لعل المهتم بالسياسة الخارجية لم ينس كيف سخر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ( حكم الولايات المتحدة فيما بين 2009 و2017) كل الجهود من اجل تخليص الأراضي الامريكية من الإرهاب ودفعه عن بلاده الى الخارج وكيف قامت السلطات الامريكية باعتراف من أهلها ( شهادات من سياسيين سابقين وعسكريين سابقين وغيرها ) بزرعه في الشرق الأوسط وشمال افريقيا. وكانت الولايات المتحدة قبل ذلك مسرحا مستمرا للعمليات الإرهابية التي تنفذها جماعات إرهابية ملتحفة بالدين الإسلامي وتدّعي العمل باسم الإسلام في حين انها، والتجربة اثبتت ذلك، توجه سلاحها ضد المسلمين بدرجة أولى.
في البداية خاضت الولايات المتحدة الأمريكية حروبا باسم مواجهة الإرهاب الذي ضربها في العمق وخاصة من خلال عمليات 11 سبتمبر 2011 والتي تبناها تنظيم "القاعدة" والتي استعملت فيها طائرات انتحارية استهدفت بالخصوص برجي التجارة العالمية بمانهاتن ( نيويورك) وأيضا مقر وزارة الدفاع الأمريكي، البنتاغون، بواشنطن العاصمة، وتسببت في خسائر مادية هائلة وخسائر بشرية.
انتقام بوش
وقد قرر الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن (حكم من 2001 إلى 2009) الانتقام مباشرة ودون انتظار بشن حرب على أفغانستان التي كانت تأوي قيادات تنظيم القاعدة تلتها حرب على العراق ( حرب الخليج الثانية) في 2003 في اطار حرب استباقية اعلن عنها بوش مشيرا الى أنها تأتي في اطار ما اعتبره محاربة محور الشر وانتهت هذه الحرب بسقوط بغداد وبتدمير البنية الأساسية للبلاد وطبعا تم تسجيل خسائر هائلة في الأرواح ولم يعد الهدوء بالكامل للعراق الى اليوم.
وقد تغيرت السياسة الخارجية الامريكية بشكل كبير في عهد أوباما ( الحزب الديمقراطي الأمريكي) الذي كما سبق وذكرنا، قد قام بتحويل مسرح الاحداث الى الخارج مع الحفاظ طبعا على مقود القيادة. وقد شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا خلال حكمه فترة من اتعس الفترات في تاريخها المعاصر وذلك رغم ان وصول باراك أوباما الذي ينحدر من أصول افريقية وإسلامية – عن طريق الاب الكيني- كان يبشر بتغييرات لصالح العرب والمسلمين. لقد خابت الظنون كثيرا، اذ لم تعد الولايات المتحدة تراقب الأنظمة السياسية القائمة في بلدان الشرق الأوسط دون ان تتدخل مباشرة- على الأقل ظاهريا- وانما أحدثت زلزالا في المنطقة بشهادة جل الخبراء والمختصين من خلال ما كان يعرف بالربيع العربي. فقد استغلت الولايات المتحدة الامريكية مدعومة بالاتحاد الأوروبي حالة التململ التي كانت موجود فعلا لدى الشعوب العربية التي ترزح تحت الديكتاتورية واستثمرت فيها جيدا بأن شجعت على قيام انتفاضات انتهت بإسقاط الأنظمة الديكتاتورية بكل من تونس التي انطلقت منها موجة الغضب وليبيا ومصر واليمن، الا أن الامر لم يصل في سوريا الى حد اسقاط نظام بشار الأسد.
بؤر للنزاع بعيدا عن أراضيهم
لقد بقي الرئيس السوري في الحكم لكن اندلعت حرب أهلية وتم تحويل البلد الى بؤرة للنزاعات المسلحة وتسللت الجماعات الإرهابية الى الأراضي السورية وما حدث فيما بعد معروف، حيث تم تمزيق اوصال البلاد وتمت استباحتها من القوى الأجنبية واندلعت فيها حروب بالوكالة حكمت على البلد بالتراجع في كل المجالات وتركته يتخبط الى اليوم من اجل اصلاح ما خلفته الحرب واسترجاع سيادة البلاد التي انتهكتها القوى الأجنبية والعصابات الإرهابية المسلحة.
ولم تنج العراق من المخططات الشريرة اذ اقتنصت الجماعات الإرهابية فرصة الفوضى لتغرس سكينها في الجسد العراقي المتعب الذي انهكته الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وحلفائها لتأديب العراق على امتلاكه – كذبا طبعا- أسلحة دمار شامل.
وقد شهد العالم على الممارسات البهلوانية التي قام بها التنظيم الإرهابي داعش الذي يطلق على نفسه اسم تنظيم الدولة في العراق حتى انه كان يستهدف الشجر والحجر والبشر واستهدف بالخصوص ذاكرة العراق وتاريخه بهدم المواقع التاريخية العريقة وسرقة الأثار والتفريط فيه دون وجه حق ونفس الشيء قد حدث في سوريا حيث عبثت تنظيمات مثل جبهة النصرة داعش كما ارادت وحولت اقدم مدينة في التاريخ أي مدينة حلب الى مدينة بلا وجه.
جماعات إرهابية مزروعة
ولم يعد العالم اليوم يحتاج لأدلة على ان الولايات المتحدة الامريكية هي من صنعت الجماعات الإرهابية وهي من كانت وراء فكرة زرع أنظمة إسلامية " معتدلة " وفق المفهوم الأمريكي في البلدان التي قامت بها ثورة ومن بينها تونس التي كانت تجربة حكم الإسلاميين فيها تجربة فاشلة وواجهت البلاد هجمة غير مسبوقة من الإرهابيين وكانت فترة مليئة بالصراعات الأيديولوجية والتجاذبات السياسية مع اهمال واضح لمصالح البلاد والمواطنين، وهو ما قاد الى اعلان حركة 25 جويلية 2021 وضع فيها رئيس الجمهورية قيس سعيد حدا للمسار السياسي الذي انطلق مع أول انتخابات بعد الثورة ( أكتوبر 2011) بحله البرلمان واقالته الحكومة القائمة حينذاك لتدخل البلاد في مرحلة انتقالية مجددا انتهت بوضع دستور جديد للبلاد وانتخاب برلمان جديد واحداث مجلس منتخب للجهات والاقاليم في انتظار تتويج المسار بانتخابات رئاسية جديدة. لكن في الاثناء واجه الشعب التونسي صعوبات كبيرة ومر بمحن كثيرة وتعطل كل شيء تقريبا دون ان ننسى ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم المشاكل الاجتماعية وخاصة مشكل البطالة، ولاح في فترة ما ان بلادنا قد تحولت الى سفينة تائهة.
الاتحاد الأوروبي يحاكي النموذج الأمريكي
واليوم وبلادنا تصارع من اجل استعادة توازنها وخاصة من اجل استعادة الثقة في المستقبل ومقاومة كل الأسباب التي جعلتها ترزح تحت كم هائل من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، تجد نفسها في قلب معركة جانبية تشير كل المؤشرات الى أنها مفتعلة لكنها تدار بذكاء كبير حتى لتبدو هذه المشكلة وكأنها طوق حول عنق تونس.
نقول ذلك لان الامر متعلق بسيادة البلاد وأيضا بمصالحها في محيطها الافريقي والمشكل له علاقة أيضا بالسلم الاجتماعية.
فمن جهة من حق تونس التي وجدت نفسها في فترة وجيزة تستقبل رغما عنها جحافل من المهاجرين غير النظاميين من بلدان جنوب الصحراء وهي نظرا لخصوصيتها الجغرافية ولظروف البلد عموما غير قادرة على استيعاب ذلك الكم من المهاجرين الذين يزداد عددهم يوميا بشكل ملفت للانتباه. ولنعترف بان هناك أسئلة كثيرة تظل معلقة في علاقة بهجمة المهاجرين غير النظاميين على البلاد على غرار من هم؟ كيف تسربوا الى تونس؟ من وراءهم، ومن له مصلحة أساسا في وجودهم في تونس بهذه الكثافة وبهذا الإصرار على ان تكون بلادنا ارضا للعبور أو لإقامة عدد غير مسبوق من هؤلاء؟
الحلم الذي تحول الى كابوس
لقد كانت الولايات المتحدة وهذا امر أصبح حوله اجماع اليوم، راعية ما كان يعرف بالربيع العربي حيث لم تتردد في توظيف حلم الشعوب العربية في الانعتاق من الديكتاتورية لفرض أنظمة بديلة ليست بالضرورة نابعة من إرادة الشعوب تتقي شرها من جهة وتطمئن على مصالحها وخاصة على مصلحة الكيان الصهيوني الذي تحميه في المنطقة من جهة أخرى لتحول بذلك بتدخلها الحلم الى كابوس. اذ سرعان ما تبخر الحلم بإرساء الديمقراطية ولنجد انفسنا مجددا امام أنظمة تريد تدجين الشعب واستغلال موارده مع بيعه الأوهام واولها انه يحكم نفسه بنفسه.
واليوم يحاول الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر الوجهة المفضلة للمهاجرين غير النظاميين، النأي بنفسه عن مشاكل الهجرة غير النظامية عموما وزرعها خارج حدوده وخاصة ببلدان الضفة الجنوبية للحوض الغربي للمتوسط ومن بينها تونس. وهو يحاكي في ذلك الطريقة الامريكية. وللأسف نجد بلادنا مرة أخرى ضمن المخططات الشريرة للقوى المهيمنة في العالم، بل هي مجددا في صدارة البلدان المستهدفة. فتونس اليوم محاصرة من كل جانب. فهي من جهة مطالبة بالدفاع عن سيادة اراضيها ومواجهة كل خطر داهم وهي من جهة أخرى لديها مصالح مع محيطها الافريقي ولديها علاقات مشتركة جيدة مع جيراننا من جنوب الصحراءوواضح ان التغطية الإعلامية وخاصة منها الأجنبية لمشكل الهجرة غير النظامية بتونس تحمل الكثير من المغالطات، والهدف منها تقييد حريتها في التصرف.
ولم تقف الأمور عند ذلك، بل هناك محاولات لخلق صراع بين التونسيين أنفسهم ونعني بذلك بين التونسيين المدافعين عن وجود المهاجرين غير النظاميين من جنوب الصحراء في بلادنا لأسباب أخلاقية وإنسانية واحيانا لمجرد المساندة، وبين الرافضين بشكل راديكالي لوجودهم والمنادين بطردهم باستعمال القوة، ان لزم الأمر. كل هذا لا ينبئ بالخير ونتوقع من السلط التونسية ان تكون على قدر كبير من الحكمة للخروج من الأزمة بأخف الاضرار.
وإذ لا يمكن للملاحظ ان لا يشعر بالقلق وهو ينظر كيف تتطور الأمور في علاقة مع ملف المهاجرين غير النظاميين بتونس، خاصة في ظل محاولات لتأجيج الوضع على مواقع التواصل الاجتماعي، فإننا لا نستطيع الا ان نسلم بان بلداننا اليوم ليست الا مخبر تجارب للقوى المهيمنة في العالم. هل هو قدر ام نحن من اوصلنا أنفسنا الى هذا الوضع ؟ ذلك هو السؤال.
حياة السايب
تونس -الصباح
لعل المهتم بالسياسة الخارجية لم ينس كيف سخر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما ( حكم الولايات المتحدة فيما بين 2009 و2017) كل الجهود من اجل تخليص الأراضي الامريكية من الإرهاب ودفعه عن بلاده الى الخارج وكيف قامت السلطات الامريكية باعتراف من أهلها ( شهادات من سياسيين سابقين وعسكريين سابقين وغيرها ) بزرعه في الشرق الأوسط وشمال افريقيا. وكانت الولايات المتحدة قبل ذلك مسرحا مستمرا للعمليات الإرهابية التي تنفذها جماعات إرهابية ملتحفة بالدين الإسلامي وتدّعي العمل باسم الإسلام في حين انها، والتجربة اثبتت ذلك، توجه سلاحها ضد المسلمين بدرجة أولى.
في البداية خاضت الولايات المتحدة الأمريكية حروبا باسم مواجهة الإرهاب الذي ضربها في العمق وخاصة من خلال عمليات 11 سبتمبر 2011 والتي تبناها تنظيم "القاعدة" والتي استعملت فيها طائرات انتحارية استهدفت بالخصوص برجي التجارة العالمية بمانهاتن ( نيويورك) وأيضا مقر وزارة الدفاع الأمريكي، البنتاغون، بواشنطن العاصمة، وتسببت في خسائر مادية هائلة وخسائر بشرية.
انتقام بوش
وقد قرر الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن (حكم من 2001 إلى 2009) الانتقام مباشرة ودون انتظار بشن حرب على أفغانستان التي كانت تأوي قيادات تنظيم القاعدة تلتها حرب على العراق ( حرب الخليج الثانية) في 2003 في اطار حرب استباقية اعلن عنها بوش مشيرا الى أنها تأتي في اطار ما اعتبره محاربة محور الشر وانتهت هذه الحرب بسقوط بغداد وبتدمير البنية الأساسية للبلاد وطبعا تم تسجيل خسائر هائلة في الأرواح ولم يعد الهدوء بالكامل للعراق الى اليوم.
وقد تغيرت السياسة الخارجية الامريكية بشكل كبير في عهد أوباما ( الحزب الديمقراطي الأمريكي) الذي كما سبق وذكرنا، قد قام بتحويل مسرح الاحداث الى الخارج مع الحفاظ طبعا على مقود القيادة. وقد شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا خلال حكمه فترة من اتعس الفترات في تاريخها المعاصر وذلك رغم ان وصول باراك أوباما الذي ينحدر من أصول افريقية وإسلامية – عن طريق الاب الكيني- كان يبشر بتغييرات لصالح العرب والمسلمين. لقد خابت الظنون كثيرا، اذ لم تعد الولايات المتحدة تراقب الأنظمة السياسية القائمة في بلدان الشرق الأوسط دون ان تتدخل مباشرة- على الأقل ظاهريا- وانما أحدثت زلزالا في المنطقة بشهادة جل الخبراء والمختصين من خلال ما كان يعرف بالربيع العربي. فقد استغلت الولايات المتحدة الامريكية مدعومة بالاتحاد الأوروبي حالة التململ التي كانت موجود فعلا لدى الشعوب العربية التي ترزح تحت الديكتاتورية واستثمرت فيها جيدا بأن شجعت على قيام انتفاضات انتهت بإسقاط الأنظمة الديكتاتورية بكل من تونس التي انطلقت منها موجة الغضب وليبيا ومصر واليمن، الا أن الامر لم يصل في سوريا الى حد اسقاط نظام بشار الأسد.
بؤر للنزاع بعيدا عن أراضيهم
لقد بقي الرئيس السوري في الحكم لكن اندلعت حرب أهلية وتم تحويل البلد الى بؤرة للنزاعات المسلحة وتسللت الجماعات الإرهابية الى الأراضي السورية وما حدث فيما بعد معروف، حيث تم تمزيق اوصال البلاد وتمت استباحتها من القوى الأجنبية واندلعت فيها حروب بالوكالة حكمت على البلد بالتراجع في كل المجالات وتركته يتخبط الى اليوم من اجل اصلاح ما خلفته الحرب واسترجاع سيادة البلاد التي انتهكتها القوى الأجنبية والعصابات الإرهابية المسلحة.
ولم تنج العراق من المخططات الشريرة اذ اقتنصت الجماعات الإرهابية فرصة الفوضى لتغرس سكينها في الجسد العراقي المتعب الذي انهكته الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وحلفائها لتأديب العراق على امتلاكه – كذبا طبعا- أسلحة دمار شامل.
وقد شهد العالم على الممارسات البهلوانية التي قام بها التنظيم الإرهابي داعش الذي يطلق على نفسه اسم تنظيم الدولة في العراق حتى انه كان يستهدف الشجر والحجر والبشر واستهدف بالخصوص ذاكرة العراق وتاريخه بهدم المواقع التاريخية العريقة وسرقة الأثار والتفريط فيه دون وجه حق ونفس الشيء قد حدث في سوريا حيث عبثت تنظيمات مثل جبهة النصرة داعش كما ارادت وحولت اقدم مدينة في التاريخ أي مدينة حلب الى مدينة بلا وجه.
جماعات إرهابية مزروعة
ولم يعد العالم اليوم يحتاج لأدلة على ان الولايات المتحدة الامريكية هي من صنعت الجماعات الإرهابية وهي من كانت وراء فكرة زرع أنظمة إسلامية " معتدلة " وفق المفهوم الأمريكي في البلدان التي قامت بها ثورة ومن بينها تونس التي كانت تجربة حكم الإسلاميين فيها تجربة فاشلة وواجهت البلاد هجمة غير مسبوقة من الإرهابيين وكانت فترة مليئة بالصراعات الأيديولوجية والتجاذبات السياسية مع اهمال واضح لمصالح البلاد والمواطنين، وهو ما قاد الى اعلان حركة 25 جويلية 2021 وضع فيها رئيس الجمهورية قيس سعيد حدا للمسار السياسي الذي انطلق مع أول انتخابات بعد الثورة ( أكتوبر 2011) بحله البرلمان واقالته الحكومة القائمة حينذاك لتدخل البلاد في مرحلة انتقالية مجددا انتهت بوضع دستور جديد للبلاد وانتخاب برلمان جديد واحداث مجلس منتخب للجهات والاقاليم في انتظار تتويج المسار بانتخابات رئاسية جديدة. لكن في الاثناء واجه الشعب التونسي صعوبات كبيرة ومر بمحن كثيرة وتعطل كل شيء تقريبا دون ان ننسى ارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم المشاكل الاجتماعية وخاصة مشكل البطالة، ولاح في فترة ما ان بلادنا قد تحولت الى سفينة تائهة.
الاتحاد الأوروبي يحاكي النموذج الأمريكي
واليوم وبلادنا تصارع من اجل استعادة توازنها وخاصة من اجل استعادة الثقة في المستقبل ومقاومة كل الأسباب التي جعلتها ترزح تحت كم هائل من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، تجد نفسها في قلب معركة جانبية تشير كل المؤشرات الى أنها مفتعلة لكنها تدار بذكاء كبير حتى لتبدو هذه المشكلة وكأنها طوق حول عنق تونس.
نقول ذلك لان الامر متعلق بسيادة البلاد وأيضا بمصالحها في محيطها الافريقي والمشكل له علاقة أيضا بالسلم الاجتماعية.
فمن جهة من حق تونس التي وجدت نفسها في فترة وجيزة تستقبل رغما عنها جحافل من المهاجرين غير النظاميين من بلدان جنوب الصحراء وهي نظرا لخصوصيتها الجغرافية ولظروف البلد عموما غير قادرة على استيعاب ذلك الكم من المهاجرين الذين يزداد عددهم يوميا بشكل ملفت للانتباه. ولنعترف بان هناك أسئلة كثيرة تظل معلقة في علاقة بهجمة المهاجرين غير النظاميين على البلاد على غرار من هم؟ كيف تسربوا الى تونس؟ من وراءهم، ومن له مصلحة أساسا في وجودهم في تونس بهذه الكثافة وبهذا الإصرار على ان تكون بلادنا ارضا للعبور أو لإقامة عدد غير مسبوق من هؤلاء؟
الحلم الذي تحول الى كابوس
لقد كانت الولايات المتحدة وهذا امر أصبح حوله اجماع اليوم، راعية ما كان يعرف بالربيع العربي حيث لم تتردد في توظيف حلم الشعوب العربية في الانعتاق من الديكتاتورية لفرض أنظمة بديلة ليست بالضرورة نابعة من إرادة الشعوب تتقي شرها من جهة وتطمئن على مصالحها وخاصة على مصلحة الكيان الصهيوني الذي تحميه في المنطقة من جهة أخرى لتحول بذلك بتدخلها الحلم الى كابوس. اذ سرعان ما تبخر الحلم بإرساء الديمقراطية ولنجد انفسنا مجددا امام أنظمة تريد تدجين الشعب واستغلال موارده مع بيعه الأوهام واولها انه يحكم نفسه بنفسه.
واليوم يحاول الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر الوجهة المفضلة للمهاجرين غير النظاميين، النأي بنفسه عن مشاكل الهجرة غير النظامية عموما وزرعها خارج حدوده وخاصة ببلدان الضفة الجنوبية للحوض الغربي للمتوسط ومن بينها تونس. وهو يحاكي في ذلك الطريقة الامريكية. وللأسف نجد بلادنا مرة أخرى ضمن المخططات الشريرة للقوى المهيمنة في العالم، بل هي مجددا في صدارة البلدان المستهدفة. فتونس اليوم محاصرة من كل جانب. فهي من جهة مطالبة بالدفاع عن سيادة اراضيها ومواجهة كل خطر داهم وهي من جهة أخرى لديها مصالح مع محيطها الافريقي ولديها علاقات مشتركة جيدة مع جيراننا من جنوب الصحراءوواضح ان التغطية الإعلامية وخاصة منها الأجنبية لمشكل الهجرة غير النظامية بتونس تحمل الكثير من المغالطات، والهدف منها تقييد حريتها في التصرف.
ولم تقف الأمور عند ذلك، بل هناك محاولات لخلق صراع بين التونسيين أنفسهم ونعني بذلك بين التونسيين المدافعين عن وجود المهاجرين غير النظاميين من جنوب الصحراء في بلادنا لأسباب أخلاقية وإنسانية واحيانا لمجرد المساندة، وبين الرافضين بشكل راديكالي لوجودهم والمنادين بطردهم باستعمال القوة، ان لزم الأمر. كل هذا لا ينبئ بالخير ونتوقع من السلط التونسية ان تكون على قدر كبير من الحكمة للخروج من الأزمة بأخف الاضرار.
وإذ لا يمكن للملاحظ ان لا يشعر بالقلق وهو ينظر كيف تتطور الأمور في علاقة مع ملف المهاجرين غير النظاميين بتونس، خاصة في ظل محاولات لتأجيج الوضع على مواقع التواصل الاجتماعي، فإننا لا نستطيع الا ان نسلم بان بلداننا اليوم ليست الا مخبر تجارب للقوى المهيمنة في العالم. هل هو قدر ام نحن من اوصلنا أنفسنا الى هذا الوضع ؟ ذلك هو السؤال.