فرضت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية اليوم الجمعة، بعد ساعات من فوز إحدى قضاتها السابقين بجائزة نوبل للسلام، مما وضع واشنطن على مسار تصادمي دبلوماسي مع حلفائها الأوروبيين.
ونددت المحكمة بهذه الخطوة ووصفتها بأنها "اعتداء على سيادة القانون وعلى أسس النظام القانوني الدولي"، ودعت الدول الأعضاء البالغ عددها 125 إلى اتخاذ إجراءات للدفاع عنها.
وقالت المحكمة في بيان "لا يمكن للمحكمة أن تقف وحدها. فمصيرها الآن يقع أيضا في أيدي الدول التي أنشأتها... لا يتعلق الأمر فقط بالدفاع عن مؤسسة واحدة، بل بحماية النظام الدولي القائم على سيادة القانون. والتاريخ سيحكم على هذه اللحظة".
وتعادي إدارة ترامب المحكمة منذ فترة طويلة، وسبق أن فرضت عقوبات على مدعين عامين وقضاة فيها. وستذهب الولايات المتحدة بهذه الخطوة إلى أبعد من ذلك بكثير إذ من المحتمل أن تعاقب الشركات التي تقدم خدمات للمحكمة نفسها.
وقال وزير الخارجية ماركو روبيو في بيان اطلعت عليه رويترز قبل الإعلان الرسمي عن العقوبات "لن يسمح الرئيس ترامب أبدا للمحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة أمريكيين".
وأضاف "لهذا السبب، تفرض الولايات المتحدة اليوم عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية. سنحظر المعاملات مع هذه المحكمة المارقة، ونقطع عنها مواردها ونشل قدرتها على العمل".
وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن العقوبات مع فترة سماح أولية مدتها ستة أشهر، وبعض الاستثناءات الأخرى التي ستسمح ببعض المعاملات المتعلقة بالاتصالات والبرمجيات ودفع المعاشات التقاعدية والمعاملات المتعلقة بالمحتجزين.
وقال روبيو إن العقوبات وضعت بحيث تتيح للمحكمة والدول الأعضاء فيها فرصة لمعالجة مخاوف الولايات المتحدة. وستعدّل إذا لم تتم تلبية تلك المطالب.
وتشعر واشنطن منذ فترة طويلة بالغضب من مذكرتي اعتقال أصدرتهما المحكمة بحق مسؤولين إسرائيليين اثنين، أحدهما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ومن تحقيق سابق في تصرفات جنود أمريكيين في أفغانستان، وهو تحقيق تقول المحكمة إنها أخرت ترتيبه في قائمة الأولويات.
وقالت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهة شميم خان لرويترز "الهدف من العقوبات هو تقويض سيادة القانون على الصعيد الدولي والعمل الذي تقوم به مؤسسة قضائية مستقلة". وأضافت "سيستمر عملنا في جميع القضايا التي ننظرها، وفي تحقيقاتنا وملاحقاتنا القضائية".
ووجهت المحكمة الجنائية الدولية اتهامات علنية لأكثر من 70 شخصا، من بينهم قادة عالميون وشخصيات كبيرة في صراعات عالمية. وبالإضافة إلى نتنياهو، سعت المحكمة إلى اعتقال شخصيات من حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس).
ومن بين المتهمين الآخرين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس السوداني السابق عمر البشير، ومعمر القذافي. وسحبت التهم الموجهة إلى الرئيس الكيني وليام روتو والرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا.
*لجنة نوبل تشير إلى الهجمات السياسية في منح الجائزة
وحظيت المحكمة في الماضي بدعم قوي من الدول الأعضاء، ومن بينها حلفاء رئيسيون للولايات المتحدة. ويقع مقرها في هولندا العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
وشغلت نافي بيلاي، وهي قاضية من جنوب أفريقيا فازت اليوم الجمعة بجائزة نوبل للسلام تقديرا لعملها في مجال العدالة الجنائية الدولية، منصب قاضية في دائرة الاستئناف بالمحكمة في الفترة بين عامي 2003 و2008.
وقالت اللجنة المانحة لجائزة نوبل إنها سعت إلى "توجيه تذكير" في وقت "يتعرض فيه قضاة ومؤسسات القانون الدولي لهجمات سياسية".
وأضافت "وجود نظام قانوني دولي يُحاسب فيه مجرمو الحرب وتتحقق فيه العدالة لضحايا الانتهاكات هو شرط أساسي لعالم يسوده السلام".
وعادة ما تمنع العقوبات الأمريكية كل الشركات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها من التعامل بأي شكل من الأشكال مع أي منظمة خاضعة للعقوبات، مما يجبر البنوك على إغلاق حسابات، وشركات التأمين على إنهاء تغطيات، وشركات البرمجيات على وقف التعاون.
وسبق أن فرضت الإدارة الأمريكية في ولاية ترامب الأولى عقوبات تستهدف مسؤولين بعينهم في المحكمة، لكن الرئيس جو بايدن ألغاها في عهده. وأعلنت واشنطن عن عقوبات جديدة بعد أيام قليلة من عودة ترامب إلى الرئاسة في جانفي 2025.
ويستعد مسؤولو المحكمة منذ أشهر لاحتمال فرض عقوبات على المحكمة نفسها، فقاموا بتحويل برمجيات أجهزة الكمبيوتر في المكاتب من شركة مايكروسوفت إلى بدائل مفتوحة المصدر، واتخذوا ترتيبات جديدة فيما يتعلق بالخدمات المصرفية والتأمين الصحي.
ودعا أمين سجلات المحكمة أوزفالدو زافالا جيلر في وقت سابق من الأسبوع الاتحاد الأوروبي إلى الاستعداد لاستخدام ما يسمى "آلية الحجب" التي تتيح له حماية الدول الأوروبية من الآثار العابرة للحدود الإقليمية للعقوبات.
وقال روبيو في البيان إن الولايات المتحدة كانت قد أرجأت فرض العقوبات على أمل أن تعالج المحكمة والدول الأطراف في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة مخاوف الولايات المتحدة، لكنها فشلت في ذلك.
وتابع يقول "إما أن تنهي المحكمة الجنائية الدولية تهديداتها أو سننهي وجودها. ونتوقع من حلفائنا، الذين ينتمي الكثير منهم إلى المحكمة ويعتمدون على أفراد القوات المسلحة الأمريكية في الدفاع عنهم، أن يكبحوا جماح المحكمة".
المصدر: رويترز
