إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

عبدالله العتيبي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة قطر يتحدث لـ"الصباح نيوز": قطر في مواجهة التصعيد: أبعاد التهديد.. القدرات الدفاعية.. ودور الوساطة


يُحلل عبد الله العتيبي استاذ مساعد في العلاقات الدوليةبجامعة قطر في حوار له مع "الصباح نيوز"، الهجمات الأخيرة على الدوحة كـ "تطور خطير وغير مسبوق"، تجاوز الخطوط الحمراء باستهداف مدنيين وبنية تحتية حيوية، مما يرفع التهديد للأمن الوطني ويُظهر تحولاً نحو هجمات هجينة، على حد وصفه. 
 
وعلى عكس بعض التقارير الاخبارية، أكد المتدخل "جاهزية" المنظومة الدفاعية القطرية متعددة الطبقات، نافيا مزاعم نقص صواريخ باتريوت مشددا على حق قطر في الرد سيادي، وقد يشمل مسارات دبلوماسية وقانونية ضمن تنسيق خليجي.
 
وفيما يلي نص الحوار:
 

 صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية بأن "جميع الخطوط الحمراء قد تجاوزتها الهجمات" . كيف تقيّمون حجم وخطورة هذه الهجمات على الأراضي القطرية؟ وهل هناك تغير في طبيعة التهديد خلال الأيام القليلة الماضية؟
 
تُعد هذه الهجمات تطوراً خطيراً وغير مسبوق ليس فقط من حيث حدوثها على الأراضي القطرية، بل أيضاً من حيث طبيعة الأهداف التي طالتها. جميع الخطوط الحمراء تم تجاوزها حيث أن الاستهداف وصل إلى مناطق مدنية وسكنية ومحيط بنية تحتية حيوية، بما في ذلك محيط مطار حمد الدولي ومرافق اقتصادية وصناعية مرتبطة بقطاع الطاقة. مثل هذه الهجمات تشكل انتهاكاً واضحاً لسيادة الدولة، وتضع المدنيين والبنية التحتية الحيوية ضمن دائرة الخطر المباشر، وهو ما يرفع مستوى التهديد من مجرد توتر إقليمي إلى مسألة تمس الأمن الوطني والاستقرار الداخلي. 
خطورة هذه الهجمات لا تكمن فقط في الأضرار المحتملة، بل في الرسائل التي تحملها. فاستهداف دولة مستقرة ذات دور إيجابي في النظام الدولي مثل قطر، التي تلعب دوراً دبلوماسياً ووسيطاً في العديد من الملفات الإقليمية، يشير إلى توسع نطاق الصراع الإقليمي ليشمل مساحات لم تكن تقليدياً ساحة مباشرة للمواجهة. هذا التحول يزيد من مخاطر التصعيد ويخلق بيئة أمنية أكثر تعقيداً في منطقة الخليج، التي تعد أصلاً إحدى أكثر المناطق حساسية من حيث تداخل المصالح العسكرية والاقتصادية الدولية.
أما فيما يتعلق بطبيعة التهديد، فيبدو أن هناك بالفعل تحولاً ملحوظاً خلال الأيام الأخيرة. فالهجمات لم تعد تقتصر على الصواريخ التقليدية، بل شملت أيضاً استخدام الطائرات المسيّرة ومحاولات اختراق الأجواء، وهو ما يشير إلى نمط تهديد أكثر تعددية وتعقيداً من الناحية العملياتية. هذا التنوع في أدوات الهجوم يعكس انتقال التهديد من نمط محدود إلى نمط “هجين”، يجمع بين الصواريخ والطائرات المسيّرة وربما أدوات ضغط أخرى، وهو ما يتطلب مستوى أعلى من اليقظة الدفاعية والتنسيق الأمني وهذا كان واضح من خلال ردود فعل الأجهزة الأمنية في قطر.
 
 
*تضاربت المعلومات حول جاهزية المنظومات الدفاعية في المنطقة. تقارير دولية أشارت إلى وجود "نقص حاد في صواريخ باتريوت الاعتراضية" في قطر.. كيف تردون على هذه التقارير؟ وما هي الإجراءات التي تتخذها قطر لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة التصعيد المستمر؟
 
التقارير التي تتحدث عن نقص حاد في صواريخ الاعتراض يجب التعامل معها بحذر، لأن جزءاً كبيراً منها يعتمد على تقديرات تحليلية وليست معلومات تشغيلية مؤكدة. في الواقع، الجهات الرسمية في دولة قطر نفت بشكل واضح هذه المزاعم، وأكدت أن مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية لدى القوات المسلحة القطرية لم ينفد وأنه لا يزال متوفراً وبحالة جاهزية. 
أما من حيث القدرات الدفاعية، فقد استثمرت قطر خلال السنوات الماضية بشكل كبير في بناء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات. هذه المنظومة لا تعتمد على نظام واحد فقط، بل تشمل أنظمة بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى مثل باتريوت وNASAMS، إضافة إلى العمل على إدخال منظومات متقدمة مثل THAAD لاعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية. هذا النوع من البنية الدفاعية المتدرجة يهدف إلى توفير طبقات متكاملة من الحماية ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات الجوية المختلفة.
 
*أكدت وزارة الداخلية القطرية ارتفاع عدد الإصابات المرتبطة بالهجمات، كما استهدفت الهجمات مناطق قريبة من مرافق حيوية مثل مطار حمد الدولي والمنشآت الصناعية. كيف تتم حماية المدنيين والبنية التحتية في ظل هذا التصعيد؟ وما هي الإجراءات المتبعة لضمان استمرارية العمل في المرافق الحيوية رغم الاستهدافات المتكررة؟
 
في ظل التصعيد الأخير، أصبحت حماية المدنيين والبنية التحتية أولوية قصوى في إدارة الأزمة. تعتمد الدولة في هذا السياق على مزيج من الإجراءات الوقائية والاستجابة السريعة لضمان تقليل المخاطر المباشرة على السكان. فقد شددت الجهات الرسمية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، على أهمية الالتزام بالتعليمات الصادرة للسلامة العامة، مثل البقاء في أماكن آمنة. هذه الإجراءات تهدف إلى تقليل احتمالية الإصابات وضمان قدرة فرق الطوارئ على الوصول إلى المواقع المتضررة بسرعة وكفاءة. 
أما على مستوى البنية التحتية الحيوية، فإن التعامل مع التهديدات يتم ضمن منظومة متكاملة تعمل على مدار الساعة. وتشمل هذه المنظومة تنسيقاً مستمراً بين الجهات الأمنية والجهات التشغيلية المسؤولة عن المرافق الحساسة مثل المطارات.
وفي ما يتعلق باستمرارية العمل في المرافق الحيوية، تعتمد المؤسسات المعنية على خطط متقدمة لإدارة الأزمات واستمرارية الأعمال. هذه الخطط تتضمن إجراءات تشغيل بديلة، مثل الدراسة والعمل عن بُعد للمحافظة على سير العمل والمنظومة التعليمية بأعلى كفاءة. بالتالي، فإن إدارة هذه المرحلة تقوم على مبدأين رئيسيين: حماية حياة المدنيين أولاً، وضمان بقاء المرافق الحيوية قادرة على العمل واستمرار تقديم خدماتها ثانياً. هذا التوازن بين السلامة العامة والاستمرارية التشغيلية يشكل عنصراً أساسياً في الحفاظ على الاستقرار الداخلي في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من التوتر والتقلب.
 
*صرّحت دولة قطر بأن "الهجمات لن تبقى دون رد ولا يمكن أن تمر دون رد"، مع التأكيد على أن جميع الخيارات مطروحة على طاولة القيادة . هل يمكنكم توضيح طبيعة الرد المحتمل؟ وهل سيكون رداً منفرداً أم ضمن إطار خليجي جماعي، خاصة أن دول المجلس أكدت في بياناتها أن "أمن الخليج كل لا يتجزأ" ؟
 
تصريحات دولة قطر بأن هذه الهجمات لن تمر دون رد تعكس في المقام الأول موقفاً سيادياً واضحاً يؤكد أن استهداف أراضي الدولة أو تعريض المدنيين والبنية التحتية للخطر أمر لا يمكن القبول به أو التعامل معه باعتباره حدثاً عابراً. لكن من المهم فهم أن مفهوم الرد في العلاقات الدولية لا يقتصر بالضرورة على الرد العسكري المباشر. فالدول غالباً ما تستخدم مزيجاً من الأدوات السياسية والدبلوماسية والقانونية والأمنية لإيصال رسالة ردع واضحة، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم دفع المنطقة نحو تصعيد أوسع قد يضر بالاستقرار الإقليمي.
 في هذا السياق، يمكن أن يأخذ الرد عدة أشكال محتملة. أولها التحرك الدبلوماسي والقانوني على المستوى الدولي، من خلال مخاطبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتوثيق الانتهاكات التي تعرضت لها السيادة القطرية والبنية التحتية المدنية. هذا النوع من التحرك يهدف إلى تثبيت المسؤولية السياسية والقانونية للطرف الذي قام بالهجوم، وإبقاء القضية ضمن إطار القانون الدولي.
أما في ما يتعلق بطبيعة الرد، فمن المرجح أن يتم التعامل مع هذا الملف ضمن مقاربة مزدوجة تجمع بين البعد الوطني والبعد الإقليمي. فدولة قطر تحتفظ بطبيعة الحال بحقها السيادي في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة للدفاع عن أمنها، لكن في الوقت نفسه فإن طبيعة التهديدات الحالية تتجاوز حدود دولة واحدة. لذلك فإن تأكيد دول مجلس التعاون الخليجي على أن “أمن الخليج كل لا يتجزأ” يشير إلى أن أي تطورات أمنية من هذا النوع يتم النظر إليها ضمن إطار أوسع من التنسيق والتضامن الإقليمي. من هذا المنطلق، قد نشهد خلال المرحلة المقبلة زيادة في مستوى التنسيق الخليجي في الجوانب الأمنية والدبلوماسية. 
فالرسالة الأساسية التي تحاول دول الخليج إيصالها هي أن استهداف أي دولة في المجلس لا يُنظر إليه باعتباره قضية ثنائية أو محلية، بل مسألة تمس الأمن الجماعي للمنطقة. وهذا ما يجعل الرد، في جوهره، ليس فقط دفاعاً عن سيادة دولة بعينها، بل أيضاً محاولة للحفاظ على استقرار النظام الأمني في الخليج ككل.
 
*أعلنت الدوحة قبل أيام عن تفكيك خليتين تجسسيتين مرتبطتين بالحرس الثوري الإيراني، واعتقال عشرة أشخاص بتهم جمع معلومات عن البنية التحتية الحيوية والعسكرية والتخطيط لأعمال تخريبية . كيف تنظرون إلى هذه الاختراقات الأمنية في سياق التصعيد العسكري؟ وهل هناك معلومات عن خلايا أخرى لا تزال نشطة؟
الإعلان عن تفكيك خليتين تجسسيتين مرتبطتين بالحرس الثوري الإيراني يجب قراءته في سياق أوسع من مجرد حادثة أمنية منفصلة، بل كجزء من بيئة إقليمية متوترة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاستخباراتية. فبحسب ما أعلنته الجهات المعنية، فإن عناصر هاتين الخليتين تلقوا تدريباً داخل إيران قبل تكليفهم بمهام تتعلق بجمع معلومات حساسة عن البنية التحتية الحيوية والمنشآت العسكرية والتخطيط لأعمال تخريبية. وجود هذا النوع من التدريب الخارجي يشير إلى أن الأمر لم يكن مجرد نشاط فردي أو مبادرة معزولة، بل عملية منظمة تتطلب إعداداً مسبقاً، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول النوايا الكامنة وراء هذه الأنشطة. في هذا الإطار، فإن تدريب عناصر الخلايا خارج البلاد وارتباطهم بجهة عسكرية مثل الحرس الثوري يُعد مؤشراً واضحاً على وجود نية مبيتة للقيام بعمليات تمس الأمن الداخلي للدولة. فجمع معلومات عن المطارات والمنشآت الصناعية ومرافق الطاقة لا يُعد نشاطاً استخباراتياً عادياً في ظل التصعيد العسكري الحالي، بل يمكن أن يشكل مرحلة تمهيدية لأعمال تخريبية أو لاستهداف هذه المرافق في حال توسع المواجهة. لذلك فإن هذه التطورات تُفسَّر في الدوائر الأمنية باعتبارها دليلاً على سوء النية ومحاولة استغلال الظروف الإقليمية المتوترة لخلق نقاط ضغط داخل الدولة.
في المقابل، فإن الإعلان عن تفكيك هذه الخلايا يحمل أيضاً رسالة واضحة مفادها أن الأجهزة الأمنية تمكنت من رصد هذه الأنشطة والتعامل معها قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي. الكشف المبكر عن الشبكات المرتبطة بالتجسس أو التخريب يُعد من أهم أدوات حماية الأمن الوطني، لأنه يقطع سلسلة التخطيط قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ ويمنع استهداف المدنيين أو المرافق الحيوية.
أما فيما يتعلق بإمكانية وجود خلايا أخرى، فمن الطبيعي في مثل هذه القضايا أن تكون التحقيقات مستمرة وأن يتم التعامل مع المعلومات بحذر شديد. الأجهزة الأمنية عادةً ما تواصل تتبع أي امتدادات محتملة لهذه الشبكات للتأكد من عدم وجود عناصر أخرى مرتبطة بها. وفي جميع الأحوال، فإن ما حدث يعكس مستوى عالياً من اليقظة الأمنية، ويؤكد أن التعامل مع التهديدات في هذه المرحلة لا يقتصر على المجال العسكري فقط، بل يشمل أيضاً مواجهة محاولات الاختراق الاستخباراتي التي قد ترافق التصعيد الإقليمي.
 
*تُعرف قطر  بدورها في الوساطة والتهدئة، حيث كانت تجري اتصالات مكثفة لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة . لكن مع استهداف الأراضي القطرية مباشرة، كيف يمكن التوفيق بين استمرار دور الوساطة وبين حق الدفاع عن النفس والرد على الاعتداءات؟ وهل لا تزال قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران رغم الهجمات؟
 
لطالما ارتبط الدور الدبلوماسي لدولة قطر بقدرتها على الجمع بين الانخراط في الوساطة والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، حتى في أكثر الأزمات تعقيداً. لكن استهداف الأراضي القطرية يغير بلا شك طبيعة السياق الذي تعمل فيه هذه الوساطة. فالدفاع عن السيادة الوطنية وحماية المدنيين والبنية التحتية هو حق سيادي لا يمكن التنازل عنه، وهو حق يكفله القانون الدولي لكل دولة. لذلك فإن ممارسة هذا الحق لا تتعارض بالضرورة مع استمرار الدور الدبلوماسي، بل قد تعزز من مصداقيته عندما يكون مبنياً على موقف واضح يرفض انتهاك السيادة ويطالب باحترام قواعد القانون الدولي.
في التجارب الدبلوماسية المعاصرة، كثيراً ما تحتفظ الدول بدورها الوسيط حتى عندما تكون طرفاً متأثراً بالأزمة، طالما أنها قادرة على الفصل بين إدارة الأزمة الأمنية المباشرة وبين الجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع توسع الصراع. قطر على مدى السنوات الماضية بنت شبكة واسعة من قنوات الاتصال مع أطراف متعددة في المنطقة وخارجها، وهو ما جعلها قادرة على لعب أدوار وساطة في ملفات شديدة التعقيد. هذا الرصيد الدبلوماسي لا يختفي بسبب حادثة واحدة، حتى لو كانت خطيرة، بل قد يصبح أكثر أهمية في لحظة التصعيد لتجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
أما فيما يتعلق بقنوات الاتصال مع طهران، فمن حيث المبدأ فإن الحفاظ على قنوات التواصل خلال الأزمات يعد من أهم أدوات إدارة التصعيد. ففي الأزمات الإقليمية غالباً ما تكون الاتصالات الدبلوماسية (سواء المباشرة أو عبر وسطاء) ضرورية لمنع سوء التقدير أو الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة. لذلك فإن بقاء هذه القنوات مفتوحة لا يعني القبول بالهجمات أو تجاهلها، بل يعكس إدراكاً بأن إدارة الأزمات المعقدة تتطلب مزيجاً من الحزم في الدفاع عن السيادة والمرونة في استخدام الأدوات الدبلوماسية لتفادي مزيد من التصعيد. لذلك، يمكن القول إن التحدي الحقيقي أمام الدبلوماسية القطرية في هذه المرحلة يتمثل في تحقيق هذا التوازن الدقيق: الدفاع عن أمن الدولة وسيادتها بشكل واضح، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الدور الذي لعبته قطر تاريخياً في خفض التوتر وفتح مسارات للحوار عندما تبدو الخيارات الأخرى مسدودة.
 
*قطر من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، والتصعيد الحالي يهدد طرق الشحن بالقرب من مضيق هرمز . كيف ترون تأثير استمرار الهجمات على الاقتصاد القطري وأسواق الطاقة العالمية؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة إذا استمرت العمليات العسكرية في استهداف المنشآت الحيوية أو تعطيل حركة النقل البحري؟
 
قطر تُعد أحد الأعمدة الأساسية في سوق الطاقة العالمي، ليس فقط بصفتها من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال، بل أيضاً بسبب الدور الأوسع الذي تلعبه في إنتاج عدد من المشتقات المرتبطة بصناعة الغاز والتي تدخل في قطاعات حيوية حول العالم. فالدوحة تمثل نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ما يجعل استقرار صادراتها عاملاً مهماً في توازن أسواق الطاقة، خصوصاً في أوروبا وآسيا. ولهذا فإن أي تصعيد أمني في الخليج، وخصوصاً بالقرب من مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية، لا يُنظر إليه كمسألة محلية، بل كعامل قد يؤثر على استقرار الاقتصاد الدولي وأسعار الطاقة عالمياً.
لكن التأثير المحتمل لا يقتصر على الغاز الطبيعي المسال وحده. فدولة قطر تُعد أيضاً أحد أهم المنتجين العالميين للهيليوم، حيث توفر ما بين 30٪ و35٪ من الإمدادات العالمية. ويكتسب هذا الغاز أهمية استراتيجية كبيرة نظراً لاستخداماته في مجالات طبية وتقنية متقدمة، مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات، إضافة إلى الصناعات الإلكترونية الدقيقة وصناعة أشباه الموصلات والتقنيات الفضائية. وبالتالي فإن أي اضطراب في إنتاج أو تصدير الهيليوم يمكن أن ينعكس مباشرة على قطاعات طبية وتكنولوجية حساسة حول العالم.
كما تلعب قطر دوراً مهماً في سوق الأسمدة العالمية، حيث تنتج نحو 5.6 مليون طن سنوياً من اليوريا، وهي مادة أساسية في دعم الإنتاج الزراعي العالمي وتستخدم كذلك في عدد من التطبيقات الصناعية. استقرار إمدادات اليوريا يعد عنصراً مهماً في استقرار أسواق الغذاء العالمية، لأن أي اضطراب في هذا القطاع يمكن أن ينعكس على تكاليف الإنتاج الزراعي وعلى أسعار المنتجات الغذائية في العديد من الدول. من هنا فإن أي تصعيد عسكري يهدد المنشآت الصناعية أو طرق الشحن في الخليج، خصوصاً في محيط مضيق هرمز، لا يهدد فقط صادرات الطاقة القطرية، بل قد يؤثر على شبكة أوسع من سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بالطاقة والصناعة والزراعة.
السيناريو الأول يتمثل في بقاء التوتر ضمن نطاق محدود، وفي هذه الحالة قد تقتصر التأثيرات على ارتفاع مؤقت في الأسعار نتيجة المخاطر الجيوسياسية. أما السيناريو الأكثر حساسية فيتمثل في احتمال استهداف منشآت الطاقة أو تعطيل كامل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الإمدادات العالمية وارتفاع حاد في الأسعار، نظراً لاعتماد جزء كبير من الاقتصاد العالمي على صادرات الطاقة والمنتجات المرتبطة بها من الخليج. لهذا السبب يُنظر إلى استقرار قطر وإلى استمرار تدفق صادراتها من الغاز ومشتقاته باعتباره جزءاً أساسياً من أمن الطاقة العالمي. فالقضية لا تتعلق فقط باقتصاد دولة واحدة، بل بمنظومة دولية تعتمد على استقرار الإمدادات من الخليج لضمان استمرار عمل قطاعات صناعية وطبية وزراعية في مختلف أنحاء العالم.
 
أجرى الحوار: خليل الحناشي 
 
 
 
عبدالله العتيبي أستاذ العلاقات الدولية بجامعة قطر يتحدث لـ"الصباح نيوز":  قطر في مواجهة التصعيد: أبعاد التهديد.. القدرات الدفاعية.. ودور الوساطة

يُحلل عبد الله العتيبي استاذ مساعد في العلاقات الدوليةبجامعة قطر في حوار له مع "الصباح نيوز"، الهجمات الأخيرة على الدوحة كـ "تطور خطير وغير مسبوق"، تجاوز الخطوط الحمراء باستهداف مدنيين وبنية تحتية حيوية، مما يرفع التهديد للأمن الوطني ويُظهر تحولاً نحو هجمات هجينة، على حد وصفه. 
 
وعلى عكس بعض التقارير الاخبارية، أكد المتدخل "جاهزية" المنظومة الدفاعية القطرية متعددة الطبقات، نافيا مزاعم نقص صواريخ باتريوت مشددا على حق قطر في الرد سيادي، وقد يشمل مسارات دبلوماسية وقانونية ضمن تنسيق خليجي.
 
وفيما يلي نص الحوار:
 

 صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية بأن "جميع الخطوط الحمراء قد تجاوزتها الهجمات" . كيف تقيّمون حجم وخطورة هذه الهجمات على الأراضي القطرية؟ وهل هناك تغير في طبيعة التهديد خلال الأيام القليلة الماضية؟
 
تُعد هذه الهجمات تطوراً خطيراً وغير مسبوق ليس فقط من حيث حدوثها على الأراضي القطرية، بل أيضاً من حيث طبيعة الأهداف التي طالتها. جميع الخطوط الحمراء تم تجاوزها حيث أن الاستهداف وصل إلى مناطق مدنية وسكنية ومحيط بنية تحتية حيوية، بما في ذلك محيط مطار حمد الدولي ومرافق اقتصادية وصناعية مرتبطة بقطاع الطاقة. مثل هذه الهجمات تشكل انتهاكاً واضحاً لسيادة الدولة، وتضع المدنيين والبنية التحتية الحيوية ضمن دائرة الخطر المباشر، وهو ما يرفع مستوى التهديد من مجرد توتر إقليمي إلى مسألة تمس الأمن الوطني والاستقرار الداخلي. 
خطورة هذه الهجمات لا تكمن فقط في الأضرار المحتملة، بل في الرسائل التي تحملها. فاستهداف دولة مستقرة ذات دور إيجابي في النظام الدولي مثل قطر، التي تلعب دوراً دبلوماسياً ووسيطاً في العديد من الملفات الإقليمية، يشير إلى توسع نطاق الصراع الإقليمي ليشمل مساحات لم تكن تقليدياً ساحة مباشرة للمواجهة. هذا التحول يزيد من مخاطر التصعيد ويخلق بيئة أمنية أكثر تعقيداً في منطقة الخليج، التي تعد أصلاً إحدى أكثر المناطق حساسية من حيث تداخل المصالح العسكرية والاقتصادية الدولية.
أما فيما يتعلق بطبيعة التهديد، فيبدو أن هناك بالفعل تحولاً ملحوظاً خلال الأيام الأخيرة. فالهجمات لم تعد تقتصر على الصواريخ التقليدية، بل شملت أيضاً استخدام الطائرات المسيّرة ومحاولات اختراق الأجواء، وهو ما يشير إلى نمط تهديد أكثر تعددية وتعقيداً من الناحية العملياتية. هذا التنوع في أدوات الهجوم يعكس انتقال التهديد من نمط محدود إلى نمط “هجين”، يجمع بين الصواريخ والطائرات المسيّرة وربما أدوات ضغط أخرى، وهو ما يتطلب مستوى أعلى من اليقظة الدفاعية والتنسيق الأمني وهذا كان واضح من خلال ردود فعل الأجهزة الأمنية في قطر.
 
 
*تضاربت المعلومات حول جاهزية المنظومات الدفاعية في المنطقة. تقارير دولية أشارت إلى وجود "نقص حاد في صواريخ باتريوت الاعتراضية" في قطر.. كيف تردون على هذه التقارير؟ وما هي الإجراءات التي تتخذها قطر لتعزيز قدراتها الدفاعية في مواجهة التصعيد المستمر؟
 
التقارير التي تتحدث عن نقص حاد في صواريخ الاعتراض يجب التعامل معها بحذر، لأن جزءاً كبيراً منها يعتمد على تقديرات تحليلية وليست معلومات تشغيلية مؤكدة. في الواقع، الجهات الرسمية في دولة قطر نفت بشكل واضح هذه المزاعم، وأكدت أن مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية لدى القوات المسلحة القطرية لم ينفد وأنه لا يزال متوفراً وبحالة جاهزية. 
أما من حيث القدرات الدفاعية، فقد استثمرت قطر خلال السنوات الماضية بشكل كبير في بناء منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات. هذه المنظومة لا تعتمد على نظام واحد فقط، بل تشمل أنظمة بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى مثل باتريوت وNASAMS، إضافة إلى العمل على إدخال منظومات متقدمة مثل THAAD لاعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية. هذا النوع من البنية الدفاعية المتدرجة يهدف إلى توفير طبقات متكاملة من الحماية ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة والتهديدات الجوية المختلفة.
 
*أكدت وزارة الداخلية القطرية ارتفاع عدد الإصابات المرتبطة بالهجمات، كما استهدفت الهجمات مناطق قريبة من مرافق حيوية مثل مطار حمد الدولي والمنشآت الصناعية. كيف تتم حماية المدنيين والبنية التحتية في ظل هذا التصعيد؟ وما هي الإجراءات المتبعة لضمان استمرارية العمل في المرافق الحيوية رغم الاستهدافات المتكررة؟
 
في ظل التصعيد الأخير، أصبحت حماية المدنيين والبنية التحتية أولوية قصوى في إدارة الأزمة. تعتمد الدولة في هذا السياق على مزيج من الإجراءات الوقائية والاستجابة السريعة لضمان تقليل المخاطر المباشرة على السكان. فقد شددت الجهات الرسمية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، على أهمية الالتزام بالتعليمات الصادرة للسلامة العامة، مثل البقاء في أماكن آمنة. هذه الإجراءات تهدف إلى تقليل احتمالية الإصابات وضمان قدرة فرق الطوارئ على الوصول إلى المواقع المتضررة بسرعة وكفاءة. 
أما على مستوى البنية التحتية الحيوية، فإن التعامل مع التهديدات يتم ضمن منظومة متكاملة تعمل على مدار الساعة. وتشمل هذه المنظومة تنسيقاً مستمراً بين الجهات الأمنية والجهات التشغيلية المسؤولة عن المرافق الحساسة مثل المطارات.
وفي ما يتعلق باستمرارية العمل في المرافق الحيوية، تعتمد المؤسسات المعنية على خطط متقدمة لإدارة الأزمات واستمرارية الأعمال. هذه الخطط تتضمن إجراءات تشغيل بديلة، مثل الدراسة والعمل عن بُعد للمحافظة على سير العمل والمنظومة التعليمية بأعلى كفاءة. بالتالي، فإن إدارة هذه المرحلة تقوم على مبدأين رئيسيين: حماية حياة المدنيين أولاً، وضمان بقاء المرافق الحيوية قادرة على العمل واستمرار تقديم خدماتها ثانياً. هذا التوازن بين السلامة العامة والاستمرارية التشغيلية يشكل عنصراً أساسياً في الحفاظ على الاستقرار الداخلي في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من التوتر والتقلب.
 
*صرّحت دولة قطر بأن "الهجمات لن تبقى دون رد ولا يمكن أن تمر دون رد"، مع التأكيد على أن جميع الخيارات مطروحة على طاولة القيادة . هل يمكنكم توضيح طبيعة الرد المحتمل؟ وهل سيكون رداً منفرداً أم ضمن إطار خليجي جماعي، خاصة أن دول المجلس أكدت في بياناتها أن "أمن الخليج كل لا يتجزأ" ؟
 
تصريحات دولة قطر بأن هذه الهجمات لن تمر دون رد تعكس في المقام الأول موقفاً سيادياً واضحاً يؤكد أن استهداف أراضي الدولة أو تعريض المدنيين والبنية التحتية للخطر أمر لا يمكن القبول به أو التعامل معه باعتباره حدثاً عابراً. لكن من المهم فهم أن مفهوم الرد في العلاقات الدولية لا يقتصر بالضرورة على الرد العسكري المباشر. فالدول غالباً ما تستخدم مزيجاً من الأدوات السياسية والدبلوماسية والقانونية والأمنية لإيصال رسالة ردع واضحة، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم دفع المنطقة نحو تصعيد أوسع قد يضر بالاستقرار الإقليمي.
 في هذا السياق، يمكن أن يأخذ الرد عدة أشكال محتملة. أولها التحرك الدبلوماسي والقانوني على المستوى الدولي، من خلال مخاطبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وتوثيق الانتهاكات التي تعرضت لها السيادة القطرية والبنية التحتية المدنية. هذا النوع من التحرك يهدف إلى تثبيت المسؤولية السياسية والقانونية للطرف الذي قام بالهجوم، وإبقاء القضية ضمن إطار القانون الدولي.
أما في ما يتعلق بطبيعة الرد، فمن المرجح أن يتم التعامل مع هذا الملف ضمن مقاربة مزدوجة تجمع بين البعد الوطني والبعد الإقليمي. فدولة قطر تحتفظ بطبيعة الحال بحقها السيادي في اتخاذ الإجراءات التي تراها مناسبة للدفاع عن أمنها، لكن في الوقت نفسه فإن طبيعة التهديدات الحالية تتجاوز حدود دولة واحدة. لذلك فإن تأكيد دول مجلس التعاون الخليجي على أن “أمن الخليج كل لا يتجزأ” يشير إلى أن أي تطورات أمنية من هذا النوع يتم النظر إليها ضمن إطار أوسع من التنسيق والتضامن الإقليمي. من هذا المنطلق، قد نشهد خلال المرحلة المقبلة زيادة في مستوى التنسيق الخليجي في الجوانب الأمنية والدبلوماسية. 
فالرسالة الأساسية التي تحاول دول الخليج إيصالها هي أن استهداف أي دولة في المجلس لا يُنظر إليه باعتباره قضية ثنائية أو محلية، بل مسألة تمس الأمن الجماعي للمنطقة. وهذا ما يجعل الرد، في جوهره، ليس فقط دفاعاً عن سيادة دولة بعينها، بل أيضاً محاولة للحفاظ على استقرار النظام الأمني في الخليج ككل.
 
*أعلنت الدوحة قبل أيام عن تفكيك خليتين تجسسيتين مرتبطتين بالحرس الثوري الإيراني، واعتقال عشرة أشخاص بتهم جمع معلومات عن البنية التحتية الحيوية والعسكرية والتخطيط لأعمال تخريبية . كيف تنظرون إلى هذه الاختراقات الأمنية في سياق التصعيد العسكري؟ وهل هناك معلومات عن خلايا أخرى لا تزال نشطة؟
الإعلان عن تفكيك خليتين تجسسيتين مرتبطتين بالحرس الثوري الإيراني يجب قراءته في سياق أوسع من مجرد حادثة أمنية منفصلة، بل كجزء من بيئة إقليمية متوترة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاستخباراتية. فبحسب ما أعلنته الجهات المعنية، فإن عناصر هاتين الخليتين تلقوا تدريباً داخل إيران قبل تكليفهم بمهام تتعلق بجمع معلومات حساسة عن البنية التحتية الحيوية والمنشآت العسكرية والتخطيط لأعمال تخريبية. وجود هذا النوع من التدريب الخارجي يشير إلى أن الأمر لم يكن مجرد نشاط فردي أو مبادرة معزولة، بل عملية منظمة تتطلب إعداداً مسبقاً، وهو ما يثير تساؤلات جدية حول النوايا الكامنة وراء هذه الأنشطة. في هذا الإطار، فإن تدريب عناصر الخلايا خارج البلاد وارتباطهم بجهة عسكرية مثل الحرس الثوري يُعد مؤشراً واضحاً على وجود نية مبيتة للقيام بعمليات تمس الأمن الداخلي للدولة. فجمع معلومات عن المطارات والمنشآت الصناعية ومرافق الطاقة لا يُعد نشاطاً استخباراتياً عادياً في ظل التصعيد العسكري الحالي، بل يمكن أن يشكل مرحلة تمهيدية لأعمال تخريبية أو لاستهداف هذه المرافق في حال توسع المواجهة. لذلك فإن هذه التطورات تُفسَّر في الدوائر الأمنية باعتبارها دليلاً على سوء النية ومحاولة استغلال الظروف الإقليمية المتوترة لخلق نقاط ضغط داخل الدولة.
في المقابل، فإن الإعلان عن تفكيك هذه الخلايا يحمل أيضاً رسالة واضحة مفادها أن الأجهزة الأمنية تمكنت من رصد هذه الأنشطة والتعامل معها قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي. الكشف المبكر عن الشبكات المرتبطة بالتجسس أو التخريب يُعد من أهم أدوات حماية الأمن الوطني، لأنه يقطع سلسلة التخطيط قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ ويمنع استهداف المدنيين أو المرافق الحيوية.
أما فيما يتعلق بإمكانية وجود خلايا أخرى، فمن الطبيعي في مثل هذه القضايا أن تكون التحقيقات مستمرة وأن يتم التعامل مع المعلومات بحذر شديد. الأجهزة الأمنية عادةً ما تواصل تتبع أي امتدادات محتملة لهذه الشبكات للتأكد من عدم وجود عناصر أخرى مرتبطة بها. وفي جميع الأحوال، فإن ما حدث يعكس مستوى عالياً من اليقظة الأمنية، ويؤكد أن التعامل مع التهديدات في هذه المرحلة لا يقتصر على المجال العسكري فقط، بل يشمل أيضاً مواجهة محاولات الاختراق الاستخباراتي التي قد ترافق التصعيد الإقليمي.
 
*تُعرف قطر  بدورها في الوساطة والتهدئة، حيث كانت تجري اتصالات مكثفة لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة . لكن مع استهداف الأراضي القطرية مباشرة، كيف يمكن التوفيق بين استمرار دور الوساطة وبين حق الدفاع عن النفس والرد على الاعتداءات؟ وهل لا تزال قنوات الاتصال مفتوحة مع طهران رغم الهجمات؟
 
لطالما ارتبط الدور الدبلوماسي لدولة قطر بقدرتها على الجمع بين الانخراط في الوساطة والحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، حتى في أكثر الأزمات تعقيداً. لكن استهداف الأراضي القطرية يغير بلا شك طبيعة السياق الذي تعمل فيه هذه الوساطة. فالدفاع عن السيادة الوطنية وحماية المدنيين والبنية التحتية هو حق سيادي لا يمكن التنازل عنه، وهو حق يكفله القانون الدولي لكل دولة. لذلك فإن ممارسة هذا الحق لا تتعارض بالضرورة مع استمرار الدور الدبلوماسي، بل قد تعزز من مصداقيته عندما يكون مبنياً على موقف واضح يرفض انتهاك السيادة ويطالب باحترام قواعد القانون الدولي.
في التجارب الدبلوماسية المعاصرة، كثيراً ما تحتفظ الدول بدورها الوسيط حتى عندما تكون طرفاً متأثراً بالأزمة، طالما أنها قادرة على الفصل بين إدارة الأزمة الأمنية المباشرة وبين الجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع توسع الصراع. قطر على مدى السنوات الماضية بنت شبكة واسعة من قنوات الاتصال مع أطراف متعددة في المنطقة وخارجها، وهو ما جعلها قادرة على لعب أدوار وساطة في ملفات شديدة التعقيد. هذا الرصيد الدبلوماسي لا يختفي بسبب حادثة واحدة، حتى لو كانت خطيرة، بل قد يصبح أكثر أهمية في لحظة التصعيد لتجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
أما فيما يتعلق بقنوات الاتصال مع طهران، فمن حيث المبدأ فإن الحفاظ على قنوات التواصل خلال الأزمات يعد من أهم أدوات إدارة التصعيد. ففي الأزمات الإقليمية غالباً ما تكون الاتصالات الدبلوماسية (سواء المباشرة أو عبر وسطاء) ضرورية لمنع سوء التقدير أو الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة. لذلك فإن بقاء هذه القنوات مفتوحة لا يعني القبول بالهجمات أو تجاهلها، بل يعكس إدراكاً بأن إدارة الأزمات المعقدة تتطلب مزيجاً من الحزم في الدفاع عن السيادة والمرونة في استخدام الأدوات الدبلوماسية لتفادي مزيد من التصعيد. لذلك، يمكن القول إن التحدي الحقيقي أمام الدبلوماسية القطرية في هذه المرحلة يتمثل في تحقيق هذا التوازن الدقيق: الدفاع عن أمن الدولة وسيادتها بشكل واضح، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الدور الذي لعبته قطر تاريخياً في خفض التوتر وفتح مسارات للحوار عندما تبدو الخيارات الأخرى مسدودة.
 
*قطر من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، والتصعيد الحالي يهدد طرق الشحن بالقرب من مضيق هرمز . كيف ترون تأثير استمرار الهجمات على الاقتصاد القطري وأسواق الطاقة العالمية؟ وما هي السيناريوهات المتوقعة إذا استمرت العمليات العسكرية في استهداف المنشآت الحيوية أو تعطيل حركة النقل البحري؟
 
قطر تُعد أحد الأعمدة الأساسية في سوق الطاقة العالمي، ليس فقط بصفتها من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال، بل أيضاً بسبب الدور الأوسع الذي تلعبه في إنتاج عدد من المشتقات المرتبطة بصناعة الغاز والتي تدخل في قطاعات حيوية حول العالم. فالدوحة تمثل نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً، ما يجعل استقرار صادراتها عاملاً مهماً في توازن أسواق الطاقة، خصوصاً في أوروبا وآسيا. ولهذا فإن أي تصعيد أمني في الخليج، وخصوصاً بالقرب من مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية، لا يُنظر إليه كمسألة محلية، بل كعامل قد يؤثر على استقرار الاقتصاد الدولي وأسعار الطاقة عالمياً.
لكن التأثير المحتمل لا يقتصر على الغاز الطبيعي المسال وحده. فدولة قطر تُعد أيضاً أحد أهم المنتجين العالميين للهيليوم، حيث توفر ما بين 30٪ و35٪ من الإمدادات العالمية. ويكتسب هذا الغاز أهمية استراتيجية كبيرة نظراً لاستخداماته في مجالات طبية وتقنية متقدمة، مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات، إضافة إلى الصناعات الإلكترونية الدقيقة وصناعة أشباه الموصلات والتقنيات الفضائية. وبالتالي فإن أي اضطراب في إنتاج أو تصدير الهيليوم يمكن أن ينعكس مباشرة على قطاعات طبية وتكنولوجية حساسة حول العالم.
كما تلعب قطر دوراً مهماً في سوق الأسمدة العالمية، حيث تنتج نحو 5.6 مليون طن سنوياً من اليوريا، وهي مادة أساسية في دعم الإنتاج الزراعي العالمي وتستخدم كذلك في عدد من التطبيقات الصناعية. استقرار إمدادات اليوريا يعد عنصراً مهماً في استقرار أسواق الغذاء العالمية، لأن أي اضطراب في هذا القطاع يمكن أن ينعكس على تكاليف الإنتاج الزراعي وعلى أسعار المنتجات الغذائية في العديد من الدول. من هنا فإن أي تصعيد عسكري يهدد المنشآت الصناعية أو طرق الشحن في الخليج، خصوصاً في محيط مضيق هرمز، لا يهدد فقط صادرات الطاقة القطرية، بل قد يؤثر على شبكة أوسع من سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بالطاقة والصناعة والزراعة.
السيناريو الأول يتمثل في بقاء التوتر ضمن نطاق محدود، وفي هذه الحالة قد تقتصر التأثيرات على ارتفاع مؤقت في الأسعار نتيجة المخاطر الجيوسياسية. أما السيناريو الأكثر حساسية فيتمثل في احتمال استهداف منشآت الطاقة أو تعطيل كامل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة في الإمدادات العالمية وارتفاع حاد في الأسعار، نظراً لاعتماد جزء كبير من الاقتصاد العالمي على صادرات الطاقة والمنتجات المرتبطة بها من الخليج. لهذا السبب يُنظر إلى استقرار قطر وإلى استمرار تدفق صادراتها من الغاز ومشتقاته باعتباره جزءاً أساسياً من أمن الطاقة العالمي. فالقضية لا تتعلق فقط باقتصاد دولة واحدة، بل بمنظومة دولية تعتمد على استقرار الإمدادات من الخليج لضمان استمرار عمل قطاعات صناعية وطبية وزراعية في مختلف أنحاء العالم.
 
أجرى الحوار: خليل الحناشي