إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ترامب يتوجه لضرب إيران.. 60 يوما من "الهروب إلى الأمام"

* هل يصبح هيغسيث كبش فداء هزيمة الانتخابات؟ 
 
تضع نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية الرئيس دونالد ترامب أمام معادلة سياسية وعسكرية معقدة، بعدما انتقلت السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين، في تصويت عكس حجم الاعتراض الشعبي على الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية. لكن الهزيمة الانتخابية لا تعني بالضرورة أن البيت الأبيض سيتجه إلى خفض التصعيد، أو أن ترامب بات مستعدا للتراجع عن خياراته العسكرية في الشرق الأوسط. 
ويستعد الديمقراطيون لاستخدام الأغلبية البرلمانية الجديدة لمراقبة الإدارة وتقييد الإنفاق العسكري، في وقت لايزال الرئيس يحتفظ بسلطات واسعة في إدارة العمليات الخارجية، فضلا عن ستين يوما تفصله عن انتقال الكونغرس الجديد إلى ممارسة مهامه. 
وفي هذا الفراغ الزمني، تبرز مفارقة لافتة، إذ بدلا من أن تدفع الخسارة الانتخابية ترامب إلى مراجعة حساباته بشأن الحرب التي ساهمت في إضعاف حزبه، قد تتحول إلى حافز إضافي لإظهار القوة واستعادة زمام المبادرة، خصوصا إذا اعتبر أن التراجع أمام طهران سيكرّس صورة رئيس فقد السيطرة على أجندته الداخلية والخارجية. 
وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف من أن تتحول الأسابيع المقبلة إلى مرحلة تصعيد جديدة، عنوانها محاولة انتزاع مكسب عسكري قبل أن يصبح الكونغرس الديمقراطي قادرا على تضييق هامش المناورة أمام الإدارة. 
واللافت أن تداعيات الهزيمة لم تتوقف عند مستقبل الحرب، بل امتدت إلى داخل الإدارة نفسها، حيث بات وزير الحرب بيت هيغسيث في دائرة التساؤلات بشأن استمراره في منصبه، باعتباره أحد أبرز المدافعين عن المواجهة مع إيران. وبين دعم ترامب العلني له، والتسريبات التي تتحدث عن احتمال التضحية به لتحميله جانبا من المسؤولية السياسية، تبدو واشنطن أمام معركة مزدوجة: معركة على مستقبل الحرب، وأخرى على المسؤوليات داخل الإدارة التي اتخذت قرار خوضها. 
 
60 يوما تفصل ترامب عن الكونغرس الجديد 
تكتسب مهلة الستين يوما أهمية استثنائية في حسابات البيت الأبيض، إذ لن يتسلم الكونغرس المنتخب حديثا مهامه قبل الثالث من جانفي 2027، وهو ما يترك لترامب فترة انتقالية يستطيع خلالها مواصلة إدارة الحرب بالاستناد إلى الأغلبية الجمهورية الحالية، قبل أن يجد نفسه أمام أغلبية ديمقراطية في مجلسي النواب والشيوخ. 
ولا تعني هذه المهلة أن الرئيس يمتلك تفويضا مفتوحا لشن حرب جديدة دون قيود، لكنها تمنحه مساحة زمنية وسياسية أوسع للتحرك قبل انتقال مراكز النفوذ التشريعي والرقابي إلى خصومه.
 ويمنح الدستور الأمريكي الرئيس صلاحيات واسعة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، في حين يحتفظ الكونغرس بسلطة إعلان الحرب وإقرار الاعتمادات المالية ومراقبة أداء المؤسسة العسكرية. 
وفي هذا السياق، أفادت شبكة "فوكس نيوز" أن البيت الأبيض يدرس بجدية استئناف الضربات العسكرية ضد إيران، رغم انتهاء الهجمات الأمريكية المكثفة وبقاء التوترات مع طهران دون تسوية. ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة أن هذا الاحتمال قد يكون أحد العوامل التي تؤجل حسم مصير هيغسيث، إذ إن تغيير قيادة البنتاغون في وقت تدرس فيه الإدارة عمليات عسكرية جديدة قد يخلق حالة من الارتباك داخل المؤسسة العسكرية. 
وتكشف هذه المعطيات أن خيار التصعيد لم يعد مجرد ورقة ضغط تفاوضية، بل بات مطروحا داخل حسابات الإدارة الأمريكية في مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الانتخابية. ويجد ترامب، الذي لم يحقق الحسم الذي وعد به في بداية الحرب، نفسه أمام تحدي استعادة الردع الأمريكي وإظهار أن خسارة حزبه في الانتخابات لا تعني تراجعه عن أهدافه الخارجية. 
لكن أي ضربة جديدة لإيران لن تكون عملية عسكرية معزولة عن سياقها الإقليمي والدولي. 
ولاتزال طهران تحتفظ بقدرات صاروخية وأدوات ردع إقليمية، كما أن أي مواجهة جديدة قد تعيد تهديد الملاحة في مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية إلى الواجهة، وتضع المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة أمام مخاطر التصعيد المتبادل. 
ومن هذه الزاوية، فإن العودة إلى القصف قد تمنح ترامب فرصة لإظهار القوة، لكنها لا تضمن تحقيق نتيجة استراتيجية مختلفة عن الجولة السابقة. فالمعضلة التي واجهتها الإدارة منذ بداية الحرب لا تتعلق فقط بالقدرة على توجيه ضربات عسكرية مؤثرة، وإنما بتحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية تضمن تحقيق الأهداف المعلنة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. 
أطروحة "الرئاستين" والهروب إلى الأمام 
وتعيد التطورات الحالية إلى الواجهة ما يعرف في العلوم السياسية بـ"أطروحة الرئاستين"، التي صاغها أستاذ العلوم السياسية الأمريكي آرون ويلدافسكي عام 1966، ومفادها أن الرئيس الأمريكي يمارس عمليا وظيفتين مختلفتين، وهما رئيسا داخليا يحتاج إلى دعم الكونغرس لتمرير القوانين والميزانيات، ورئيسا خارجيا يمتلك هامشا أوسع للتحرك في السياسة الخارجية وإدارة القوات المسلحة. 
وتفسر هذه المعادلة كيف يمكن لترامب أن يخسر السيطرة على المؤسستين التشريعيتين، دون أن يفقد فورا قدرته على اتخاذ قرارات عسكرية. كما تفسر لماذا قد لا تتحول نتائج الانتخابات بالضرورة إلى وقف فوري للحرب، رغم أن التصويت حمل رسالة سياسية واضحة بشأن كلفتها. 
وتقدم التجربة الأمريكية السابقة مثالا مهما على ذلك، ففي انتخابات التجديد النصفي لعام 2006، خسر الجمهوريون السيطرة على الكونغرس على خلفية تراجع التأييد الشعبي لحرب العراق، لكن الرئيس الأسبق جورج بوش الابن لم يتجه مباشرة إلى تقليص الوجود العسكري، بل أعلن في جانفي 2007 استراتيجية زيادة القوات الأمريكية في العراق، المعروفة بـ"الاندفاع" أو "الصحوة العسكرية". 
ولم يعلن بوش إقالة وزير دفاعه دونالد رامسفيلد إلا في اليوم التالي للانتخابات، في خطوة عكست حجم الضغط السياسي الذي فرضته النتائج على إدارته. وتستحضر المقارنة اليوم معضلة مشابهة بالنسبة إلى ترامب، الذي يواجه احتمال خسارة النفوذ التشريعي في العامين الأخيرين من ولايته، وما يرافق ذلك من تراجع قدرته على تمرير أجندته الداخلية. 
وفي عذا الصدد، يبرز مفهوم "الهروب إلى الأمام"، أي محاولة تعويض الانكفاء الداخلي بتشديد الحضور الخارجي، أو استخدام التصعيد العسكري لإعادة فرض صورة القيادة القوية. ولا يعني ذلك أن قرار ترامب بضرب إيران قد اتخذ بالفعل، لكنه يفسر لماذا يظل الخيار العسكري مطروحا رغم الرسالة الانتخابية التي حملتها صناديق الاقتراع. 
الديمقراطيون وسلاح الميزانية 
في المقابل، لا تبدو الأغلبية الديمقراطية الجديدة بلا أوراق ضغط. فإلى جانب سلطة الرقابة والاستجواب والتحقيق، يملك الكونغرس سلاحا بالغ الأهمية يتمثل في التحكم في الاعتمادات المالية المخصصة لوزارة الحرب والعمليات العسكرية. 
وقد بدأ بعض المشرعين الديمقراطيين بالفعل الترويج لوقف تمويل العمليات الإضافية ضد إيران، مستحضرين تجربة حرب فيتنام، عندما استخدم الكونغرس القيود المالية للضغط من أجل إنهاء التدخل العسكري الأمريكي في جنوب شرق آسيا. 
وفي هذا الإطار، دعا النائب الديمقراطي رو خانا إلى وقف تمويل أي عمليات عسكرية إضافية في إيران، معتبرا أن الكونغرس يستطيع استخدام صلاحياته المالية لمنع الإدارة من مواصلة الحرب. 
وتكمن أهمية هذا السلاح في أنه لا يحتاج بالضرورة إلى مواجهة مباشرة مع الرئيس بشأن صلاحياته العسكرية، بل يمكن أن يتحول إلى معركة حول الموازنة الدفاعية والاعتمادات المخصصة للعمليات الخارجية. كما أن تمرير قوانين الإنفاق قد يضع ترامب أمام معادلة صعبة، خصوصا إذا تضمنت شروطا تحد من استخدام الأموال في عمليات عسكرية جديدة. 
وتنتظر الإدارة اختبارا مبكرا في ديسمبر المقبل، مع استحقاقات التمويل الحكومي ومفاوضات قانون الدفاع السنوي، قبل أن تتسع المواجهة مع بداية عمل الكونغرس الجديد. وتزداد أهمية هذا الصدام مع مطالبة ترامب برفع ميزانية البنتاغون إلى 1.5 تريليون دولار، أي بزيادة كبيرة عن مستويات الإنفاق السابقة. 
غير أن قدرة الديمقراطيين على فرض قيود نهائية ستظل مرتبطة بحجم التوافق داخل المجلسين، وبموقف الجمهوريين الذين سيجدون أنفسهم أمام اختبار سياسي بين دعم الرئيس والاستجابة للضغوط الشعبية الرافضة لاستمرار الحرب. كما أن أي تشريع يصطدم بفيتو رئاسي يحتاج إلى أغلبية الثلثين في المجلسين لتجاوزه. 
هيغسيث.. كبش فداء أم ضحية الصراع داخل الإدارة؟ 
على جبهة أخرى، تبدو معركة مستقبل بيت هيغسيث انعكاسا مباشرا للتداعيات السياسية للحرب الإيرانية داخل إدارة ترامب. وبات وزير الحرب، الذي كان من أبرز الأصوات الداعمة للعمليات العسكرية ضد طهران، في موقع دفاعي، وسط تسريبات تتحدث عن احتمال تحميله جزءا من مسؤولية الإخفاق الانتخابي للجمهوريين. 
ونقلت "فوكس نيوز" عن مسؤول في البيت الأبيض أن نتائج الانتخابات كانت ستبدو مختلفة تماما لولا الحرب على إيران، فيما وصف مسؤول سابق وضع هيغسيث بأنه أصبح "في مهب الريح". كما أشارت الشبكة إلى أن وزير الخزانة سكوت بيسنت أصبح شخصية محورية في إدارة الملف الإيراني، بعد انتقال جانب مهم من المواجهة إلى سلاح العقوبات الاقتصادية، من خلال حملة "المنبوذ الاقتصادي". 
وتكشف هذه التسريبات عن احتمال إعادة توزيع المسؤوليات داخل الإدارة، خصوصا أن هيغسيث ارتبط اسمه بالدفاع عن الخيار العسكري وتقديمه باعتباره الطريق إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وكان ترامب نفسه قد أشار في مارس الماضي إلى أن وزير الحرب كان من أوائل المسؤولين الذين شجعوه على شن الحرب. 
ومع ذلك، سارع الرئيس الأمريكي إلى قطع الطريق أمام التكهنات بإقالته، مؤكدا أن هيغسيث "يقوم بعمل جيد للغاية"، في موقف يتناقض مع التسريبات التي تتحدث عن احتمال استبعاده. لكن هذا الدعم العلني لا ينهي بالضرورة الجدل بشأن مستقبله، خاصة أن ترامب سبق أن أبدى مرونة كبيرة في تغيير مواقف المسؤولين المحيطين به. 
ولا تتعلق الضغوط على هيغسيث بالحرب وحدها، فقد واجه انتقادات داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي بسبب خلافاته مع أعضاء الكونغرس، وإقالة عدد من كبار المسؤولين العسكريين، فضلا عن الجدل الذي أثاره مقترحه بث تنفيذ حكم الإعدام بحق نضال حسن، المدان بقتل 13 شخصا وإصابة 32 آخرين في قاعدة فورت هود عام 2009. واضطر ترامب إلى التراجع عن فكرة البث المباشر، مع الإبقاء على قرار تنفيذ الإعدام.
كما يواجه الوزير احتمال المساءلة، بعدما قدم النائب الجمهوري توماس ماسي مذكرة لعزله، متهما إياه بإساءة استخدام منصبه عبر إطلاق عمليات عسكرية ضد إيران دون موافقة الكونغرس. وفي الوقت نفسه، توعد الديمقراطيون بفتح تحقيقات واسعة في إدارة البنتاغون، تشمل قرارات الحرب والتغييرات في القيادة العسكرية والسياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا. 
أما السيناتور الجمهوري توم تيليس، فقد ألمح إلى أن مستقبل هيغسيث سيخضع للمراجعة، مشيرا إلى أن علاقته المتوترة مع المشرعين قد تعرقل جهود الإدارة للحصول على موافقة الكونغرس على ميزانية دفاعية ضخمة. 
ومن بين السيناريوهات المطروحة أيضا انتقال هيغسيث إلى مجلس الشيوخ، لشغل المقعد الذي ستتركه السيناتور مارشا بلاكبيرن بعد انتخابها حاكمة لولاية تينيسي. وقد أبدى ترامب انفتاحا على الفكرة، معتبرا أن الوزير قد يحظى بشعبية في الولاية، رغم تأكيده أنه لم يسمع بمقترح رسمي في هذا الاتجاه. 
فانس يعارض الحرب..
ولعل التطور الأكثر دلالة في المشهد الأمريكي يتمثل في الموقف الذي أعلنه نائب الرئيس جي دي فانس، الذي حمّل الحرب على إيران مسؤولية خسارة الجمهوريين الانتخابات، متسائلا عن جدوى المواجهة وكلفتها السياسية والاقتصادية. 
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى موقع فانس داخل الإدارة، وإلى التباينات التي ظهرت بينه وبين ترامب بشأن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. ففي حين يتمسك الرئيس بالدفاع عن قراره العسكري، يرى نائبه أن الحرب استنزفت الحزب سياسيا، وأن تداعياتها الاقتصادية ساهمت في توجيه الناخبين نحو الديمقراطيين. 
وبحسب وكالة "أسوشيتد برس"، أقر ترامب بأن الحرب أثرت في نتائج الانتخابات، خصوصا من خلال ارتفاع أسعار الوقود، لكنه أكد في المقابل أنه اتخذ القرار الصحيح وأنه كان سيكرره. ويكشف هذا التباين عن انقسام داخل الإدارة بشأن كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة بين أن تكون الأولوية لاستعادة الاستقرار الداخلي، أو مواصلة الضغط العسكري على إيران.
وتبدو المسألة أبعد من خلاف حول تكتيكات الحرب، إذ تتصل بمستقبل العلاقة بين واشنطن وحلفائها، وبمدى استعداد الإدارة لتحمل كلفة المواجهة في الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية لإعادة توجيه الموارد نحو الاقتصاد الأمريكي. 
وبينما يستعد الديمقراطيون لاستلام زمام المبادرة في الكونغرس مطلع العام المقبل، يجد ترامب نفسه أمام نافذة زمنية محدودة لمواصلة سياسته الإيرانية قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من المواجهة التشريعية والرقابية. 
ولا تعني هزيمة الجمهوريين أن الحرب على إيران ستتوقف، كما لا يعني طرح الضربات الجديدة أن قرارا نهائيا قد اتخذ في البيت الأبيض. لكن المؤكد أن واشنطن دخلت مرحلة تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع معركة النفوذ داخل المؤسسات الأمريكية. ويسعى ترامب لتفادي صورة "البطة العرجاء" التي تلاحق الرؤساء بعد خسارة أغلبيتهم البرلمانية، بينما يسعى الديمقراطيون إلى تحويل انتصارهم الانتخابي إلى قيود فعلية على سياساته. 
ترامب يتوجه لضرب إيران.. 60 يوما من "الهروب إلى الأمام"
* هل يصبح هيغسيث كبش فداء هزيمة الانتخابات؟ 
 
تضع نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية الرئيس دونالد ترامب أمام معادلة سياسية وعسكرية معقدة، بعدما انتقلت السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين، في تصويت عكس حجم الاعتراض الشعبي على الحرب مع إيران وتداعياتها الاقتصادية. لكن الهزيمة الانتخابية لا تعني بالضرورة أن البيت الأبيض سيتجه إلى خفض التصعيد، أو أن ترامب بات مستعدا للتراجع عن خياراته العسكرية في الشرق الأوسط. 
ويستعد الديمقراطيون لاستخدام الأغلبية البرلمانية الجديدة لمراقبة الإدارة وتقييد الإنفاق العسكري، في وقت لايزال الرئيس يحتفظ بسلطات واسعة في إدارة العمليات الخارجية، فضلا عن ستين يوما تفصله عن انتقال الكونغرس الجديد إلى ممارسة مهامه. 
وفي هذا الفراغ الزمني، تبرز مفارقة لافتة، إذ بدلا من أن تدفع الخسارة الانتخابية ترامب إلى مراجعة حساباته بشأن الحرب التي ساهمت في إضعاف حزبه، قد تتحول إلى حافز إضافي لإظهار القوة واستعادة زمام المبادرة، خصوصا إذا اعتبر أن التراجع أمام طهران سيكرّس صورة رئيس فقد السيطرة على أجندته الداخلية والخارجية. 
وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف من أن تتحول الأسابيع المقبلة إلى مرحلة تصعيد جديدة، عنوانها محاولة انتزاع مكسب عسكري قبل أن يصبح الكونغرس الديمقراطي قادرا على تضييق هامش المناورة أمام الإدارة. 
واللافت أن تداعيات الهزيمة لم تتوقف عند مستقبل الحرب، بل امتدت إلى داخل الإدارة نفسها، حيث بات وزير الحرب بيت هيغسيث في دائرة التساؤلات بشأن استمراره في منصبه، باعتباره أحد أبرز المدافعين عن المواجهة مع إيران. وبين دعم ترامب العلني له، والتسريبات التي تتحدث عن احتمال التضحية به لتحميله جانبا من المسؤولية السياسية، تبدو واشنطن أمام معركة مزدوجة: معركة على مستقبل الحرب، وأخرى على المسؤوليات داخل الإدارة التي اتخذت قرار خوضها. 
 
60 يوما تفصل ترامب عن الكونغرس الجديد 
تكتسب مهلة الستين يوما أهمية استثنائية في حسابات البيت الأبيض، إذ لن يتسلم الكونغرس المنتخب حديثا مهامه قبل الثالث من جانفي 2027، وهو ما يترك لترامب فترة انتقالية يستطيع خلالها مواصلة إدارة الحرب بالاستناد إلى الأغلبية الجمهورية الحالية، قبل أن يجد نفسه أمام أغلبية ديمقراطية في مجلسي النواب والشيوخ. 
ولا تعني هذه المهلة أن الرئيس يمتلك تفويضا مفتوحا لشن حرب جديدة دون قيود، لكنها تمنحه مساحة زمنية وسياسية أوسع للتحرك قبل انتقال مراكز النفوذ التشريعي والرقابي إلى خصومه.
 ويمنح الدستور الأمريكي الرئيس صلاحيات واسعة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، في حين يحتفظ الكونغرس بسلطة إعلان الحرب وإقرار الاعتمادات المالية ومراقبة أداء المؤسسة العسكرية. 
وفي هذا السياق، أفادت شبكة "فوكس نيوز" أن البيت الأبيض يدرس بجدية استئناف الضربات العسكرية ضد إيران، رغم انتهاء الهجمات الأمريكية المكثفة وبقاء التوترات مع طهران دون تسوية. ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة أن هذا الاحتمال قد يكون أحد العوامل التي تؤجل حسم مصير هيغسيث، إذ إن تغيير قيادة البنتاغون في وقت تدرس فيه الإدارة عمليات عسكرية جديدة قد يخلق حالة من الارتباك داخل المؤسسة العسكرية. 
وتكشف هذه المعطيات أن خيار التصعيد لم يعد مجرد ورقة ضغط تفاوضية، بل بات مطروحا داخل حسابات الإدارة الأمريكية في مرحلة تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الحسابات الانتخابية. ويجد ترامب، الذي لم يحقق الحسم الذي وعد به في بداية الحرب، نفسه أمام تحدي استعادة الردع الأمريكي وإظهار أن خسارة حزبه في الانتخابات لا تعني تراجعه عن أهدافه الخارجية. 
لكن أي ضربة جديدة لإيران لن تكون عملية عسكرية معزولة عن سياقها الإقليمي والدولي. 
ولاتزال طهران تحتفظ بقدرات صاروخية وأدوات ردع إقليمية، كما أن أي مواجهة جديدة قد تعيد تهديد الملاحة في مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية إلى الواجهة، وتضع المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن في المنطقة أمام مخاطر التصعيد المتبادل. 
ومن هذه الزاوية، فإن العودة إلى القصف قد تمنح ترامب فرصة لإظهار القوة، لكنها لا تضمن تحقيق نتيجة استراتيجية مختلفة عن الجولة السابقة. فالمعضلة التي واجهتها الإدارة منذ بداية الحرب لا تتعلق فقط بالقدرة على توجيه ضربات عسكرية مؤثرة، وإنما بتحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية تضمن تحقيق الأهداف المعلنة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. 
أطروحة "الرئاستين" والهروب إلى الأمام 
وتعيد التطورات الحالية إلى الواجهة ما يعرف في العلوم السياسية بـ"أطروحة الرئاستين"، التي صاغها أستاذ العلوم السياسية الأمريكي آرون ويلدافسكي عام 1966، ومفادها أن الرئيس الأمريكي يمارس عمليا وظيفتين مختلفتين، وهما رئيسا داخليا يحتاج إلى دعم الكونغرس لتمرير القوانين والميزانيات، ورئيسا خارجيا يمتلك هامشا أوسع للتحرك في السياسة الخارجية وإدارة القوات المسلحة. 
وتفسر هذه المعادلة كيف يمكن لترامب أن يخسر السيطرة على المؤسستين التشريعيتين، دون أن يفقد فورا قدرته على اتخاذ قرارات عسكرية. كما تفسر لماذا قد لا تتحول نتائج الانتخابات بالضرورة إلى وقف فوري للحرب، رغم أن التصويت حمل رسالة سياسية واضحة بشأن كلفتها. 
وتقدم التجربة الأمريكية السابقة مثالا مهما على ذلك، ففي انتخابات التجديد النصفي لعام 2006، خسر الجمهوريون السيطرة على الكونغرس على خلفية تراجع التأييد الشعبي لحرب العراق، لكن الرئيس الأسبق جورج بوش الابن لم يتجه مباشرة إلى تقليص الوجود العسكري، بل أعلن في جانفي 2007 استراتيجية زيادة القوات الأمريكية في العراق، المعروفة بـ"الاندفاع" أو "الصحوة العسكرية". 
ولم يعلن بوش إقالة وزير دفاعه دونالد رامسفيلد إلا في اليوم التالي للانتخابات، في خطوة عكست حجم الضغط السياسي الذي فرضته النتائج على إدارته. وتستحضر المقارنة اليوم معضلة مشابهة بالنسبة إلى ترامب، الذي يواجه احتمال خسارة النفوذ التشريعي في العامين الأخيرين من ولايته، وما يرافق ذلك من تراجع قدرته على تمرير أجندته الداخلية. 
وفي عذا الصدد، يبرز مفهوم "الهروب إلى الأمام"، أي محاولة تعويض الانكفاء الداخلي بتشديد الحضور الخارجي، أو استخدام التصعيد العسكري لإعادة فرض صورة القيادة القوية. ولا يعني ذلك أن قرار ترامب بضرب إيران قد اتخذ بالفعل، لكنه يفسر لماذا يظل الخيار العسكري مطروحا رغم الرسالة الانتخابية التي حملتها صناديق الاقتراع. 
الديمقراطيون وسلاح الميزانية 
في المقابل، لا تبدو الأغلبية الديمقراطية الجديدة بلا أوراق ضغط. فإلى جانب سلطة الرقابة والاستجواب والتحقيق، يملك الكونغرس سلاحا بالغ الأهمية يتمثل في التحكم في الاعتمادات المالية المخصصة لوزارة الحرب والعمليات العسكرية. 
وقد بدأ بعض المشرعين الديمقراطيين بالفعل الترويج لوقف تمويل العمليات الإضافية ضد إيران، مستحضرين تجربة حرب فيتنام، عندما استخدم الكونغرس القيود المالية للضغط من أجل إنهاء التدخل العسكري الأمريكي في جنوب شرق آسيا. 
وفي هذا الإطار، دعا النائب الديمقراطي رو خانا إلى وقف تمويل أي عمليات عسكرية إضافية في إيران، معتبرا أن الكونغرس يستطيع استخدام صلاحياته المالية لمنع الإدارة من مواصلة الحرب. 
وتكمن أهمية هذا السلاح في أنه لا يحتاج بالضرورة إلى مواجهة مباشرة مع الرئيس بشأن صلاحياته العسكرية، بل يمكن أن يتحول إلى معركة حول الموازنة الدفاعية والاعتمادات المخصصة للعمليات الخارجية. كما أن تمرير قوانين الإنفاق قد يضع ترامب أمام معادلة صعبة، خصوصا إذا تضمنت شروطا تحد من استخدام الأموال في عمليات عسكرية جديدة. 
وتنتظر الإدارة اختبارا مبكرا في ديسمبر المقبل، مع استحقاقات التمويل الحكومي ومفاوضات قانون الدفاع السنوي، قبل أن تتسع المواجهة مع بداية عمل الكونغرس الجديد. وتزداد أهمية هذا الصدام مع مطالبة ترامب برفع ميزانية البنتاغون إلى 1.5 تريليون دولار، أي بزيادة كبيرة عن مستويات الإنفاق السابقة. 
غير أن قدرة الديمقراطيين على فرض قيود نهائية ستظل مرتبطة بحجم التوافق داخل المجلسين، وبموقف الجمهوريين الذين سيجدون أنفسهم أمام اختبار سياسي بين دعم الرئيس والاستجابة للضغوط الشعبية الرافضة لاستمرار الحرب. كما أن أي تشريع يصطدم بفيتو رئاسي يحتاج إلى أغلبية الثلثين في المجلسين لتجاوزه. 
هيغسيث.. كبش فداء أم ضحية الصراع داخل الإدارة؟ 
على جبهة أخرى، تبدو معركة مستقبل بيت هيغسيث انعكاسا مباشرا للتداعيات السياسية للحرب الإيرانية داخل إدارة ترامب. وبات وزير الحرب، الذي كان من أبرز الأصوات الداعمة للعمليات العسكرية ضد طهران، في موقع دفاعي، وسط تسريبات تتحدث عن احتمال تحميله جزءا من مسؤولية الإخفاق الانتخابي للجمهوريين. 
ونقلت "فوكس نيوز" عن مسؤول في البيت الأبيض أن نتائج الانتخابات كانت ستبدو مختلفة تماما لولا الحرب على إيران، فيما وصف مسؤول سابق وضع هيغسيث بأنه أصبح "في مهب الريح". كما أشارت الشبكة إلى أن وزير الخزانة سكوت بيسنت أصبح شخصية محورية في إدارة الملف الإيراني، بعد انتقال جانب مهم من المواجهة إلى سلاح العقوبات الاقتصادية، من خلال حملة "المنبوذ الاقتصادي". 
وتكشف هذه التسريبات عن احتمال إعادة توزيع المسؤوليات داخل الإدارة، خصوصا أن هيغسيث ارتبط اسمه بالدفاع عن الخيار العسكري وتقديمه باعتباره الطريق إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وكان ترامب نفسه قد أشار في مارس الماضي إلى أن وزير الحرب كان من أوائل المسؤولين الذين شجعوه على شن الحرب. 
ومع ذلك، سارع الرئيس الأمريكي إلى قطع الطريق أمام التكهنات بإقالته، مؤكدا أن هيغسيث "يقوم بعمل جيد للغاية"، في موقف يتناقض مع التسريبات التي تتحدث عن احتمال استبعاده. لكن هذا الدعم العلني لا ينهي بالضرورة الجدل بشأن مستقبله، خاصة أن ترامب سبق أن أبدى مرونة كبيرة في تغيير مواقف المسؤولين المحيطين به. 
ولا تتعلق الضغوط على هيغسيث بالحرب وحدها، فقد واجه انتقادات داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي بسبب خلافاته مع أعضاء الكونغرس، وإقالة عدد من كبار المسؤولين العسكريين، فضلا عن الجدل الذي أثاره مقترحه بث تنفيذ حكم الإعدام بحق نضال حسن، المدان بقتل 13 شخصا وإصابة 32 آخرين في قاعدة فورت هود عام 2009. واضطر ترامب إلى التراجع عن فكرة البث المباشر، مع الإبقاء على قرار تنفيذ الإعدام.
كما يواجه الوزير احتمال المساءلة، بعدما قدم النائب الجمهوري توماس ماسي مذكرة لعزله، متهما إياه بإساءة استخدام منصبه عبر إطلاق عمليات عسكرية ضد إيران دون موافقة الكونغرس. وفي الوقت نفسه، توعد الديمقراطيون بفتح تحقيقات واسعة في إدارة البنتاغون، تشمل قرارات الحرب والتغييرات في القيادة العسكرية والسياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا. 
أما السيناتور الجمهوري توم تيليس، فقد ألمح إلى أن مستقبل هيغسيث سيخضع للمراجعة، مشيرا إلى أن علاقته المتوترة مع المشرعين قد تعرقل جهود الإدارة للحصول على موافقة الكونغرس على ميزانية دفاعية ضخمة. 
ومن بين السيناريوهات المطروحة أيضا انتقال هيغسيث إلى مجلس الشيوخ، لشغل المقعد الذي ستتركه السيناتور مارشا بلاكبيرن بعد انتخابها حاكمة لولاية تينيسي. وقد أبدى ترامب انفتاحا على الفكرة، معتبرا أن الوزير قد يحظى بشعبية في الولاية، رغم تأكيده أنه لم يسمع بمقترح رسمي في هذا الاتجاه. 
فانس يعارض الحرب..
ولعل التطور الأكثر دلالة في المشهد الأمريكي يتمثل في الموقف الذي أعلنه نائب الرئيس جي دي فانس، الذي حمّل الحرب على إيران مسؤولية خسارة الجمهوريين الانتخابات، متسائلا عن جدوى المواجهة وكلفتها السياسية والاقتصادية. 
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى موقع فانس داخل الإدارة، وإلى التباينات التي ظهرت بينه وبين ترامب بشأن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية. ففي حين يتمسك الرئيس بالدفاع عن قراره العسكري، يرى نائبه أن الحرب استنزفت الحزب سياسيا، وأن تداعياتها الاقتصادية ساهمت في توجيه الناخبين نحو الديمقراطيين. 
وبحسب وكالة "أسوشيتد برس"، أقر ترامب بأن الحرب أثرت في نتائج الانتخابات، خصوصا من خلال ارتفاع أسعار الوقود، لكنه أكد في المقابل أنه اتخذ القرار الصحيح وأنه كان سيكرره. ويكشف هذا التباين عن انقسام داخل الإدارة بشأن كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة بين أن تكون الأولوية لاستعادة الاستقرار الداخلي، أو مواصلة الضغط العسكري على إيران.
وتبدو المسألة أبعد من خلاف حول تكتيكات الحرب، إذ تتصل بمستقبل العلاقة بين واشنطن وحلفائها، وبمدى استعداد الإدارة لتحمل كلفة المواجهة في الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية لإعادة توجيه الموارد نحو الاقتصاد الأمريكي. 
وبينما يستعد الديمقراطيون لاستلام زمام المبادرة في الكونغرس مطلع العام المقبل، يجد ترامب نفسه أمام نافذة زمنية محدودة لمواصلة سياسته الإيرانية قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من المواجهة التشريعية والرقابية. 
ولا تعني هزيمة الجمهوريين أن الحرب على إيران ستتوقف، كما لا يعني طرح الضربات الجديدة أن قرارا نهائيا قد اتخذ في البيت الأبيض. لكن المؤكد أن واشنطن دخلت مرحلة تتشابك فيها الحسابات العسكرية مع معركة النفوذ داخل المؤسسات الأمريكية. ويسعى ترامب لتفادي صورة "البطة العرجاء" التي تلاحق الرؤساء بعد خسارة أغلبيتهم البرلمانية، بينما يسعى الديمقراطيون إلى تحويل انتصارهم الانتخابي إلى قيود فعلية على سياساته.