تتسارع التحركات الدبلوماسية الرامية إلى منع تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اقتراب مرحلة جديدة من التصعيد، بالتزامن مع استمرار التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بإمكانية استهداف منشآت إيرانية حيوية، تشمل البنية التحتية للطاقة ومواقع ذات أهمية اقتصادية وعسكرية.
وفي أحدث تطورات هذا الحراك، كشف مسؤول إيراني رفيع لوكالة "رويترز"، الخميس، أن طهران أرسلت مقترحاً نوويا إلى الولايات المتحدة عبر قطر، لكنه شدد على أن بلاده لن تناقش الملف النووي قبل استجابة واشنطن لمطالب إيرانية من سبعة بنود. ولم يكشف المسؤول عن تفاصيل هذه المطالب أو مضمون المقترح، مشيرا إلى أن الجانب الأمريكي يراجع الوثيقة.
ويأتي هذا التطور بعد أسابيع من التعثر في الاتصالات بين الجانبين، وفي ظل محاولات إقليمية لإعادة إطلاق مسار التفاوض، بعدما تحولت المواجهة العسكرية إلى حالة من الجمود المشحون، لم تنهها التفاهمات السابقة، ولم تبدد احتمالات استئناف الضربات.
وتعكس هذه الاتصالات انتقال الجهود الدبلوماسية إلى مرحلة أكثر حساسية، إذ لم يعد التفاوض مقتصرا على مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل بات مرتبطا بترتيبات أوسع تشمل وقف الحرب، ورفع القيود الاقتصادية والعسكرية، وإعادة فتح الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
مقترحات جديدة ورسائل عبر قطر
وبحسب ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن إيران بدأت مراجعة مجموعة من المقترحات التي قدمها الوسطاء، والتي يمكن أن ترسم ملامح مستقبل برنامجها النووي، في تطور وصفه مسؤولون مطلعون على المفاوضات بأنه قد يفتح نافذة جديدة أمام الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أن استعداد طهران للعودة إلى مناقشة الملف النووي، بعد أسابيع من رفض تقديم تنازلات، يعكس تقدماً في جهود الوساطة التي تقودها قطر لتجنب العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وقادت الدوحة خلال الأسبوع الماضي تحركا دبلوماسيا مكثفا، شمل جولتين من المحادثات في طهران وجولة أخرى في الدوحة، إلى جانب اتصالات مع مسؤولين إيرانيين في أرمينيا، وفق المسؤولين الذين تحدثوا إلى الصحيفة.
وتحاول قطر، بالتنسيق مع باكستان، تقريب وجهات النظر بين الطرفين، من خلال نقل المقترحات والرسائل المتبادلة، خصوصا أن الخلافات لا تتعلق بالبرنامج النووي وحده، وإنما تشمل أيضاً الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، والعقوبات الاقتصادية، وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.
وكانت المفاوضات التي جرت خلال الأيام الماضية قد شهدت مغادرة الوفد الإيراني الدوحة الأحد الماضي، دون الإعلان عن تحقيق اختراق نهائي، فيما تحدثت مصادر مطلعة عن استمرار تداول مسودة اتفاق وإمكانية عقد جولة جديدة من الاتصالات.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن أساس المحادثات يتمثل في الخطة الإيرانية ذات البنود السبعة التي قدمتها طهران في سبتمبر الماضي، والتي يمكن اختصار مراحل تنفيذها إلى يومين، من دون تغيير جوهر المطالب الإيرانية.
وتتضمن الخطة، وفق التصريحات الإيرانية، إنهاء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط، وإلغاء العقوبات الجديدة، على أن تعود المفاوضات النووية إلى جدول الأعمال في مرحلة لاحقة.
فانس يدخل على خط المفاوضات
ومن أبرز التطورات التي رافقت هذا الحراك، دخول نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بصورة مباشرة على خط الاتصالات مع طهران، في محاولة لإعادة إطلاق المفاوضات السياسية.
وكان فانس قد أرسل رسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، عبر وسطاء قطريين، اقترح فيها استئناف محادثات سلام شاملة بين البلدين، تشمل البرنامج النووي الإيراني.
ووفق ما أوردته "نيويورك تايمز" في تقرير سابق، فقد وصلت الرسالة إلى رضائي في 25 أكتوبر الماضي، وتضمنت استعداد فانس لرئاسة الوفد الأمريكي في مفاوضات مباشرة مع إيران.
ويمثل هذا التحرك تطوراً لافتاً بالنظر إلى موقف فانس السابق من الحرب، إذ كان من أبرز الشخصيات داخل الدائرة المقربة من الرئيس دونالد ترامب التي أبدت تحفظات على خيار المواجهة العسكرية الواسعة، محذراً من تداعياتها على استقرار المنطقة وكلفة العمليات العسكرية.
وفي تصريحات أدلى بها الاثنين، أعرب فانس عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى تسوية تفاوضية، قائلاً إن تقدماً تحقق مع الجانب الإيراني، وإنه والرئيس ترامب يشعران بتفاؤل إزاء فرص التوصل إلى اتفاق، رغم احتفاظ واشنطن بخيارات عسكرية وغير عسكرية.
لكن التطور الأبرز جاء بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت الثلاثاء، وأسفرت عن انتكاسة انتخابية كبيرة للجمهوريين وفوز الديمقراطيين بالسيطرة على الكونغرس.
فقد حمّل فانس، في منشور مطول، الحرب الإيرانية مسؤولية الهزيمة الانتخابية لحزبه، قائلاً إن "سبب خسارتنا هو الحرب". كما أقر ترامب بأن الحرب ساهمت في رفع أسعار البنزين، وأثرت في نتائج الانتخابات، لكنه أكد أنه كان سيتخذ القرار نفسه لو أتيحت له الفرصة مجددا.
ويضع هذا الموقف الحرب أمام حسابات سياسية جديدة داخل الإدارة الأمريكية، خصوصاً أن ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات المواجهة الاقتصادية والعسكرية كانا من العوامل التي أثرت في الناخبين الأمريكيين.
تحرك إيراني على جبهات متعددة
وبالتوازي مع الاتصالات الأمريكية الإيرانية، كثفت طهران تحركاتها الدبلوماسية باتجاه العواصم الإقليمية، في محاولة لتوسيع دائرة الوساطة والحصول على دعم سياسي يمنع تجدد المواجهة.
وأجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع نظرائه في الكويت وتركيا والسعودية وقطر والأردن وسلطنة عمان وباكستان، تناولت آخر التطورات الإقليمية والمبادرات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التوتر.
وأفادت وزارة الخارجية التركية بأن عراقجي بحث مع نظيره هاكان فيدان تطورات المفاوضات بين طهران وواشنطن، فيما تركزت الاتصالات الأخرى على سبل الحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومتابعة جهود الوساطة.
وتأتي هذه الاتصالات في أعقاب اجتماعات إقليمية رفيعة المستوى استضافتها طهران، وشارك فيها ممثلون عن تركيا وباكستان والسعودية، في إطار البحث عن تسوية سياسية للأزمة وتنسيق المواقف بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
وفي تحرك مواز، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، الخميس، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، الذي حمل رسالة من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي إلى الرئيس الروسي.
وأكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقد اللقاء، من دون الكشف عن تفاصيل الرسالة أو كامل الملفات التي تناولتها المحادثات.
وقال رضائي، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، إنه استعرض مع بوتين التطورات الإقليمية ونتائج الاجتماعات التي عقدتها طهران مع تركيا وباكستان والسعودية، كما بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون الثنائي وآليات التنسيق الأمني والسياسي.
ويكتسب اللقاء أهمية إضافية في ظل العلاقات الاستراتيجية بين موسكو وطهران، ومساعي الأخيرة إلى الاستفادة من علاقاتها الدولية لتوسيع هامش تحركها في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
الحرب الاقتصادية تضغط على طهران
وفي مقابل التحركات الدبلوماسية، تواصل القيادة الإيرانية التأكيد على قدرتها على مواجهة الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تتعرض لها البلاد.
وقال الرئيس الإيراني إن بلاده تواجه حربا اقتصادية شاملة، متهماً الطرف المقابل بإغلاق الطرق البحرية والجوية والعمل على تقييد الطرق البرية بهدف خلق مزيد من المشكلات أمام الاقتصاد الإيراني.
وأضاف أن إيران صمدت أمام هذه الضغوط وتمكنت من معالجة عدد كبير من المشكلات، في إشارة إلى استمرار سياسة طهران القائمة على رفض تقديم تنازلات تحت الضغط العسكري والاقتصادي.
ويظل الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية والعقوبات المفروضة على صادرات النفط من أبرز الملفات التي تعرقل التوصل إلى تسوية، خصوصا أن طهران تعتبر إنهاء هذه الإجراءات شرطاً أساسيا لأي تفاهم جديد.
كما يمثل مضيق هرمز نقطة خلاف رئيسية، بالنظر إلى أهميته الاستراتيجية لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، بعدما أدى إغلاقه والقيود المفروضة على الملاحة فيه إلى اضطرابات واسعة في أسواق النفط والنقل البحري.
وفي أحدث مؤشر على استمرار المخاطر الأمنية، أعلنت تقارير عن تعرض ثلاث ناقلات أخرى لأضرار في مضيق هرمز الخميس، فيما تحدثت وكالة "رويترز" عن تسجيل حوادث طالت خمس سفن على الأقل منذ الأحد الماضي، وفق بيانات مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني.
وقالت الحرس الثوري الإيراني إن ناقلتين اصطدمتا بألغام بحرية، فيما اشتعلت النيران في ناقلة ثالثة، في وقت تتواصل فيه المخاوف بشأن سلامة الملاحة البحرية في المنطقة.
التهديد العسكري لم يغادر الحسابات
ورغم تكثف الاتصالات السياسية، لا تزال احتمالات عودة العمليات العسكرية قائمة، خصوصا بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي كانت أحد العوامل التي دفعت إدارة ترامب إلى تأجيل أي هجوم واسع خلال الفترة السابقة.
وكانت تقارير أمريكية وإسرائيلية قد تحدثت في أكتوبر الماضي عن إعداد خطط مشتركة لشن ضربات جديدة على إيران، تشمل منشآت الطاقة والمواقع النووية ومخازن الصواريخ والطائرات المسيرة، مع تكثيف التدريبات العسكرية والاستعداد لعملية قصيرة ومكثفة.
كما أفادت تقارير بأن رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ضغط باتجاه استئناف الضربات خلال اتصالاته مع ترامب، بينما لم يقدم الأخير التزاماً نهائياً بتنفيذ عملية عسكرية جديدة.
وبعد الهزيمة الانتخابية للجمهوريين، تواجه الإدارة الأمريكية حسابات متناقضة. فمن جهة، يمكن أن تدفع الخسائر السياسية والاقتصادية ترامب إلى البحث عن مخرج تفاوضي للحرب، ومن جهة أخرى قد يؤدي تراجع القيود الانتخابية إلى زيادة هامش تحركه العسكري.
وفي هذا السياق، نقلت "رويترز" عن مصادر مطلعة أن بعض المسؤولين في المنطقة لا يستبعدون صدور قرار أمريكي باستئناف الضربات، معتبرين أن انتهاء الانتخابات قد يزيل أحد العوامل التي كانت تدفع واشنطن إلى ضبط توقيت التصعيد.
كما أن إصرار طهران على شروطها المتعلقة بمضيق هرمز والعقوبات والحصار البحري، مقابل تمسك واشنطن بمطالبها بشأن البرنامج النووي، يجعل الطريق إلى اتفاق شامل محفوفاً بالخلافات.
وبينما تحاول قطر وباكستان وتركيا وروسيا إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، تواصل الولايات المتحدة وإيران تبادل الرسائل وسط استمرار الحوادث البحرية والتهديدات العسكرية.
وبذلك،وتجد حرب إيران نفسها أمام مسارين متوازيين، بيو مفاوضات تتسع دوائرها وتبحث عن صيغة لإنهاء المواجهة، واستعدادات عسكرية لا تزال قائمة، بما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الدبلوماسية ستتمكن من احتواء التصعيد أم أن المنطقة ستدخل جولة جديدة من الحرب.
تتسارع التحركات الدبلوماسية الرامية إلى منع تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على اقتراب مرحلة جديدة من التصعيد، بالتزامن مع استمرار التهديدات الأمريكية والإسرائيلية بإمكانية استهداف منشآت إيرانية حيوية، تشمل البنية التحتية للطاقة ومواقع ذات أهمية اقتصادية وعسكرية.
وفي أحدث تطورات هذا الحراك، كشف مسؤول إيراني رفيع لوكالة "رويترز"، الخميس، أن طهران أرسلت مقترحاً نوويا إلى الولايات المتحدة عبر قطر، لكنه شدد على أن بلاده لن تناقش الملف النووي قبل استجابة واشنطن لمطالب إيرانية من سبعة بنود. ولم يكشف المسؤول عن تفاصيل هذه المطالب أو مضمون المقترح، مشيرا إلى أن الجانب الأمريكي يراجع الوثيقة.
ويأتي هذا التطور بعد أسابيع من التعثر في الاتصالات بين الجانبين، وفي ظل محاولات إقليمية لإعادة إطلاق مسار التفاوض، بعدما تحولت المواجهة العسكرية إلى حالة من الجمود المشحون، لم تنهها التفاهمات السابقة، ولم تبدد احتمالات استئناف الضربات.
وتعكس هذه الاتصالات انتقال الجهود الدبلوماسية إلى مرحلة أكثر حساسية، إذ لم يعد التفاوض مقتصرا على مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل بات مرتبطا بترتيبات أوسع تشمل وقف الحرب، ورفع القيود الاقتصادية والعسكرية، وإعادة فتح الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
مقترحات جديدة ورسائل عبر قطر
وبحسب ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن إيران بدأت مراجعة مجموعة من المقترحات التي قدمها الوسطاء، والتي يمكن أن ترسم ملامح مستقبل برنامجها النووي، في تطور وصفه مسؤولون مطلعون على المفاوضات بأنه قد يفتح نافذة جديدة أمام الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أن استعداد طهران للعودة إلى مناقشة الملف النووي، بعد أسابيع من رفض تقديم تنازلات، يعكس تقدماً في جهود الوساطة التي تقودها قطر لتجنب العودة إلى مواجهة عسكرية واسعة.
وقادت الدوحة خلال الأسبوع الماضي تحركا دبلوماسيا مكثفا، شمل جولتين من المحادثات في طهران وجولة أخرى في الدوحة، إلى جانب اتصالات مع مسؤولين إيرانيين في أرمينيا، وفق المسؤولين الذين تحدثوا إلى الصحيفة.
وتحاول قطر، بالتنسيق مع باكستان، تقريب وجهات النظر بين الطرفين، من خلال نقل المقترحات والرسائل المتبادلة، خصوصا أن الخلافات لا تتعلق بالبرنامج النووي وحده، وإنما تشمل أيضاً الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية، والعقوبات الاقتصادية، وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.
وكانت المفاوضات التي جرت خلال الأيام الماضية قد شهدت مغادرة الوفد الإيراني الدوحة الأحد الماضي، دون الإعلان عن تحقيق اختراق نهائي، فيما تحدثت مصادر مطلعة عن استمرار تداول مسودة اتفاق وإمكانية عقد جولة جديدة من الاتصالات.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن أساس المحادثات يتمثل في الخطة الإيرانية ذات البنود السبعة التي قدمتها طهران في سبتمبر الماضي، والتي يمكن اختصار مراحل تنفيذها إلى يومين، من دون تغيير جوهر المطالب الإيرانية.
وتتضمن الخطة، وفق التصريحات الإيرانية، إنهاء الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط، وإلغاء العقوبات الجديدة، على أن تعود المفاوضات النووية إلى جدول الأعمال في مرحلة لاحقة.
فانس يدخل على خط المفاوضات
ومن أبرز التطورات التي رافقت هذا الحراك، دخول نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بصورة مباشرة على خط الاتصالات مع طهران، في محاولة لإعادة إطلاق المفاوضات السياسية.
وكان فانس قد أرسل رسالة إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، عبر وسطاء قطريين، اقترح فيها استئناف محادثات سلام شاملة بين البلدين، تشمل البرنامج النووي الإيراني.
ووفق ما أوردته "نيويورك تايمز" في تقرير سابق، فقد وصلت الرسالة إلى رضائي في 25 أكتوبر الماضي، وتضمنت استعداد فانس لرئاسة الوفد الأمريكي في مفاوضات مباشرة مع إيران.
ويمثل هذا التحرك تطوراً لافتاً بالنظر إلى موقف فانس السابق من الحرب، إذ كان من أبرز الشخصيات داخل الدائرة المقربة من الرئيس دونالد ترامب التي أبدت تحفظات على خيار المواجهة العسكرية الواسعة، محذراً من تداعياتها على استقرار المنطقة وكلفة العمليات العسكرية.
وفي تصريحات أدلى بها الاثنين، أعرب فانس عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى تسوية تفاوضية، قائلاً إن تقدماً تحقق مع الجانب الإيراني، وإنه والرئيس ترامب يشعران بتفاؤل إزاء فرص التوصل إلى اتفاق، رغم احتفاظ واشنطن بخيارات عسكرية وغير عسكرية.
لكن التطور الأبرز جاء بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي جرت الثلاثاء، وأسفرت عن انتكاسة انتخابية كبيرة للجمهوريين وفوز الديمقراطيين بالسيطرة على الكونغرس.
فقد حمّل فانس، في منشور مطول، الحرب الإيرانية مسؤولية الهزيمة الانتخابية لحزبه، قائلاً إن "سبب خسارتنا هو الحرب". كما أقر ترامب بأن الحرب ساهمت في رفع أسعار البنزين، وأثرت في نتائج الانتخابات، لكنه أكد أنه كان سيتخذ القرار نفسه لو أتيحت له الفرصة مجددا.
ويضع هذا الموقف الحرب أمام حسابات سياسية جديدة داخل الإدارة الأمريكية، خصوصاً أن ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات المواجهة الاقتصادية والعسكرية كانا من العوامل التي أثرت في الناخبين الأمريكيين.
تحرك إيراني على جبهات متعددة
وبالتوازي مع الاتصالات الأمريكية الإيرانية، كثفت طهران تحركاتها الدبلوماسية باتجاه العواصم الإقليمية، في محاولة لتوسيع دائرة الوساطة والحصول على دعم سياسي يمنع تجدد المواجهة.
وأجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالات هاتفية منفصلة مع نظرائه في الكويت وتركيا والسعودية وقطر والأردن وسلطنة عمان وباكستان، تناولت آخر التطورات الإقليمية والمبادرات الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التوتر.
وأفادت وزارة الخارجية التركية بأن عراقجي بحث مع نظيره هاكان فيدان تطورات المفاوضات بين طهران وواشنطن، فيما تركزت الاتصالات الأخرى على سبل الحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومتابعة جهود الوساطة.
وتأتي هذه الاتصالات في أعقاب اجتماعات إقليمية رفيعة المستوى استضافتها طهران، وشارك فيها ممثلون عن تركيا وباكستان والسعودية، في إطار البحث عن تسوية سياسية للأزمة وتنسيق المواقف بشأن مستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
وفي تحرك مواز، استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، الخميس، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، الذي حمل رسالة من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي إلى الرئيس الروسي.
وأكد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقد اللقاء، من دون الكشف عن تفاصيل الرسالة أو كامل الملفات التي تناولتها المحادثات.
وقال رضائي، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، إنه استعرض مع بوتين التطورات الإقليمية ونتائج الاجتماعات التي عقدتها طهران مع تركيا وباكستان والسعودية، كما بحث الجانبان سبل تعزيز التعاون الثنائي وآليات التنسيق الأمني والسياسي.
ويكتسب اللقاء أهمية إضافية في ظل العلاقات الاستراتيجية بين موسكو وطهران، ومساعي الأخيرة إلى الاستفادة من علاقاتها الدولية لتوسيع هامش تحركها في مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية.
الحرب الاقتصادية تضغط على طهران
وفي مقابل التحركات الدبلوماسية، تواصل القيادة الإيرانية التأكيد على قدرتها على مواجهة الضغوط الاقتصادية والعسكرية التي تتعرض لها البلاد.
وقال الرئيس الإيراني إن بلاده تواجه حربا اقتصادية شاملة، متهماً الطرف المقابل بإغلاق الطرق البحرية والجوية والعمل على تقييد الطرق البرية بهدف خلق مزيد من المشكلات أمام الاقتصاد الإيراني.
وأضاف أن إيران صمدت أمام هذه الضغوط وتمكنت من معالجة عدد كبير من المشكلات، في إشارة إلى استمرار سياسة طهران القائمة على رفض تقديم تنازلات تحت الضغط العسكري والاقتصادي.
ويظل الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية والعقوبات المفروضة على صادرات النفط من أبرز الملفات التي تعرقل التوصل إلى تسوية، خصوصا أن طهران تعتبر إنهاء هذه الإجراءات شرطاً أساسيا لأي تفاهم جديد.
كما يمثل مضيق هرمز نقطة خلاف رئيسية، بالنظر إلى أهميته الاستراتيجية لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، بعدما أدى إغلاقه والقيود المفروضة على الملاحة فيه إلى اضطرابات واسعة في أسواق النفط والنقل البحري.
وفي أحدث مؤشر على استمرار المخاطر الأمنية، أعلنت تقارير عن تعرض ثلاث ناقلات أخرى لأضرار في مضيق هرمز الخميس، فيما تحدثت وكالة "رويترز" عن تسجيل حوادث طالت خمس سفن على الأقل منذ الأحد الماضي، وفق بيانات مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني.
وقالت الحرس الثوري الإيراني إن ناقلتين اصطدمتا بألغام بحرية، فيما اشتعلت النيران في ناقلة ثالثة، في وقت تتواصل فيه المخاوف بشأن سلامة الملاحة البحرية في المنطقة.
التهديد العسكري لم يغادر الحسابات
ورغم تكثف الاتصالات السياسية، لا تزال احتمالات عودة العمليات العسكرية قائمة، خصوصا بعد انتهاء انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي كانت أحد العوامل التي دفعت إدارة ترامب إلى تأجيل أي هجوم واسع خلال الفترة السابقة.
وكانت تقارير أمريكية وإسرائيلية قد تحدثت في أكتوبر الماضي عن إعداد خطط مشتركة لشن ضربات جديدة على إيران، تشمل منشآت الطاقة والمواقع النووية ومخازن الصواريخ والطائرات المسيرة، مع تكثيف التدريبات العسكرية والاستعداد لعملية قصيرة ومكثفة.
كما أفادت تقارير بأن رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ضغط باتجاه استئناف الضربات خلال اتصالاته مع ترامب، بينما لم يقدم الأخير التزاماً نهائياً بتنفيذ عملية عسكرية جديدة.
وبعد الهزيمة الانتخابية للجمهوريين، تواجه الإدارة الأمريكية حسابات متناقضة. فمن جهة، يمكن أن تدفع الخسائر السياسية والاقتصادية ترامب إلى البحث عن مخرج تفاوضي للحرب، ومن جهة أخرى قد يؤدي تراجع القيود الانتخابية إلى زيادة هامش تحركه العسكري.
وفي هذا السياق، نقلت "رويترز" عن مصادر مطلعة أن بعض المسؤولين في المنطقة لا يستبعدون صدور قرار أمريكي باستئناف الضربات، معتبرين أن انتهاء الانتخابات قد يزيل أحد العوامل التي كانت تدفع واشنطن إلى ضبط توقيت التصعيد.
كما أن إصرار طهران على شروطها المتعلقة بمضيق هرمز والعقوبات والحصار البحري، مقابل تمسك واشنطن بمطالبها بشأن البرنامج النووي، يجعل الطريق إلى اتفاق شامل محفوفاً بالخلافات.
وبينما تحاول قطر وباكستان وتركيا وروسيا إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، تواصل الولايات المتحدة وإيران تبادل الرسائل وسط استمرار الحوادث البحرية والتهديدات العسكرية.
وبذلك،وتجد حرب إيران نفسها أمام مسارين متوازيين، بيو مفاوضات تتسع دوائرها وتبحث عن صيغة لإنهاء المواجهة، واستعدادات عسكرية لا تزال قائمة، بما يجعل الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت الدبلوماسية ستتمكن من احتواء التصعيد أم أن المنطقة ستدخل جولة جديدة من الحرب.