في وقت أصبحت فيه دروس الدعم الخصوصية جزءا شبه ثابت من المسار الدراسي للكثير من التلاميذ في تونس، تبرز منصة "جسور للدعم والمرافقة" كمبادرة رقمية جديدة تراهن عليها وزارة التربية لتوفير بديل مجاني ومتاح للجميع. المنصة التي انطلقت أولى حصصها لفائدة تلاميذ السنوات النهائية، تسعى إلى تقريب الدعم المدرسي من مختلف الفئات والجهات، عبر دروس تُقدّم عن بُعد بإشراف أساتذة ومتفقدين ومتطوعين، مع إمكانية متابعة الحصص المباشرة أو العودة إلى التسجيلات في أي وقت. وتأتي هذه الخطوة في سياق يتزايد فيه الجدل حول كلفة الدروس الخصوصية في تونس وتأثيرها على مبدأ تكافؤ الفرص، خاصة بالنسبة للعائلات محدودة الدخل. فالدروس الخصوصية لم تعد مجرد خيار إضافي لتحسين النتائج الدراسية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واقع يكاد يكون مفروضا على عدد كبير من العائلات والتلاميذ، خاصة في الأقسام النهائية المرتبطة بالامتحانات الوطنية. فمع اقتراب مواعيد "السيزيام" و"النوفيام" و"الباكالوريا"، تدخل آلاف الأسر في سباق مرهق بحثا عن حصص دعم إضافية، مهما كانت الكلفة المادية أو الضغط النفسي الذي تخلفه. وفي خضم هذا المشهد، تأتي منصة "جسور للدعم والمرافقة" لتعيد طرح سؤال قديم ومتجدّد: هل يمكن فعلا توفير دعم مدرسي مجاني وعادل يخفّف من هيمنة الدروس الخصوصية؟ المنصة، وفق ما أعلنته وزارة التربية، تستهدف في مرحلتها الأولى تلاميذ السنوات النهائية من مختلف المراحل التعليمية، من خلال دروس رقمية يشرف عليها أساتذة ومتفقدون ومتطوعون، مع إمكانية متابعة الحصص مباشرة أو العودة إليها لاحقا عبر التسجيلات. وقد تبدو الفكرة في ظاهرها تقنية أو تنظيمية فقط، لكنها في العمق تحمل أبعادا اجتماعية وتربوية مهمة، لأنها تحاول تقديم بديل داخل المنظومة العمومية نفسها، بدل ترك التلميذ وحيدا أمام سوق موازية أصبحت تتحكم تدريجيا في جزء من العملية التعليمية. اليوم، لم يعد خافيا أن الدروس الخصوصية خلقت نوعا من التفاوت بين التلاميذ، ومع ارتفاع تكاليف الحياة، أصبحت بعض العائلات تعتبر مصاريف الدعم عبئا ثقيلا لكنه "ضروري"، خوفا من تراجع مستوى الأبناء أو ضعف حظوظهم في الامتحانات الوطنية. لذلك، فإن أي مبادرة توفر محتوى تعليميا مجانيا وذا جودة، يمكن أن تمثّل متنفسا حقيقيا لعدد كبير من الأسر. كما أن أهمية منصة "جسور" لا ترتبط فقط بمجانية الدروس، بل أيضا بفكرة إتاحة المحتوى للجميع وفي أي وقت. فالتلميذ في المناطق الداخلية أو البعيدة، الذي قد لا يجد بسهولة مراكز دعم أو أساتذة مختصين، سيكون قادرا على متابعة نفس الدروس التي يتابعها تلميذ في العاصمة أو المدن الكبرى. وتمثل المنصة الرقمية بداية تغيير تدريجي في نظرة التلميذ إلى الدعم المدرسي. فحين يصبح الوصول إلى الدرس متاحا ومجانا، وفي أي وقت، وضمن إطار بيداغوجي رسمي، قد تستعيد المدرسة العمومية جزءا من دورها الذي تراجع أمام التوسع الكبير للدروس الموازية. كما أن إدماج الرقمنة في التعليم لم يعد ترفا أو خيارا مؤجلا، بل ضرورة فرضتها التحولات التكنولوجية وطبيعة الأجيال الجديدة التي أصبحت تتفاعل يوميا مع المحتوى الرقمي أكثر من أي وقت مضى. وفي انتظار تقييم النتائج الفعلية لهذه المبادرة خلال الأشهر المقبلة، يبقى المؤكد أن منصة "جسور للدعم والمرافقة" فتحت بابا جديدا للنقاش حول مستقبل الدعم المدرسي في تونس، وحول إمكانية بناء نموذج أكثر إنصافا يضمن للتلميذ حقه في التعلم الجيد دون أن يتحول ذلك إلى عبء إضافي على العائلة.
منال العابدي
في وقت أصبحت فيه دروس الدعم الخصوصية جزءا شبه ثابت من المسار الدراسي للكثير من التلاميذ في تونس، تبرز منصة "جسور للدعم والمرافقة" كمبادرة رقمية جديدة تراهن عليها وزارة التربية لتوفير بديل مجاني ومتاح للجميع. المنصة التي انطلقت أولى حصصها لفائدة تلاميذ السنوات النهائية، تسعى إلى تقريب الدعم المدرسي من مختلف الفئات والجهات، عبر دروس تُقدّم عن بُعد بإشراف أساتذة ومتفقدين ومتطوعين، مع إمكانية متابعة الحصص المباشرة أو العودة إلى التسجيلات في أي وقت. وتأتي هذه الخطوة في سياق يتزايد فيه الجدل حول كلفة الدروس الخصوصية في تونس وتأثيرها على مبدأ تكافؤ الفرص، خاصة بالنسبة للعائلات محدودة الدخل. فالدروس الخصوصية لم تعد مجرد خيار إضافي لتحسين النتائج الدراسية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واقع يكاد يكون مفروضا على عدد كبير من العائلات والتلاميذ، خاصة في الأقسام النهائية المرتبطة بالامتحانات الوطنية. فمع اقتراب مواعيد "السيزيام" و"النوفيام" و"الباكالوريا"، تدخل آلاف الأسر في سباق مرهق بحثا عن حصص دعم إضافية، مهما كانت الكلفة المادية أو الضغط النفسي الذي تخلفه. وفي خضم هذا المشهد، تأتي منصة "جسور للدعم والمرافقة" لتعيد طرح سؤال قديم ومتجدّد: هل يمكن فعلا توفير دعم مدرسي مجاني وعادل يخفّف من هيمنة الدروس الخصوصية؟ المنصة، وفق ما أعلنته وزارة التربية، تستهدف في مرحلتها الأولى تلاميذ السنوات النهائية من مختلف المراحل التعليمية، من خلال دروس رقمية يشرف عليها أساتذة ومتفقدون ومتطوعون، مع إمكانية متابعة الحصص مباشرة أو العودة إليها لاحقا عبر التسجيلات. وقد تبدو الفكرة في ظاهرها تقنية أو تنظيمية فقط، لكنها في العمق تحمل أبعادا اجتماعية وتربوية مهمة، لأنها تحاول تقديم بديل داخل المنظومة العمومية نفسها، بدل ترك التلميذ وحيدا أمام سوق موازية أصبحت تتحكم تدريجيا في جزء من العملية التعليمية. اليوم، لم يعد خافيا أن الدروس الخصوصية خلقت نوعا من التفاوت بين التلاميذ، ومع ارتفاع تكاليف الحياة، أصبحت بعض العائلات تعتبر مصاريف الدعم عبئا ثقيلا لكنه "ضروري"، خوفا من تراجع مستوى الأبناء أو ضعف حظوظهم في الامتحانات الوطنية. لذلك، فإن أي مبادرة توفر محتوى تعليميا مجانيا وذا جودة، يمكن أن تمثّل متنفسا حقيقيا لعدد كبير من الأسر. كما أن أهمية منصة "جسور" لا ترتبط فقط بمجانية الدروس، بل أيضا بفكرة إتاحة المحتوى للجميع وفي أي وقت. فالتلميذ في المناطق الداخلية أو البعيدة، الذي قد لا يجد بسهولة مراكز دعم أو أساتذة مختصين، سيكون قادرا على متابعة نفس الدروس التي يتابعها تلميذ في العاصمة أو المدن الكبرى. وتمثل المنصة الرقمية بداية تغيير تدريجي في نظرة التلميذ إلى الدعم المدرسي. فحين يصبح الوصول إلى الدرس متاحا ومجانا، وفي أي وقت، وضمن إطار بيداغوجي رسمي، قد تستعيد المدرسة العمومية جزءا من دورها الذي تراجع أمام التوسع الكبير للدروس الموازية. كما أن إدماج الرقمنة في التعليم لم يعد ترفا أو خيارا مؤجلا، بل ضرورة فرضتها التحولات التكنولوجية وطبيعة الأجيال الجديدة التي أصبحت تتفاعل يوميا مع المحتوى الرقمي أكثر من أي وقت مضى. وفي انتظار تقييم النتائج الفعلية لهذه المبادرة خلال الأشهر المقبلة، يبقى المؤكد أن منصة "جسور للدعم والمرافقة" فتحت بابا جديدا للنقاش حول مستقبل الدعم المدرسي في تونس، وحول إمكانية بناء نموذج أكثر إنصافا يضمن للتلميذ حقه في التعلم الجيد دون أن يتحول ذلك إلى عبء إضافي على العائلة.