من مبعوثة دار الصباح إلى الصين: أميرة الدريدي
في قلب الريف الصيني، حيث تمتزج حضارة تمتد لأكثر من 7000 عام بأساليب حوكمة حديثة، تقف قرية شياوغوتشنغ شاهدة على أن التشاور الديمقراطي قادر على تغيير وجه الريف.
من تعديل الأسوار إلى أكشاك البيع بدون بائع، ومن مزارع الشاي إلى الممرات الخضراء، تحوّلت هذه القرية إلى وجهة سياحية واقتصادية يقصدها الزوار من داخل الصين وخارجها. وهذا ما لمسناه ميدانيًا خلال زيارتنا إلى القرية.
عند نزولنا من الحافلة، استقبلنا تمثال دائري يحمل عبارة باتت شعارًا للقرية: "أمور الجماهير تُناقش وتُحل بالجماهير" داخل الدائرة، ثلاثة أشكال بشرية ترمز إلى القرويين المتشاورين لبناء وطنهم الجميل. التمثال ليس مجرد عمل فني، بل تذكير دائم بأن القرار في شياوغوتشنغ يبدأ من الناس وينتهي عندهم.
الأسوار التي انخفضت جعلت من السكان عائلة واحدة
ثم اتجهنا يمينًا لمشاهدة الأسوار المعدّلة, في عام 2018، خضعت أسوار المنازل لتعديل جذري، فقد كانت ترتفع مترين أو ثلاثة، تحجب التواصل بين الجيران وتحجب المشهد الريفي.
وبعد زيارات لقرى ناجحة، وتشاور ديمقراطي مع القرويين، وحل مشكلات التمويل والأمن والخصوصية، انخفضت الأسوار إلى 80 سنتيمترًا فقط. وكانت النتيجة ساحات شفافة خضراء وطرقًا أوسع.
وإلى جانب ذلك، حُوّلت الطرق من الأبيض إلى الأسود، والأسلاك الكهربائية من فوق الأرض إلى تحتها.
كشك بدون بائع: الثقة هي العملة المتداولة
وتوقفنا أمام كشك صغير يعمل بنظام البيع بدون بائع حيث يضع القروي منتجاته صباحًا، ويعيد تعبئتها ظهرًا، ويسترجعها مساءً.
تكلفة العمالة شبه معدومة، والدخل السنوي يصل إلى خمسة أرقام فهذا الكشك ليس مجرد مشروع اقتصادي صغير، بل انعكاس لمستوى زوار القرية، وللثقة بين الناس، وللتقدم الحضاري الذي بلغته شياوغوتشنغ.
القطع الأثرية على الجدران: تاريخ يروي نفسه

وواصلنا السير على طول السور حيث تُعرض نسخ من القطع الأثرية المكتشفة في موقع شياوغوتشنغ الأثري، الذي يعود إلى ثقافة ماتشيابانغ قبل 7000 عام، وصُنّف عام 2013 كوحدة حماية ثقافية وطنية رئيسية.
الفكرة اقترحها أحد الكوادر القدامى خلال التشاور الديمقراطي، لتُعرّف القرويين والأطفال بتاريخ قريتهم، وتمنح الزوار فهمًا مباشرًا لثقافة ماتشيابانغ وارتباطها بثقافة ليانغتشو.
التشاور تحت شجرة الكافور
ثم وصلنا إلى شجرة كافور عمرها مئة عام، هنا تُناقش الأمور الكبيرة والصغيرة. عندما واجهت القرية مشكلة ازدحام الطرق وقلّة مواقف السيارات في مواسم الذروة، حيث اجتمع الكوادر ومسؤولو شركة السياحة القروية والقرويون، وقرروا فتح الساحات لاستقبال السيارات مقابل 20 يوانًا للمرة ليجد الزوار أماكن للوقوف، والقرويون حصلوا على دخل إضافي.
مزرعة تحت شجرة الكافور: من المطبخ إلى الشاشة
وبجوار الشجرة، افتُتحت عام 2019 مزرعة تضم 80 مقعدًا للطعام و5 أسرّة، وهي أيضًا ورشة حرفية تبيع المنتجات الزراعية المحلية. في ماي 2023، صوّر فيها برنامج "الحياة التي نتوق إليها"، وبعد بثّه، عرف المزيد من الناس شياوغوتشنغ.
فاليوم، تضم القرية أكثر من 50 مطعمًا ونزلًا ريفيًا، ما ساهم بشكل كبير في زيادة دخل القرويين.
مقهى الشاي خارج الجبل: منزل مهجور يتحول إلى مكتبة

ومن المزرعة انتقلنا إلى منزل قروي شاغر تحوّل إلى مقهى شاي ومكتبة تحت اسم «مقهى الشاي خارج الجبل».
استقرت فيه علامة «مقهى يويي للكتب، والكتب مقدمة من مكتبة يويهانغ، ويمكن استعارتها وإرجاعها في جميع فضاءات يويي لأن الأهالي والزوار يقصدونه لشرب الشاي والقراءة والدردشة.
الحديقة النباتية المشتركة: 30 يوانًا وكيس من الخضروات
ثم زرنا الحديقة النباتية المشتركة، حيث تكاد كل أسرة تمتلك قطعة أرض صغيرة تزرع فيها خضروات عضوية.
عندما بدأ الزوار يسألون عن الشراء، تقرر بالتشاور أن يملأ الزائر كيسًا بحجم مناسب مقابل 30 يوانًا.
هكذا وُلد نموذج "الحديقة النباتية المشتركة"، ليقل الهدر ويزداد الدخل وتتحسن تجربة الزوار.
مزارع الشاي البيئية: 1200 عام من التاريخ

وواصلنا الجولة نحو مزارع شاي جينغشان، من أفضل عشرة أنواع شاي ثقافية في الصين، بتاريخ يمتد لأكثر من 1200 عام حيث ازدهر في عصر تانغ كشاي ملكي، ويحمل علامة جغرافية وطنية، ويُصدَّر داخليًا وخارجيًا.
وفي 29 نوفمبر 2022، أُدرجت "وليمة شاي جينغشان" في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية التابعة لليونسكو.
فالقرية تمتلك اليوم أكثر من 6300 مو من مزارع الشاي( المو هي وحدة قياس تقليدية صينية تستخدم لقياس مساحة الأراضي الزراعية والعقارات القيمة.. "1مو" يساوي تقريباً 666.67 متر مربع اي ثلث هكتار تقريباً).
وحوّلت القرية طرق الزراعة إلى ممرات مشي مع أكشاك للراحة، وطوّرت أنشطة بحث ودراسة ليوم كامل: قطف، صنع، وتذوق الشاي.
وعلى هامش الجولة، علمنا أنه في 2010 أُدخل مشروع "نافذة الترفيه" السياحي، ونُقلت ملكية أكثر من 13 ألف مو من أراضي القرية، فتشكلت علامات مثل وادي البطء ومزرعة الشمس والبركة الذهبية.
ورشة الرخاء المشترك وسوق المستقبل
وفي ختام جولتنا، توقفنا عند ورشة الرخاء المشترك، حيث كانت في الأصل مخزن حطب، وكان من المقرر هدمه، لكن التشاور قرر تأجيره للجنة القرية مقابل 30 ألف يوان سنويًا، ليصبح مكانًا لشرب الشاي وبيع المنتجات الزراعية.
أما سوق جينغشان الكبير للمستقبل، فيتكون من مبنيين بمساحة 4380 مترًا مربعًا: منطقة ريادة صناعية (1580 مترًا مربعًا) تضم تجمعًا للبحث والدراسة وخدمة الزوار والتجربة التفاعلية وعرض المنتجات، وطابقًا ثانيًا يضم قاعدة إبداع الشباب مع مكاتب مشتركة وغرف بث مباشر.
وعموما فمن خلال زيارتنا الميدانية إلى قرية شياوغوتشنغ، يمكن القول إن هذه القرية ليست مجرد نموذج للريف الجميل، بل مختبر حقيقي للتشاور الديمقراطي والحوكمة المحلية. فمن الأسوار إلى الأشجار، ومن الأكشاك إلى مزارع الشاي.
كل تفصيل يحكي قصة قرار اتُّخذ مع السكان، حتى تتحقق قاعدة أن التنمية الريفية عالية الجودة تبدأ من الاستماع إلى مشاكل الجهة، وتنتهي بالرخاء المشترك.
