إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

إيران وأمريكا.. مفاوضات على "حافة الانفجار"

*طهران تتمسك بشروطها السبعة وواشنطن تلوح بالخيار العسكري.. وقطر تكثف جهود الوساطة

 

تتجه المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى مرحلة جديدة من الغموض والتوتر، في ظل اتساع هوة الخلافات بين الطرفين بشأن شروط إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، بالتوازي مع تصاعد التحركات العسكرية والتهديدات المتبادلة، بما يعيد المنطقة إلى أجواء المواجهة المفتوحة، رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية والمساعي الإقليمية الرامية إلى احتواء الأزمة. 

وبينما تؤكد طهران أن واشنطن لم تقدم ردا مقنعا على مطالبها، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التلويح باستخدام القوة، تاركا الباب مفتوحا أمام احتمالات التصعيد أو العودة إلى طاولة التفاوض.

وفي مؤشر جديد على هشاشة المسار الدبلوماسي، قال مسؤول إيراني كبير إن بلاده والولايات المتحدة لا تزالان بعيدتين عن التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، التي اندلعت في فيفري الماضي، رغم تكثيف الوسطاء الإقليميين تحركاتهم لتقريب وجهات النظر. وجاء هذا الموقف بالتزامن مع ضربات أمريكية استهدفت جزيرة قشم الإيرانية خلال الليل، قالت واشنطن إنها عمليات "دفاعية" طالت مواقع لصواريخ أرض-جو تستخدم لاستهداف الأصول الأمريكية.

ورغم تأكيد مسؤولين أمريكيين أن الضربات كانت محدودة ولا تعني استئناف العمليات القتالية واسعة النطاق، فإن توقيتها يحمل دلالات تتجاوز طبيعة الأهداف العسكرية التي طالتها، خصوصا وأن استهداف مواقع إيرانية في محيط مضيق هرمز، في وقت تتواصل فيه المفاوضات غير المباشرة، يعكس استمرار واشنطن في استخدام الضغط العسكري باعتباره أداة موازية للمسار الدبلوماسي، ويبعث برسالة مفادها أن التهدئة لا تعني التخلي عن القدرة على توجيه ضربات جديدة.

وفي هذا السياق، جدد ترامب تهديداته لطهران، قائلا إنه لا يتطلع إلى قتل أعداد كبيرة من الناس، لكنه مستعد للقيام بذلك إذا اقتضت الضرورة. وتكشف هذه التصريحات عن استمرار الرهان الأمريكي على سياسة الجمع بين التفاوض والتهديد، في محاولة لانتزاع تنازلات إيرانية بشأن الملف النووي والملاحة في هرمز، دون تقديم ضمانات واضحة بشأن المطالب الإيرانية المتعلقة بالعقوبات والحصار البحري.

هرمز.. عقدة المفاوضات

ويبدو أن مضيق هرمز بات يمثل العقدة الرئيسية في المفاوضات الجارية، بعدما حولته طهران من ورقة جغرافية واقتصادية إلى أداة استراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية. 

وشدد المسؤول الإيراني الذي تحدث إلى وكالة رويترز اليوم الثلاثاء على أن إعادة فتح المضيق لن تكون ممكنة ما لم تتم الاستجابة لشروط بلاده، وفي مقدمتها رفع العقوبات النفطية وإنهاء الحصار البحري الأمريكي والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.

ولم يقتصر الموقف الإيراني على التصريحات الدبلوماسية، إذ أكد محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن الرد الأمريكي على المطالب الإيرانية لم يكن مقنعا، مشددا على ضرورة تناول الشروط السبعة التي طرحتها طهران بصورة كاملة وصريحة والعمل على تنفيذها. واعتبر أن فتح المضيق مرتبط بالاستجابة لهذه المطالب، بما يعني أن إيران لا تنظر إلى حرية الملاحة باعتبارها مسألة منفصلة عن التسوية السياسية والاقتصادية الشاملة للحرب.

وتكمن صعوبة الموقف في أن الطرفين يتعاملان مع هرمز من منطلقين متعارضين. فبالنسبة إلى واشنطن، يمثل استمرار القيود على الملاحة تحديا مباشرا لحرية التجارة ومصالح حلفائها وأمنها الطاقي والاقتصادي، فيما ترى طهران أن السيطرة على حركة الملاحة تمنحها ورقة ضغط لا يمكن التفريط فيها قبل الحصول على ضمانات ومكاسب ملموسة. 

ومن ثم، فإن الخلاف لم يعد مقتصرا على شروط وقف الحرب، بل امتد إلى طبيعة الترتيبات الأمنية والاقتصادية التي ستسود المنطقة بعد انتهائها.

ويزيد من تعقيد المشهد استمرار الحوادث العسكرية في محيط المضيق، إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني إسقاط طائرة أمريكية مسيرة من طراز "إم كيو-9" وطائرتين مسيرتين من طراز "لوكاس" في الأجواء القريبة من هرمز. كما أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن الكرة باتت في ملعب واشنطن، بعد تقديم طهران ما وصفه بالرد القوي والعقلاني، محذرا من أن أي خطأ في الحسابات الأمريكية سيقابل برد إيراني غير متوقع لا تحده قيود جغرافية.

وتعكس هذه الرسائل انتقال التهديدات الإيرانية إلى مستوى أكثر اتساعا، خصوصا بعد تصريحات رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية علي عبد اللهي بشأن تحديث قوائم الأهداف التي تشمل الأصول الأمريكية والإسرائيلية، والاستعداد للرد الفوري على أي تهديد. كما بدأت وسائل إعلام إيرانية متشددة تتحدث عن إمكانية استهداف منشآت وقواعد أمريكية خارج الشرق الأوسط، في بريطانيا وإيطاليا واليونان ورومانيا وألبانيا وقبرص، إذا تجددت الحرب.

ويحمل هذا التوجه أبعادا استراتيجية مهمة، إذ تسعى طهران إلى إفهام واشنطن أن أي مواجهة جديدة لن تظل محصورة في جغرافية الخليج أو القواعد الأمريكية الموجودة في المنطقة، وأن توسيع نطاق الأهداف المحتملة قد يرفع تكلفة المواجهة ويضع حلفاء الولايات المتحدة أمام تداعيات مباشرة للصراع. غير أن توسيع دائرة التهديدات قد يؤدي في المقابل إلى زيادة مخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية يصعب التحكم في مساراتها.

قطر تتحرك.. والرهان على الدبلوماسية

وفي مواجهة هذه المؤشرات، تكثف قطر تحركاتها الدبلوماسية لتضييق هوة الخلافات ومنع انهيار المفاوضات. فقد زار وفد قطري طهران مساء الاثنين، حاملا مقترحات تتعلق بمسودة اتفاق أمريكي إيراني يجري التفاوض بشأنها منذ ثمانية أيام، قبل أن يعود إلى الدوحة، فيما يواصل الطرفان دراسة المقترحات التي قدمها الوسطاء.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري استمرار الاتصالات، مشيرا إلى وجود عمل إقليمي مشترك لتجنب التصعيد، ومشددا على أن استمرار المفاوضات يعكس وجود فرصة للتوصل إلى اتفاق يمهد الطريق لمحادثات أوسع في المستقبل. كما تحدث مسؤول مطلع على الاتصالات عن انتظار ردود من واشنطن وطهران خلال 36 ساعة، بعد تقديم الوسطاء مقترحا جديدا لدفع العملية التفاوضية.

وتبدو الدوحة مدركة لحساسية المرحلة، خصوصا أن انهيار المسار الدبلوماسي قد يعيد المواجهة إلى نقطة الصفر، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب تلقي بثقلها على أمن الطاقة والملاحة والاستقرار الإقليمي. كما أن اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية يضيف عاملا سياسيا إلى حسابات واشنطن، التي قد تفضل احتواء التصعيد في هذه المرحلة، دون أن يعني ذلك بالضرورة استعداد إدارة ترامب لتقديم تنازلات كبيرة لطهران.

وفي موازاة الوساطة القطرية، تتواصل التحركات الإقليمية لإيجاد ترتيبات أمنية تحول دون تجدد الحرب. وفي هذا الإطار، كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن استمرار المحادثات مع السعودية بهدف التوصل إلى ترتيبات أمنية إقليمية جديدة تستبعد التدخل العسكري الأجنبي. وتأتي هذه التصريحات بعد اجتماع مسؤولين كبار من السعودية وتركيا وباكستان مع مسؤولين إيرانيين في طهران الأسبوع الماضي، في أول تواصل رفيع المستوى بين الأطراف الأربعة منذ أوت الماضي.

وتكتسب هذه الاتصالات أهمية خاصة في ظل اتساع رقعة المواجهة، مع دخول جماعة الحوثي اليمنية على خط التصعيد وشن هجمات على السعودية، بما يهدد بتحويل الحرب إلى أزمة أمنية إقليمية متعددة الجبهات. كما تعكس المحادثات السعودية الإيرانية إدراكا متزايدا لدى القوى الإقليمية بأن استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية لا يهدد طرفيها فقط، بل يضع أمن الخليج والمنشآت النفطية والممرات البحرية أمام مخاطر متزايدة.

اقتصاديا، لم تعد أسواق الطاقة قادرة على تجاهل التطورات المتسارعة في المضيق، إذ ارتفعت أسعار النفط بنحو 1.3 بالمائة عقب تراجعها بأكثر من 7 بالمائة في اليوم السابق، وسط تذبذب رهانات المستثمرين بين احتمالات التوصل إلى اتفاق وعودة العمليات العسكرية. ويكشف هذا التفاعل السريع عن حجم الترابط بين المسار السياسي في المنطقة واستقرار أسواق الطاقة العالمية، خصوصا أن أي اضطراب مستدام في حركة الملاحة عبر هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على الإمدادات والأسعار وسلاسل التجارة الدولية.

وبينما تتمسك طهران بشروطها السبعة وترفض ما تصفه بالمطالب الأمريكية المفرطة، تراهن واشنطن على استمرار الضغط السياسي والعسكري لانتزاع تنازلات في ملفات الخلاف. وفي المقابل، يحاول الوسطاء الإقليميون منع تحول التهديدات إلى مواجهة جديدة، وسط غياب مؤشرات حاسمة على استعداد أي من الطرفين للتراجع عن خطوطه الحمراء.

وبذلك، تبدو مياه مضيق هرمز أكثر سخونة من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب الحضور العسكري والتحركات المتبادلة، بل لأن المضيق تحول إلى نقطة التقاء بين رهانات الحرب وشروط السلام. وبينما تستمر الرسائل الدبلوماسية في الانتقال بين طهران وواشنطن عبر الوسطاء، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، في مشهد تتقدم فيه لغة القوة بالتوازي مع مفاوضات لم تنجح حتى الآن في ردم الهوة بين الطرفين.

إيران وأمريكا.. مفاوضات على "حافة الانفجار"

*طهران تتمسك بشروطها السبعة وواشنطن تلوح بالخيار العسكري.. وقطر تكثف جهود الوساطة

 

تتجه المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى مرحلة جديدة من الغموض والتوتر، في ظل اتساع هوة الخلافات بين الطرفين بشأن شروط إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، بالتوازي مع تصاعد التحركات العسكرية والتهديدات المتبادلة، بما يعيد المنطقة إلى أجواء المواجهة المفتوحة، رغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية والمساعي الإقليمية الرامية إلى احتواء الأزمة. 

وبينما تؤكد طهران أن واشنطن لم تقدم ردا مقنعا على مطالبها، يواصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التلويح باستخدام القوة، تاركا الباب مفتوحا أمام احتمالات التصعيد أو العودة إلى طاولة التفاوض.

وفي مؤشر جديد على هشاشة المسار الدبلوماسي، قال مسؤول إيراني كبير إن بلاده والولايات المتحدة لا تزالان بعيدتين عن التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، التي اندلعت في فيفري الماضي، رغم تكثيف الوسطاء الإقليميين تحركاتهم لتقريب وجهات النظر. وجاء هذا الموقف بالتزامن مع ضربات أمريكية استهدفت جزيرة قشم الإيرانية خلال الليل، قالت واشنطن إنها عمليات "دفاعية" طالت مواقع لصواريخ أرض-جو تستخدم لاستهداف الأصول الأمريكية.

ورغم تأكيد مسؤولين أمريكيين أن الضربات كانت محدودة ولا تعني استئناف العمليات القتالية واسعة النطاق، فإن توقيتها يحمل دلالات تتجاوز طبيعة الأهداف العسكرية التي طالتها، خصوصا وأن استهداف مواقع إيرانية في محيط مضيق هرمز، في وقت تتواصل فيه المفاوضات غير المباشرة، يعكس استمرار واشنطن في استخدام الضغط العسكري باعتباره أداة موازية للمسار الدبلوماسي، ويبعث برسالة مفادها أن التهدئة لا تعني التخلي عن القدرة على توجيه ضربات جديدة.

وفي هذا السياق، جدد ترامب تهديداته لطهران، قائلا إنه لا يتطلع إلى قتل أعداد كبيرة من الناس، لكنه مستعد للقيام بذلك إذا اقتضت الضرورة. وتكشف هذه التصريحات عن استمرار الرهان الأمريكي على سياسة الجمع بين التفاوض والتهديد، في محاولة لانتزاع تنازلات إيرانية بشأن الملف النووي والملاحة في هرمز، دون تقديم ضمانات واضحة بشأن المطالب الإيرانية المتعلقة بالعقوبات والحصار البحري.

هرمز.. عقدة المفاوضات

ويبدو أن مضيق هرمز بات يمثل العقدة الرئيسية في المفاوضات الجارية، بعدما حولته طهران من ورقة جغرافية واقتصادية إلى أداة استراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية. 

وشدد المسؤول الإيراني الذي تحدث إلى وكالة رويترز اليوم الثلاثاء على أن إعادة فتح المضيق لن تكون ممكنة ما لم تتم الاستجابة لشروط بلاده، وفي مقدمتها رفع العقوبات النفطية وإنهاء الحصار البحري الأمريكي والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.

ولم يقتصر الموقف الإيراني على التصريحات الدبلوماسية، إذ أكد محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن الرد الأمريكي على المطالب الإيرانية لم يكن مقنعا، مشددا على ضرورة تناول الشروط السبعة التي طرحتها طهران بصورة كاملة وصريحة والعمل على تنفيذها. واعتبر أن فتح المضيق مرتبط بالاستجابة لهذه المطالب، بما يعني أن إيران لا تنظر إلى حرية الملاحة باعتبارها مسألة منفصلة عن التسوية السياسية والاقتصادية الشاملة للحرب.

وتكمن صعوبة الموقف في أن الطرفين يتعاملان مع هرمز من منطلقين متعارضين. فبالنسبة إلى واشنطن، يمثل استمرار القيود على الملاحة تحديا مباشرا لحرية التجارة ومصالح حلفائها وأمنها الطاقي والاقتصادي، فيما ترى طهران أن السيطرة على حركة الملاحة تمنحها ورقة ضغط لا يمكن التفريط فيها قبل الحصول على ضمانات ومكاسب ملموسة. 

ومن ثم، فإن الخلاف لم يعد مقتصرا على شروط وقف الحرب، بل امتد إلى طبيعة الترتيبات الأمنية والاقتصادية التي ستسود المنطقة بعد انتهائها.

ويزيد من تعقيد المشهد استمرار الحوادث العسكرية في محيط المضيق، إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني إسقاط طائرة أمريكية مسيرة من طراز "إم كيو-9" وطائرتين مسيرتين من طراز "لوكاس" في الأجواء القريبة من هرمز. كما أكد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن الكرة باتت في ملعب واشنطن، بعد تقديم طهران ما وصفه بالرد القوي والعقلاني، محذرا من أن أي خطأ في الحسابات الأمريكية سيقابل برد إيراني غير متوقع لا تحده قيود جغرافية.

وتعكس هذه الرسائل انتقال التهديدات الإيرانية إلى مستوى أكثر اتساعا، خصوصا بعد تصريحات رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية علي عبد اللهي بشأن تحديث قوائم الأهداف التي تشمل الأصول الأمريكية والإسرائيلية، والاستعداد للرد الفوري على أي تهديد. كما بدأت وسائل إعلام إيرانية متشددة تتحدث عن إمكانية استهداف منشآت وقواعد أمريكية خارج الشرق الأوسط، في بريطانيا وإيطاليا واليونان ورومانيا وألبانيا وقبرص، إذا تجددت الحرب.

ويحمل هذا التوجه أبعادا استراتيجية مهمة، إذ تسعى طهران إلى إفهام واشنطن أن أي مواجهة جديدة لن تظل محصورة في جغرافية الخليج أو القواعد الأمريكية الموجودة في المنطقة، وأن توسيع نطاق الأهداف المحتملة قد يرفع تكلفة المواجهة ويضع حلفاء الولايات المتحدة أمام تداعيات مباشرة للصراع. غير أن توسيع دائرة التهديدات قد يؤدي في المقابل إلى زيادة مخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية يصعب التحكم في مساراتها.

قطر تتحرك.. والرهان على الدبلوماسية

وفي مواجهة هذه المؤشرات، تكثف قطر تحركاتها الدبلوماسية لتضييق هوة الخلافات ومنع انهيار المفاوضات. فقد زار وفد قطري طهران مساء الاثنين، حاملا مقترحات تتعلق بمسودة اتفاق أمريكي إيراني يجري التفاوض بشأنها منذ ثمانية أيام، قبل أن يعود إلى الدوحة، فيما يواصل الطرفان دراسة المقترحات التي قدمها الوسطاء.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري استمرار الاتصالات، مشيرا إلى وجود عمل إقليمي مشترك لتجنب التصعيد، ومشددا على أن استمرار المفاوضات يعكس وجود فرصة للتوصل إلى اتفاق يمهد الطريق لمحادثات أوسع في المستقبل. كما تحدث مسؤول مطلع على الاتصالات عن انتظار ردود من واشنطن وطهران خلال 36 ساعة، بعد تقديم الوسطاء مقترحا جديدا لدفع العملية التفاوضية.

وتبدو الدوحة مدركة لحساسية المرحلة، خصوصا أن انهيار المسار الدبلوماسي قد يعيد المواجهة إلى نقطة الصفر، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب تلقي بثقلها على أمن الطاقة والملاحة والاستقرار الإقليمي. كما أن اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية يضيف عاملا سياسيا إلى حسابات واشنطن، التي قد تفضل احتواء التصعيد في هذه المرحلة، دون أن يعني ذلك بالضرورة استعداد إدارة ترامب لتقديم تنازلات كبيرة لطهران.

وفي موازاة الوساطة القطرية، تتواصل التحركات الإقليمية لإيجاد ترتيبات أمنية تحول دون تجدد الحرب. وفي هذا الإطار، كشف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن استمرار المحادثات مع السعودية بهدف التوصل إلى ترتيبات أمنية إقليمية جديدة تستبعد التدخل العسكري الأجنبي. وتأتي هذه التصريحات بعد اجتماع مسؤولين كبار من السعودية وتركيا وباكستان مع مسؤولين إيرانيين في طهران الأسبوع الماضي، في أول تواصل رفيع المستوى بين الأطراف الأربعة منذ أوت الماضي.

وتكتسب هذه الاتصالات أهمية خاصة في ظل اتساع رقعة المواجهة، مع دخول جماعة الحوثي اليمنية على خط التصعيد وشن هجمات على السعودية، بما يهدد بتحويل الحرب إلى أزمة أمنية إقليمية متعددة الجبهات. كما تعكس المحادثات السعودية الإيرانية إدراكا متزايدا لدى القوى الإقليمية بأن استمرار المواجهة الأمريكية الإيرانية لا يهدد طرفيها فقط، بل يضع أمن الخليج والمنشآت النفطية والممرات البحرية أمام مخاطر متزايدة.

اقتصاديا، لم تعد أسواق الطاقة قادرة على تجاهل التطورات المتسارعة في المضيق، إذ ارتفعت أسعار النفط بنحو 1.3 بالمائة عقب تراجعها بأكثر من 7 بالمائة في اليوم السابق، وسط تذبذب رهانات المستثمرين بين احتمالات التوصل إلى اتفاق وعودة العمليات العسكرية. ويكشف هذا التفاعل السريع عن حجم الترابط بين المسار السياسي في المنطقة واستقرار أسواق الطاقة العالمية، خصوصا أن أي اضطراب مستدام في حركة الملاحة عبر هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على الإمدادات والأسعار وسلاسل التجارة الدولية.

وبينما تتمسك طهران بشروطها السبعة وترفض ما تصفه بالمطالب الأمريكية المفرطة، تراهن واشنطن على استمرار الضغط السياسي والعسكري لانتزاع تنازلات في ملفات الخلاف. وفي المقابل، يحاول الوسطاء الإقليميون منع تحول التهديدات إلى مواجهة جديدة، وسط غياب مؤشرات حاسمة على استعداد أي من الطرفين للتراجع عن خطوطه الحمراء.

وبذلك، تبدو مياه مضيق هرمز أكثر سخونة من أي وقت مضى، ليس فقط بسبب الحضور العسكري والتحركات المتبادلة، بل لأن المضيق تحول إلى نقطة التقاء بين رهانات الحرب وشروط السلام. وبينما تستمر الرسائل الدبلوماسية في الانتقال بين طهران وواشنطن عبر الوسطاء، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، في مشهد تتقدم فيه لغة القوة بالتوازي مع مفاوضات لم تنجح حتى الآن في ردم الهوة بين الطرفين.