية، لكنه يفتح الباب أمام فرضية غياب الرؤية الموحدة، إذ تتحول البرمجة من مشروع ثقافي متكامل إلى عملية تسيير إداري هدفها إنجاز الدورة في موعدها أكثر من صناعة حدث فني إبداعي استثنائي..

ولا يمكن فصل هذا النقاش عن الجانب المالي.. فرغم عدم صدور معطيات رسمية تؤكد وجود أزمة تمويل، فإن طبيعة بعض الاختيارات الفنية دفعت كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت الإمكانات المالية المتاحة قد أثرت في استقطاب الأسماء العالمية والعربية القادرة على منح الدورة إشعاعا أكبر. وإذا كان الأمر كذلك، فإن السؤال يصبح مشروعا: هل فرضت الموارد المحدودة سياسة برمجة تقوم على أسماء أقل كلفة، أم أن الأمر يعكس توجها فنيا جديدا؟

وفي هذا السياق، أثار إدراج الفنانتين ميادة الحناوي وماجدة الرومي نقاشا واسعا.. فلا أحد يجادل في قيمتهما الفنية أو في الإرث الموسيقي الكبير الذي قدمتاه للأغنية العربية، لكن السؤال يتعلق بمدى جاهزيتهما اليوم لتقديم عرض حي يرقى إلى مستوى انتظارات جمهور قرطاج..

إن تكريم القامات الفنية لا يكون بالضرورة بإسناد حفلات لهن على أكبر ركح في تونس، بل قد يتحقق بطرق تحفظ لهن المكانة التي يستحقنها، بعيدا عن أي مقارنة بين ما قدمنه في ذروة عطائهن وما يمكن أن يقدمنه اليوم.

 الأمر ذاته ينسحب على الفنانة التونسية أمينة فاخت، التي تُعد دون شك من أهم الأصوات التونسية والعربية. غير أن مشاركتها تثير بدورها تساؤلات فنية، باعتبار أن رصيدها الغنائي الجديد محدود، وأن عروضها تعتمد في الغالب على إعادة أداء أعمالها الكلاسيكية وبعض الأغاني الطربية، وهو ما قد يجعل الحفل أقرب إلى استعادة للذاكرة الفنية منه إلى إنتاج عرض جديد يضيف قيمة استثنائية لمهرجان بحجم قرطاج..

 الأمر هنا لا يتعلق بالتقليل من قيمة الفنانين المشاركين، فلكل منهم مكانته وتاريخه، وإنما بخصوصية مهرجان قرطاج الذي ظل لعقود فضاء للعروض الكبرى والمشاريع الفنية الجديدة، لا مجرد منصة لاستحضار أمجاد الماضي.

إن مهرجان قرطاج لا يحتاج فقط إلى أسماء لامعة، بل إلى رؤية ثقافية واضحة تقود البرمجة، وإدارة فنية تتحمل مسؤولية اختياراتها وإمكانات مالية تسمح باستقطاب أفضل العروض العربية والعالمية.. فالمهرجانات الكبرى تُقاس بما تضيفه إلى تاريخها لا بما تستند إليه من أمجاد سابقة..

يبقى الرهان الحقيقي اليوم هو استعادة الهوية التي جعلت مهرجان قرطاج موعدا ثقافيا ينتظره الجمهور العربي والدولي، لا أن يتحول إلى مهرجان يثير الجدل حول غياب القيادة، وحدود الإمكانات وخيارات برمجية لا ترتقي دائما إلى حجم الاسم الذي يحمله..