إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بعد هزيمة الجمهوريين.. حكومة ترامب تنقسم على نفسها

*الديمقراطيون يسيطرون على مجلسي الكونغرس ويستعدون لمحاصرة أجندة الرئيس.. وفانس يحمل حرب إيران وتل أبيب مسؤولية الهزيمة 

 

شكلت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية زلزالا سياسيا أعاد خلط الأوراق داخل واشنطن، ووضع الرئيس دونالد ترامب أمام واقع تشريعي وسياسي مختلف تماما خلال العامين الأخيرين من ولايته. 

وبعد أن خاض الانتخابات باعتبارها استفتاء على قيادته وسياساته، وجد نفسه أمام موجة ديمقراطية غير مسبوقة في عدد من معاقل الجمهوريين التقليدية، انتهت بانتزاع المعارضة السيطرة على مجلسي الكونغرس، وفتحت الباب أمام مرحلة من المواجهة المباشرة مع البيت الأبيض. 

واللافت في هذه الهزيمة أنها لم تقتصر على خسارة المقاعد والنفوذ التشريعي، وإنما امتدت إلى داخل المعسكر الجمهوري نفسه، حيث بدأت الخلافات بشأن أسباب النكسة السياسية تطفو إلى السطح، خصوصا بعد تحميل نائب الرئيس جيه دي فانس الحرب على إيران مسؤولية تراجع شعبية الحزب، في موقف كشف عن تباينات داخل الإدارة بشأن كلفة الخيارات العسكرية للرئيس وتداعياتها السياسية. وبذلك، بات ترامب يواجه خصما ديمقراطيا استعاد ثقته، وأضحى يواجه تساؤلات متزايدة داخل حزبه بشأن جدوى رهاناته السياسية والعسكرية، ومستقبل القيادة الجمهورية بعد انتهاء ولايته. 

انقلاب في موازين القوى 

وأظهرت النتائج الأولية لانتخابات الثلاثاء الثالث من نوفمبر الجاري حجم التحول الذي عرفته الخريطة السياسية الأمريكية، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، في ضربة انتخابية قاسية للجمهوريين الذين كانوا يملكون الأغلبية في المجلسين. ووفق النتائج التي أعلنتها وسائل الإعلام الأمريكية، حصل الديمقراطيون على 54 مقعدا مقابل 44 للجمهوريين في مجلس الشيوخ، مع بقاء سباقين دون حسم نهائي، كما ضمنوا أغلبية مجلس النواب بعد انتزاع أكثر من 24 مقعدا كان يشغلها الجمهوريون. 

وتكتسب هذه النتيجة أهمية استثنائية بالنظر إلى طبيعة الانتخابات النصفية التي تجري عادة في منتصف الولاية الرئاسية، وتتحول في كثير من الأحيان إلى اختبار لشعبية الرئيس ومدى رضا الناخبين عن أدائه. لكن ما حدث هذه المرة تجاوز التراجع التقليدي الذي يتعرض له حزب الرئيس، إذ امتدت الخسائر الجمهورية إلى ولايات ظلت لعقود بعيدة عن متناول الديمقراطيين، بل إن بعضها كان قد منح ترامب انتصارات مريحة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2024. 

في تكساس، التي تعد من أبرز معاقل المحافظين، نجح الديمقراطي جيمس تالاريكو في انتزاع مقعد مجلس الشيوخ من الجمهوري كين باكستون، محققا عودة تاريخية للديمقراطيين إلى هذا السباق بعد غياب دام 38 عاما. وفي ساوث كارولاينا، تمكنت الديمقراطية آني أندروز من هزيمة المرشحة الجمهورية دارلين غراهام، في ولاية لم ينجح الديمقراطيون في الفوز بمقعدها في مجلس الشيوخ خلال القرن الحالي. كما انتزع الديمقراطيون مقاعد في أوهايو وكانساس ونورث كارولاينا وأيوا، في نتائج عكست اتساع رقعة الرفض الشعبي للخيارات الجمهورية.

ولم تتوقف الموجة عند الكونغرس، بل امتدت إلى انتخابات حكام الولايات، حيث خسرت تكساس حاكمها الجمهوري غريغ أبوت لصالح الديمقراطية جينا هينوجوسا، التي ستصبح أول امرأة من أصول لاتينية تتولى هذا المنصب في الولاية. كما حققت الديمقراطية كيشا لانس بوتومز فوزا تاريخيا في جورجيا، لتصبح أول امرأة سوداء تنتخب حاكمة لولاية أمريكية، في حين شهدت فلوريدا انتخاب الجمهوري بايرون دونالدز، ليصبح أول حاكم جمهوري أسود في تاريخ الولايات المتحدة. 

وتشير هذه النتائج إلى أن الديمقراطيين حققوا انتصاراتهم في الولايات المتأرجحة ، كما تمكنوا من اختراق قواعد انتخابية جمهورية ظلت متماسكة خلال السنوات الماضية، مستفيدين من تراجع التأييد لترامب بين الشباب والناخبين من أصول لاتينية، فضلا عن استقطاب جزء من المستقلين الذين شكلوا عاملا حاسما في توسيع الفارق الانتخابي. 

حرب إيران تشعل الخلافات 

وإذا كانت الخسارة الانتخابية قد وضعت الجمهوريين أمام ضرورة مراجعة حساباتهم، فإن الخلاف بشأن أسبابها كشف عن بداية تصدع داخل الدائرة المحيطة بترامب. فقد كان الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة والفساد الحكومي من أبرز القضايا التي هيمنت على اهتمامات الناخبين، غير أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تحولت بدورها إلى عامل ثقيل في الحسابات الانتخابية، بعدما انعكست تداعياتها على أسعار الطاقة والسلع وعلى المزاج العام للناخب الأمريكي. 

وفي موقف لافت، لم يتردد نائب الرئيس جيه دي فانس في تحميل الحرب مسؤولية الهزيمة الجمهورية، معتبرا أن سبب الخسارة واضح، وأن الانخراط في الحرب كان العامل الحاسم في تراجع الحزب. وذهب فانس، الذي ينظر إليه باعتباره أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة ترامب في انتخابات 2028، إلى أن الحرب كانت الثمن الذي دفعه الجمهوريون لخسارة السيطرة على الكونغرس، في إشارة بدت أقرب إلى مراجعة علنية للقرار العسكري الذي اتخذه الرئيس. 

ويكتسب موقف فانس أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه داخل الإدارة، وإلى أنه كان من الشخصيات التي أبدت تحفظات على الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة مع إيران. 

ويعكس إلقاء المسؤولية على الحرب خلافا أعمق بشأن أولويات السياسة الأمريكية وحدود استخدام القوة العسكرية ومدى استعداد الناخبين لتحمل تبعات الحروب الخارجية في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية. 

في المقابل، أقر ترامب بأن الحرب ساهمت في خسارة حزبه، لكنه لم يبد استعدادا للتراجع عن خياراته، مؤكدا أن العملية العسكرية كانت تستحق كلفتها، ومشددا على أنه لا يعتبر النتائج هزيمة شخصية له. 

كما حاول تحويل جانب من المسؤولية إلى مرشحي الحزب الذين لم يتمكنوا، بحسب تقديره، من استقطاب الناخبين، في محاولة لتجنب تحميل إدارته وحدها تبعات النكسة. 

وحسب هذه التصريحات، تبدو الخلافات داخل المعسكر الجمهوري مرشحة للتصاعد، خصوصا أن فانس يتحدث بصفته نائبا للرئيس وباعتباره سياسيا ينظر إلى مرحلة ما بعد ترامب، ويحتاج إلى إعادة تموضع داخل الحزب استعدادا للاستحقاق الرئاسي المقبل. ومن ثم، فإن تحميل الحرب مسؤولية الهزيمة قد يكون بداية معركة سياسية مبكرة حول إرث ترامب وحدود الالتزام بسياساته، ومن يتحمل مسؤولية تراجع الحزب في صناديق الاقتراع.  

ترامب أمام كونغرس معاد

وعلى المستوى المؤسساتي، تفتح السيطرة الديمقراطية على مجلسي الكونغرس مرحلة جديدة من المواجهة مع البيت الأبيض، إذ سيجد ترامب نفسه مضطرا إلى التعامل مع أغلبية معارضة تستطيع تعطيل جزء مهم من برنامجه التشريعي، وفرض رقابة أكثر صرامة على أداء إدارته، فضلا عن فتح تحقيقات بشأن عدد من الملفات المرتبطة بالرئيس وعائلته ومقربيه. 

وقد أعلن زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز أن حزبه سيعمل على محاسبة المسؤولين عن الفساد والتجاوزات، مؤكدا أن الناخبين ربطوا بين تدهور أوضاعهم المعيشية والسياسات التي انتهجتها الإدارة خلال العامين الماضيين. 

كما تعهد الديمقراطيون بجعل خفض تكاليف المعيشة ومراقبة أداء السلطة التنفيذية في صدارة أولوياتهم، مع التلويح بإعادة فتح ملفات تتعلق بإدارة ترامب ومصالح عائلته المالية وبعض المسؤولين في إدارته، ومن بينهم وزير الدفاع بيت هيغسيث. 

ولا تقتصر خطورة التحول على مجلس النواب، إذ إن انتقال مجلس الشيوخ إلى السيطرة الديمقراطية يمنح المعارضة نفوذا واسعا في المصادقة على التعيينات الرئاسية، بما فيها المناصب العليا والقضاة الفيدراليون، فضلا عن قدرتها على عرقلة بعض التوجهات السياسية للرئيس. كما يمكن أن تتحول جلسات الاستماع والتحقيقات البرلمانية إلى منصة يومية لمساءلة الإدارة وكشف الخلافات داخلها. 

لكن هذا التحول لا يعني أن الديمقراطيين أصبحوا قادرين على فرض أجندتهم كاملة، فترامب لا يزال يحتفظ بصلاحيات الرئاسة، وفي مقدمتها حق النقض "الفيتو" ضد التشريعات التي لا تحظى بموافقته. وقد سارع إلى التذكير بهذه الصلاحية من خلال نشر صورة لقبعة حمراء تحمل كلمة "فيتو" بدلا من شعاره الانتخابي المعروف "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"، في رسالة واضحة إلى خصومه مفادها أن السيطرة على الكونغرس لا تعني امتلاك القرار التنفيذي. 

وتبدو الولايات المتحدة بذلك مقبلة على عامين من التجاذب بين سلطتين سياسيتين متعارضتين، في ظل احتمال تعطل مشاريع القوانين والميزانيات وتزايد المواجهات بشأن الإنفاق العام والهجرة والسياسة الخارجية. 

وقد تتحول ملفات تمويل الحكومة الفيدرالية إلى إحدى ساحات الاشتباك الأولى، بما يعيد إلى الواجهة خطر الإغلاق الحكومي نتيجة عدم التوصل إلى تسويات بين البيت الأبيض والكونغرس. 

معركة خلافة ترامب تبدأ مبكرا 

غير أن التداعيات الأعمق لهذه الانتخابات قد لا تظهر فقط في علاقة الرئيس بالكونغرس، وإنما داخل الحزب الجمهوري نفسه، الذي يجد نفسه أمام سؤال سياسي مؤجل لم يعد من الممكن تجاهله ويتعلق بمرحلة ما بعد ترامب.

ولم يعد الرئيس، الذي أحكم قبضته على الحزب الجمهوري طوال العقد الماضي ونجح في إعادة تشكيل هويته السياسية وبرنامجه الانتخابي، قادرا على الترشح لولاية رئاسية ثالثة بموجب الدستور الأمريكي. 

ولذلك فإن انتخابات 2026 قد تتحول إلى نقطة انطلاق فعلية للصراع على خلافته، خصوصا إذا تواصل تراجع شعبيته وتزايدت الانتقادات الموجهة إلى إدارته. 

وفي هذا السياق، يكتسب موقف فانس أهمية إضافية، إذ إن تحميله الحرب على إيران مسؤولية الخسارة يضعه في موقع مختلف نسبيا عن الرئيس، ويسمح له بتقديم نفسه باعتباره صوتا داخل الإدارة يدرك حدود الخيارات العسكرية وتكلفتها السياسية. لكن هذا التمايز لا يعني بالضرورة خروجه من معسكر ترامب، بل قد يكون محاولة لإعادة رسم صورته السياسية استعدادا لمرحلة ما بعد الرئيس. 

كما أن خسارة عدد من المرشحين الذين حظوا بدعم مباشر من ترامب، ومن بينهم مرشحو الحزب في تكساس وساوث كارولاينا ونورث كارولاينا، أعادت إثارة التساؤلات بشأن مدى استمرار قدرة الرئيس على فرض اختياراته داخل الحزب، خصوصا عندما تتعارض تلك الاختيارات مع حسابات القيادات المحلية وفرص الفوز الانتخابي. 

وفي المقابل، يجد الديمقراطيون أنفسهم أمام فرصة سياسية مهمة لإعادة بناء صورتهم باعتبارهم قوة قادرة على الحكم، وليس مجرد معارضة لترامب. 

وتمنح استعادة مجلسي الكونغرس الديمقراطيين أدوات واسعة لمراقبة الإدارة، لكنها تضعهم أيضا أمام مسؤولية الاستجابة لتطلعات الناخبين الذين صوتوا لهم احتجاجا على ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية والفساد. 

وبالتالي، تكشف نتائج الانتخابات عن تحول يتجاوز مجرد تغيير الأغلبية البرلمانية، ليعكس أزمة أعمق في التحالف الانتخابي الذي أوصل ترامب إلى البيت الأبيض في 2024. 

الرئيس الذي دعا أنصاره إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها تصويتا على شخصه وسياساته، حصل عمليا على إجابة سلبية من قطاعات واسعة من الناخبين، حتى في الولايات التي كانت تعد من أكثر قواعده الانتخابية صلابة. 

وبينما يستعد الديمقراطيون لاستثمار انتصارهم في محاصرة أجندة ترامب، يواجه الجمهوريون اختبارا مزدوجا يتمثل في إدارة المواجهة مع الكونغرس الجديد، وتسوية خلافاتهم الداخلية بشأن أسباب الهزيمة ومستقبل الحزب. 

وقد تكون الحرب على إيران أول الملفات التي تكشف حجم هذا الانقسام، لكنها لن تكون بالضرورة آخرها، في وقت تبدو فيه واشنطن مقبلة على عامين من الشلل التشريعي والصراع السياسي، وعلى بداية مبكرة لمعركة الرئاسة المقبلة.

 

 

 

 بعد هزيمة الجمهوريين.. حكومة ترامب تنقسم على نفسها

*الديمقراطيون يسيطرون على مجلسي الكونغرس ويستعدون لمحاصرة أجندة الرئيس.. وفانس يحمل حرب إيران وتل أبيب مسؤولية الهزيمة 

 

شكلت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية زلزالا سياسيا أعاد خلط الأوراق داخل واشنطن، ووضع الرئيس دونالد ترامب أمام واقع تشريعي وسياسي مختلف تماما خلال العامين الأخيرين من ولايته. 

وبعد أن خاض الانتخابات باعتبارها استفتاء على قيادته وسياساته، وجد نفسه أمام موجة ديمقراطية غير مسبوقة في عدد من معاقل الجمهوريين التقليدية، انتهت بانتزاع المعارضة السيطرة على مجلسي الكونغرس، وفتحت الباب أمام مرحلة من المواجهة المباشرة مع البيت الأبيض. 

واللافت في هذه الهزيمة أنها لم تقتصر على خسارة المقاعد والنفوذ التشريعي، وإنما امتدت إلى داخل المعسكر الجمهوري نفسه، حيث بدأت الخلافات بشأن أسباب النكسة السياسية تطفو إلى السطح، خصوصا بعد تحميل نائب الرئيس جيه دي فانس الحرب على إيران مسؤولية تراجع شعبية الحزب، في موقف كشف عن تباينات داخل الإدارة بشأن كلفة الخيارات العسكرية للرئيس وتداعياتها السياسية. وبذلك، بات ترامب يواجه خصما ديمقراطيا استعاد ثقته، وأضحى يواجه تساؤلات متزايدة داخل حزبه بشأن جدوى رهاناته السياسية والعسكرية، ومستقبل القيادة الجمهورية بعد انتهاء ولايته. 

انقلاب في موازين القوى 

وأظهرت النتائج الأولية لانتخابات الثلاثاء الثالث من نوفمبر الجاري حجم التحول الذي عرفته الخريطة السياسية الأمريكية، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، في ضربة انتخابية قاسية للجمهوريين الذين كانوا يملكون الأغلبية في المجلسين. ووفق النتائج التي أعلنتها وسائل الإعلام الأمريكية، حصل الديمقراطيون على 54 مقعدا مقابل 44 للجمهوريين في مجلس الشيوخ، مع بقاء سباقين دون حسم نهائي، كما ضمنوا أغلبية مجلس النواب بعد انتزاع أكثر من 24 مقعدا كان يشغلها الجمهوريون. 

وتكتسب هذه النتيجة أهمية استثنائية بالنظر إلى طبيعة الانتخابات النصفية التي تجري عادة في منتصف الولاية الرئاسية، وتتحول في كثير من الأحيان إلى اختبار لشعبية الرئيس ومدى رضا الناخبين عن أدائه. لكن ما حدث هذه المرة تجاوز التراجع التقليدي الذي يتعرض له حزب الرئيس، إذ امتدت الخسائر الجمهورية إلى ولايات ظلت لعقود بعيدة عن متناول الديمقراطيين، بل إن بعضها كان قد منح ترامب انتصارات مريحة في الانتخابات الرئاسية لسنة 2024. 

في تكساس، التي تعد من أبرز معاقل المحافظين، نجح الديمقراطي جيمس تالاريكو في انتزاع مقعد مجلس الشيوخ من الجمهوري كين باكستون، محققا عودة تاريخية للديمقراطيين إلى هذا السباق بعد غياب دام 38 عاما. وفي ساوث كارولاينا، تمكنت الديمقراطية آني أندروز من هزيمة المرشحة الجمهورية دارلين غراهام، في ولاية لم ينجح الديمقراطيون في الفوز بمقعدها في مجلس الشيوخ خلال القرن الحالي. كما انتزع الديمقراطيون مقاعد في أوهايو وكانساس ونورث كارولاينا وأيوا، في نتائج عكست اتساع رقعة الرفض الشعبي للخيارات الجمهورية.

ولم تتوقف الموجة عند الكونغرس، بل امتدت إلى انتخابات حكام الولايات، حيث خسرت تكساس حاكمها الجمهوري غريغ أبوت لصالح الديمقراطية جينا هينوجوسا، التي ستصبح أول امرأة من أصول لاتينية تتولى هذا المنصب في الولاية. كما حققت الديمقراطية كيشا لانس بوتومز فوزا تاريخيا في جورجيا، لتصبح أول امرأة سوداء تنتخب حاكمة لولاية أمريكية، في حين شهدت فلوريدا انتخاب الجمهوري بايرون دونالدز، ليصبح أول حاكم جمهوري أسود في تاريخ الولايات المتحدة. 

وتشير هذه النتائج إلى أن الديمقراطيين حققوا انتصاراتهم في الولايات المتأرجحة ، كما تمكنوا من اختراق قواعد انتخابية جمهورية ظلت متماسكة خلال السنوات الماضية، مستفيدين من تراجع التأييد لترامب بين الشباب والناخبين من أصول لاتينية، فضلا عن استقطاب جزء من المستقلين الذين شكلوا عاملا حاسما في توسيع الفارق الانتخابي. 

حرب إيران تشعل الخلافات 

وإذا كانت الخسارة الانتخابية قد وضعت الجمهوريين أمام ضرورة مراجعة حساباتهم، فإن الخلاف بشأن أسبابها كشف عن بداية تصدع داخل الدائرة المحيطة بترامب. فقد كان الاقتصاد وارتفاع تكاليف المعيشة والفساد الحكومي من أبرز القضايا التي هيمنت على اهتمامات الناخبين، غير أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تحولت بدورها إلى عامل ثقيل في الحسابات الانتخابية، بعدما انعكست تداعياتها على أسعار الطاقة والسلع وعلى المزاج العام للناخب الأمريكي. 

وفي موقف لافت، لم يتردد نائب الرئيس جيه دي فانس في تحميل الحرب مسؤولية الهزيمة الجمهورية، معتبرا أن سبب الخسارة واضح، وأن الانخراط في الحرب كان العامل الحاسم في تراجع الحزب. وذهب فانس، الذي ينظر إليه باعتباره أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة ترامب في انتخابات 2028، إلى أن الحرب كانت الثمن الذي دفعه الجمهوريون لخسارة السيطرة على الكونغرس، في إشارة بدت أقرب إلى مراجعة علنية للقرار العسكري الذي اتخذه الرئيس. 

ويكتسب موقف فانس أهمية خاصة بالنظر إلى موقعه داخل الإدارة، وإلى أنه كان من الشخصيات التي أبدت تحفظات على الانخراط في مواجهة عسكرية واسعة مع إيران. 

ويعكس إلقاء المسؤولية على الحرب خلافا أعمق بشأن أولويات السياسة الأمريكية وحدود استخدام القوة العسكرية ومدى استعداد الناخبين لتحمل تبعات الحروب الخارجية في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية. 

في المقابل، أقر ترامب بأن الحرب ساهمت في خسارة حزبه، لكنه لم يبد استعدادا للتراجع عن خياراته، مؤكدا أن العملية العسكرية كانت تستحق كلفتها، ومشددا على أنه لا يعتبر النتائج هزيمة شخصية له. 

كما حاول تحويل جانب من المسؤولية إلى مرشحي الحزب الذين لم يتمكنوا، بحسب تقديره، من استقطاب الناخبين، في محاولة لتجنب تحميل إدارته وحدها تبعات النكسة. 

وحسب هذه التصريحات، تبدو الخلافات داخل المعسكر الجمهوري مرشحة للتصاعد، خصوصا أن فانس يتحدث بصفته نائبا للرئيس وباعتباره سياسيا ينظر إلى مرحلة ما بعد ترامب، ويحتاج إلى إعادة تموضع داخل الحزب استعدادا للاستحقاق الرئاسي المقبل. ومن ثم، فإن تحميل الحرب مسؤولية الهزيمة قد يكون بداية معركة سياسية مبكرة حول إرث ترامب وحدود الالتزام بسياساته، ومن يتحمل مسؤولية تراجع الحزب في صناديق الاقتراع.  

ترامب أمام كونغرس معاد

وعلى المستوى المؤسساتي، تفتح السيطرة الديمقراطية على مجلسي الكونغرس مرحلة جديدة من المواجهة مع البيت الأبيض، إذ سيجد ترامب نفسه مضطرا إلى التعامل مع أغلبية معارضة تستطيع تعطيل جزء مهم من برنامجه التشريعي، وفرض رقابة أكثر صرامة على أداء إدارته، فضلا عن فتح تحقيقات بشأن عدد من الملفات المرتبطة بالرئيس وعائلته ومقربيه. 

وقد أعلن زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز أن حزبه سيعمل على محاسبة المسؤولين عن الفساد والتجاوزات، مؤكدا أن الناخبين ربطوا بين تدهور أوضاعهم المعيشية والسياسات التي انتهجتها الإدارة خلال العامين الماضيين. 

كما تعهد الديمقراطيون بجعل خفض تكاليف المعيشة ومراقبة أداء السلطة التنفيذية في صدارة أولوياتهم، مع التلويح بإعادة فتح ملفات تتعلق بإدارة ترامب ومصالح عائلته المالية وبعض المسؤولين في إدارته، ومن بينهم وزير الدفاع بيت هيغسيث. 

ولا تقتصر خطورة التحول على مجلس النواب، إذ إن انتقال مجلس الشيوخ إلى السيطرة الديمقراطية يمنح المعارضة نفوذا واسعا في المصادقة على التعيينات الرئاسية، بما فيها المناصب العليا والقضاة الفيدراليون، فضلا عن قدرتها على عرقلة بعض التوجهات السياسية للرئيس. كما يمكن أن تتحول جلسات الاستماع والتحقيقات البرلمانية إلى منصة يومية لمساءلة الإدارة وكشف الخلافات داخلها. 

لكن هذا التحول لا يعني أن الديمقراطيين أصبحوا قادرين على فرض أجندتهم كاملة، فترامب لا يزال يحتفظ بصلاحيات الرئاسة، وفي مقدمتها حق النقض "الفيتو" ضد التشريعات التي لا تحظى بموافقته. وقد سارع إلى التذكير بهذه الصلاحية من خلال نشر صورة لقبعة حمراء تحمل كلمة "فيتو" بدلا من شعاره الانتخابي المعروف "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"، في رسالة واضحة إلى خصومه مفادها أن السيطرة على الكونغرس لا تعني امتلاك القرار التنفيذي. 

وتبدو الولايات المتحدة بذلك مقبلة على عامين من التجاذب بين سلطتين سياسيتين متعارضتين، في ظل احتمال تعطل مشاريع القوانين والميزانيات وتزايد المواجهات بشأن الإنفاق العام والهجرة والسياسة الخارجية. 

وقد تتحول ملفات تمويل الحكومة الفيدرالية إلى إحدى ساحات الاشتباك الأولى، بما يعيد إلى الواجهة خطر الإغلاق الحكومي نتيجة عدم التوصل إلى تسويات بين البيت الأبيض والكونغرس. 

معركة خلافة ترامب تبدأ مبكرا 

غير أن التداعيات الأعمق لهذه الانتخابات قد لا تظهر فقط في علاقة الرئيس بالكونغرس، وإنما داخل الحزب الجمهوري نفسه، الذي يجد نفسه أمام سؤال سياسي مؤجل لم يعد من الممكن تجاهله ويتعلق بمرحلة ما بعد ترامب.

ولم يعد الرئيس، الذي أحكم قبضته على الحزب الجمهوري طوال العقد الماضي ونجح في إعادة تشكيل هويته السياسية وبرنامجه الانتخابي، قادرا على الترشح لولاية رئاسية ثالثة بموجب الدستور الأمريكي. 

ولذلك فإن انتخابات 2026 قد تتحول إلى نقطة انطلاق فعلية للصراع على خلافته، خصوصا إذا تواصل تراجع شعبيته وتزايدت الانتقادات الموجهة إلى إدارته. 

وفي هذا السياق، يكتسب موقف فانس أهمية إضافية، إذ إن تحميله الحرب على إيران مسؤولية الخسارة يضعه في موقع مختلف نسبيا عن الرئيس، ويسمح له بتقديم نفسه باعتباره صوتا داخل الإدارة يدرك حدود الخيارات العسكرية وتكلفتها السياسية. لكن هذا التمايز لا يعني بالضرورة خروجه من معسكر ترامب، بل قد يكون محاولة لإعادة رسم صورته السياسية استعدادا لمرحلة ما بعد الرئيس. 

كما أن خسارة عدد من المرشحين الذين حظوا بدعم مباشر من ترامب، ومن بينهم مرشحو الحزب في تكساس وساوث كارولاينا ونورث كارولاينا، أعادت إثارة التساؤلات بشأن مدى استمرار قدرة الرئيس على فرض اختياراته داخل الحزب، خصوصا عندما تتعارض تلك الاختيارات مع حسابات القيادات المحلية وفرص الفوز الانتخابي. 

وفي المقابل، يجد الديمقراطيون أنفسهم أمام فرصة سياسية مهمة لإعادة بناء صورتهم باعتبارهم قوة قادرة على الحكم، وليس مجرد معارضة لترامب. 

وتمنح استعادة مجلسي الكونغرس الديمقراطيين أدوات واسعة لمراقبة الإدارة، لكنها تضعهم أيضا أمام مسؤولية الاستجابة لتطلعات الناخبين الذين صوتوا لهم احتجاجا على ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية والفساد. 

وبالتالي، تكشف نتائج الانتخابات عن تحول يتجاوز مجرد تغيير الأغلبية البرلمانية، ليعكس أزمة أعمق في التحالف الانتخابي الذي أوصل ترامب إلى البيت الأبيض في 2024. 

الرئيس الذي دعا أنصاره إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها تصويتا على شخصه وسياساته، حصل عمليا على إجابة سلبية من قطاعات واسعة من الناخبين، حتى في الولايات التي كانت تعد من أكثر قواعده الانتخابية صلابة. 

وبينما يستعد الديمقراطيون لاستثمار انتصارهم في محاصرة أجندة ترامب، يواجه الجمهوريون اختبارا مزدوجا يتمثل في إدارة المواجهة مع الكونغرس الجديد، وتسوية خلافاتهم الداخلية بشأن أسباب الهزيمة ومستقبل الحزب. 

وقد تكون الحرب على إيران أول الملفات التي تكشف حجم هذا الانقسام، لكنها لن تكون بالضرورة آخرها، في وقت تبدو فيه واشنطن مقبلة على عامين من الشلل التشريعي والصراع السياسي، وعلى بداية مبكرة لمعركة الرئاسة المقبلة.