إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

قانون الفنان.. خطوة نحو الاعتراف أم بداية التعقيد؟

منذ صدوره بالرائد الرسمي ودخوله حيّز التنفيذ يوم 18 ماي 2026، لم يكن "قانون الفنان والمهن الفنية" مجرّد نص تشريعي جديد بقدر ما كان حدثا مفصليا أعاد فتح نقاش قديم متجدد حول علاقة الدولة بالإبداع: هل هي علاقة رعاية ودعم أم ضبط وتنظيم؟
بالنسبة لجزء واسع من أهل القطاع، مثّل القانون حلما طال انتظاره.. سنوات من المطالبات بتأطير المهن الفنية وضمان الحقوق الاجتماعية وإضفاء صفة قانونية على الفنان، انتهت أخيرا إلى نص نافذ يعترف – ولو لأول مرة بهذا الشكل – بالفنان كفاعل مهني له حقوق وعليه واجبات. هذا ما عكسته نبرة الترحيب التي صدرت عن نقابات ومهنيين، معتبرين أن المكسب الحقيقي لا يكمن فقط في النص بل في الاعتراف ذاته.
لكن في المقابل، لم يمرّ القانون دون إثارة جدل عميق داخل الأوساط الثقافية والفكرية. فعدد من الفنانين والباحثين رأوا فيه نصا "حمال أوجه" قد يحمل في طياته بذور تنظيم ضروري، لكنه في الآن ذاته يطرح إشكاليات جوهرية تتعلق بحرية الإبداع.. ويذهب بعضهم إلى أن القانون يكشف فجوة فلسفية بين المقاربة التونسية والمعايير الدولية، خاصة حين يتحول الفن من حق طبيعي قائم على الفعل الإبداعي إلى نشاط مشروط بترخيص إداري.
هذا التوتر يتجلى أساسا في مسألة "البطاقة المهنية" التي يعتبرها المدافعون آلية تنظيمية لضبط القطاع وضمان حقوق العاملين فيه، بينما يراها منتقدون أداة قد تفتح الباب أمام تقييد حرية الممارسة وربما إخضاع الإبداع لمنطق إداري لا ينسجم مع طبيعته الحرة.
وفي قراءة أوسع، يرى مفكرون أن جوهر الإشكال لا يكمن في النية التشريعية بقدر ما يتمثل في الأدوات المعتمدة، حيث تتحول الدولة من "داعمة للثقافة" إلى "حارس عليها" ليصبح تحديد من يملك حق الإبداع فعلا إداريا بامتياز.
بين هذين الموقفين، يقف القانون اليوم على أرضية اختبار حقيقية: هل سينجح في تحقيق توازن دقيق بين تنظيم القطاع وحماية حرية التعبير؟ أم أن تطبيقه سيكشف عن تعقيدات إجرائية قد تُثقل كاهل المبدعين بدل أن تدعمهم؟
الثابت أن المعركة لم تعد حول مبدأ القانون في حد ذاته، بل حول روحه وكيفية تنزيله. فالنصوص يمكن تعديلها، والمراسيم التطبيقية قادرة على التخفيف من حدّة الجدل، لكن الرهان الأكبر يظل في ترسيخ قناعة أساسية: الثقافة ليست مجرد قطاع يُدار بل فضاء حيّ يتنفس الحرية وأي تنظيم له لا يمكن أن ينجح إلا إذا انطلق من هذه المسلّمة.
في انتظار ذلك، سيبقى قانون الفنان عنوان مرحلة انتقالية تتقاطع فيها الآمال الكبيرة مع المخاوف المشروعة.. 
 
✍️ وليد عبد اللاوي
قانون الفنان.. خطوة نحو الاعتراف أم بداية التعقيد؟
منذ صدوره بالرائد الرسمي ودخوله حيّز التنفيذ يوم 18 ماي 2026، لم يكن "قانون الفنان والمهن الفنية" مجرّد نص تشريعي جديد بقدر ما كان حدثا مفصليا أعاد فتح نقاش قديم متجدد حول علاقة الدولة بالإبداع: هل هي علاقة رعاية ودعم أم ضبط وتنظيم؟
بالنسبة لجزء واسع من أهل القطاع، مثّل القانون حلما طال انتظاره.. سنوات من المطالبات بتأطير المهن الفنية وضمان الحقوق الاجتماعية وإضفاء صفة قانونية على الفنان، انتهت أخيرا إلى نص نافذ يعترف – ولو لأول مرة بهذا الشكل – بالفنان كفاعل مهني له حقوق وعليه واجبات. هذا ما عكسته نبرة الترحيب التي صدرت عن نقابات ومهنيين، معتبرين أن المكسب الحقيقي لا يكمن فقط في النص بل في الاعتراف ذاته.
لكن في المقابل، لم يمرّ القانون دون إثارة جدل عميق داخل الأوساط الثقافية والفكرية. فعدد من الفنانين والباحثين رأوا فيه نصا "حمال أوجه" قد يحمل في طياته بذور تنظيم ضروري، لكنه في الآن ذاته يطرح إشكاليات جوهرية تتعلق بحرية الإبداع.. ويذهب بعضهم إلى أن القانون يكشف فجوة فلسفية بين المقاربة التونسية والمعايير الدولية، خاصة حين يتحول الفن من حق طبيعي قائم على الفعل الإبداعي إلى نشاط مشروط بترخيص إداري.
هذا التوتر يتجلى أساسا في مسألة "البطاقة المهنية" التي يعتبرها المدافعون آلية تنظيمية لضبط القطاع وضمان حقوق العاملين فيه، بينما يراها منتقدون أداة قد تفتح الباب أمام تقييد حرية الممارسة وربما إخضاع الإبداع لمنطق إداري لا ينسجم مع طبيعته الحرة.
وفي قراءة أوسع، يرى مفكرون أن جوهر الإشكال لا يكمن في النية التشريعية بقدر ما يتمثل في الأدوات المعتمدة، حيث تتحول الدولة من "داعمة للثقافة" إلى "حارس عليها" ليصبح تحديد من يملك حق الإبداع فعلا إداريا بامتياز.
بين هذين الموقفين، يقف القانون اليوم على أرضية اختبار حقيقية: هل سينجح في تحقيق توازن دقيق بين تنظيم القطاع وحماية حرية التعبير؟ أم أن تطبيقه سيكشف عن تعقيدات إجرائية قد تُثقل كاهل المبدعين بدل أن تدعمهم؟
الثابت أن المعركة لم تعد حول مبدأ القانون في حد ذاته، بل حول روحه وكيفية تنزيله. فالنصوص يمكن تعديلها، والمراسيم التطبيقية قادرة على التخفيف من حدّة الجدل، لكن الرهان الأكبر يظل في ترسيخ قناعة أساسية: الثقافة ليست مجرد قطاع يُدار بل فضاء حيّ يتنفس الحرية وأي تنظيم له لا يمكن أن ينجح إلا إذا انطلق من هذه المسلّمة.
في انتظار ذلك، سيبقى قانون الفنان عنوان مرحلة انتقالية تتقاطع فيها الآمال الكبيرة مع المخاوف المشروعة.. 
 
✍️ وليد عبد اللاوي