في زمن تتسارع فيه الأخبار وتفيض فيه الشاشات بمحتوى لا ينتهي، يعود معرض تونس الدولي للكتاب ليؤكد أن للكتاب مكانة لا يمكن أن تُمحى، وأن الثقافة ما تزال قادرة على الصمود أمام طوفان رقمي جارف.
هذه التظاهرة الثقافية العريقة ليست مجرد موعد سنوي لعرض الإصدارات الجديدة، بل تحوّلت إلى منصة للتفكير الجماعي في مستقبل المعرفة، في عالم تحكمه الخوارزميات وتوجّهه السرعة على حساب العمق والتحليل.
المعرض هذه السنة اختار شعار ومضته الإشهارية "خاطر الكتاب موش كان حكاية.. الكتاب وطن"، فالكتاب ليس
مجرد حكاية تُروى ثم تُنسى، بل هو
حجر الأساس الذي تُبنى عليه الأمم
وتُصاغ به العقول.
كما اختار المعرض لهذه الدورة معلقة في صيغة فنية، تجسّد رمزية الكتاب ومكانته في حفظ الذاكرة الإنسانية وتعزيز جسور التواصل بين الحضارات.
وتأتي مساهمة الفنان العالمي نجا المهداوي في إنجاز المعلّقة الرسمية، تجسيدا لرؤيته الجمالية المتفرّدة للحرف العربي، وليرتقي به إلى فضاء تعبيري أرحب.
الدورة الأربعين من المعرض التي تنعقد من 23 أفريل وتتواصل إلى غاية 3 ماي 2026، تأتي في سياق عالمي يتّسم بانتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم المحتوى السريع، وتراجع الاهتمام بالقراءة المتأنية.
لم يعد التحدي مقتصرا على إقناع الأفراد بحمل كتاب، بل أصبح مرتبطا بإعادة بناء علاقة متوازنة مع المعلومة، قائمة على التحقق والنقد والفهم.
الكتاب أصبح على هذا الأساس قضية ثقافية ملحة لـ "محاربة الطوفان الرقمي" المتزايد، تتطلب تضافر جهود الكتاب والناشرين والإعلاميين والمؤسسات التربوية.
في أروقة المعرض، تصبح الندوات واللقاءات الفكرية فضاءات حقيقية لطرح الأسئلة الكبرى: كيف نعيد الاعتبار للمحتوى الجاد؟ وكيف يمكن للكتاب أن يظل مرجعا في زمن السرعة الرقمية؟
تونس، بتاريخها الثقافي الغني، تجد نفسها اليوم أمام مفترق طرق. فمن جهة، هناك انفتاح واسع على التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن جهة أخرى، هناك حاجة ملحّة للحفاظ على تقاليد القراءة والتفكير النقدي.
وبين هذين المسارين، يبرز دور المعرض كجسر يربط بين الماضي والحاضر، ويقترح رؤية متوازنة للمستقبل، حيث لا يُقصى الرقمي، بل يُؤطّر ويُوجّه.
إن محاربة الطوفان الرقمي لا تعني رفض التكنولوجيا، بل تعني استخدامها بوعي. ويصبح الكتاب أكثر من مجرد وسيلة للمعرفة ليتحول إلى أداة لبناء العقل النقدي، وإلى حصن يحمي الفرد من الانسياق وراء المعلومة السطحية أو المضللة.
الدورة الجديدة لمعرض تونس الدولي للكتاب تبعث رسالة واضحة: الثقافة لا تزال تقاوم "الانفجار" التكنولوجي، والكتاب لا يزال قادرًا على إحداث الفرق.
وبين صفحات كل كتاب، تكمن فرصة لإعادة ترتيب علاقتنا بالعالم، بعيدا عن الضجيج الرقمي المتزايد.
منـال العابدي
