لا اعتقد أنهم أرادوا وطنا بعيدا عن وطنهم ، بقدر ما أرادوها محطة عبور لأفق أرحب ، تحديدا جنة الغرب أوروبا !!. لكن " كرم الضيافة" الأوروبي لم نره الاّ مع أصحاب البشرة البيضاء تحديدا اللّاجئين الأوكرانيين . في المشهد الأول رأينا ، حرس حدود بلدان أوروبية بيدهم وردات وما خف حمله من طعام وشراب يستقبلون العائلات الأوكرانية الهاربة من اتون حرب .. تفتح لهم البيوت والفنادق والمدارس والمطاعم وتوفّر السكريات للأطفال والقصص المصورة .. في المشهد الثاني نرى خفر سواحل وقوات أمنية مدججة بمختلف أسلحة القمع مستنفرة على الحدود بحرا وبرّا وجوا . المواقف العنصرية بالتمييز بين اللاجئين، بين ذوي البشرة البيضاء وذوي البشرات الملونة فضحت ازدواجية خطاب الغرب الذي بات مؤكدا انه ينتهج سياسة المكيالين في كلّ شيء . تونس عبر كلّ تاريخها كانت ارض كرم ولجوء وضيافة . من عليسة قرطاج الى الموريسكيين ومعهم يهود الأندلس والرّوس البيض والايطاليين والمالطيين والأشقاء الفلسطينيين والليبيين والجزائريين ، كانت أفواج دائما محل ترحاب ورعاية وحماية .
في تاريخ تونس محطات غزوات كذلك أبرزها الهلالية عندما اصطحب فيها أبو زيد إلى بلاد افريقية ، خيرة الفرسان، ومن بينهم: يحيى ومرعي ويونس. وكان المبرر هو وقوع أولئك الفتيان الثلاثة في يد الخليفة الزناتي في مدينة تونس. احتال أبو زيد وعاد إلى قومه، فما كان منهم إلا أن قاموا معه لتخليص الثلاثة وتحريرهم. ومن هنا تنبع مقولة، ان بني هلال قبيلة عربية تغلب عليها الفاطميون بعد عدائها لهم، فنقلوها إلى صعيد مصر، ثم بدا لهم أن يتخلصوا منها نهائيا.. ومن أعدائهم على ارض تونس ، فسمحوا لهم بعبور النيل. وهكذا بدأت ملحمة اكبر وأعظم زحف بشري في تاريخ منطقتنا قبل حوالي 900 سنة . كانوا مئات الآلاف من الرّحل والبدو استوطنوا بلادنا واستقرّوا فيها خاصة بمناطق الوسط . على قول كارل ماركس إن" التاريخ يعيد نفسه فى المرة الأولى كمأساة، وفى المرة الثانية كمهزلة " بما يتّجه الى هذه المآسي والمهازل الإنسانية بكل ما فيها من فوضى جنونية لم يشهدها التاريخ الحديث . كان وزير الداخلية كمال الفقي في مداخلة أمام نواب الشعب كشف بالمجلس معطيات خطيرة تخص وجود مخطط لتوطين الأفارقة في تونس من قبل منظومة ما قبل 25 جويلية والطرف المقصود في هذا الجانب واضح.
أعلن الوزير عن إجتثاث مشروع توطين الأفارقة في تونس عبر خوض صراع ومعارك شرسة انتهت بالانتصار وحذف المعايير التي تم ضبطها لجعل تونس أرض توطين. وقال وزير الداخلية : " الذين كانوا يحكمون قبل 25 جويلية 2021 وقعوا على اتفاقيات خطيرة، وأعدوا العدة كاملة لجعل تونس أرض توطين للأفارقة جنوب الصحراء في تونس " !!. يلتقي هذا الموقف مع ما يعلن في الخطاب الرسمي ويؤشَر الى غزو بشري خارجي في سياق مخططات او أجندات مشبوهة.
لا شك أن الهجرة هي إحدى القضايا السياسية الأكثر إثارة للجدل في ساحتنا السياسية الوطنية اليوم . وبعيداً عن بعدها السياسي الواضح ، فإنها تثير أيضاً قضايا أخلاقية عملية. وهذا البعد الأخلاقي ليس واضحا بذاته ،خاصة بما هو موصول في العلاقة بين الحقوق والمواطنة. ففي الواقع، لا يتم طرح الأسئلة حول أسس الحق الأخلاقي للأفراد في الحصول على التوطين بشكل عام إلى الحد الذي تشكل فيه حقيقة الحصول على نفس المواطنة عادة مقدمة لأي نقاش حول هذا الموضوع ، لكن الأمر يتعلق بما يعرف بالعضوية الاجتماعية التي تتمثل وظيفتها في التفكير في الوضع المحدد الذي يعيشه عدد معين من الأشخاص الذين، على الرغم من عدم حصولهم على حقّ الإقامة ، يمكنهم مع ذلك المطالبة بعدد معين من الحقوق. المشكل مع هذا " الغزو " من الأشقاء الأفارقة انّ تونس ليست في نهاية الأمر الا محطة عبور ، او نقطة توقف لرحلة ابعد الأخطر في حالتنا انّه اذا سافر اليها مع امرئ فأنه مقيمٌ لم يبرح . من البدء، هاجر هؤلاء في ما ليس هجرة بقدر ما هي اقتلاع ، و ضياع، و صراع مع واقع مرير ، مدفوعين إلى استبدال موطن بموطن ، بحثاً عمّا يؤجل فيهم إطلاق الصرخة المكبلة باعتبارات ليس أوّلها قداسة المكان، وليس آخرها سخرية زهر و زمان.
ابوبكر الصغير !
لا اعتقد أنهم أرادوا وطنا بعيدا عن وطنهم ، بقدر ما أرادوها محطة عبور لأفق أرحب ، تحديدا جنة الغرب أوروبا !!. لكن " كرم الضيافة" الأوروبي لم نره الاّ مع أصحاب البشرة البيضاء تحديدا اللّاجئين الأوكرانيين . في المشهد الأول رأينا ، حرس حدود بلدان أوروبية بيدهم وردات وما خف حمله من طعام وشراب يستقبلون العائلات الأوكرانية الهاربة من اتون حرب .. تفتح لهم البيوت والفنادق والمدارس والمطاعم وتوفّر السكريات للأطفال والقصص المصورة .. في المشهد الثاني نرى خفر سواحل وقوات أمنية مدججة بمختلف أسلحة القمع مستنفرة على الحدود بحرا وبرّا وجوا . المواقف العنصرية بالتمييز بين اللاجئين، بين ذوي البشرة البيضاء وذوي البشرات الملونة فضحت ازدواجية خطاب الغرب الذي بات مؤكدا انه ينتهج سياسة المكيالين في كلّ شيء . تونس عبر كلّ تاريخها كانت ارض كرم ولجوء وضيافة . من عليسة قرطاج الى الموريسكيين ومعهم يهود الأندلس والرّوس البيض والايطاليين والمالطيين والأشقاء الفلسطينيين والليبيين والجزائريين ، كانت أفواج دائما محل ترحاب ورعاية وحماية .
في تاريخ تونس محطات غزوات كذلك أبرزها الهلالية عندما اصطحب فيها أبو زيد إلى بلاد افريقية ، خيرة الفرسان، ومن بينهم: يحيى ومرعي ويونس. وكان المبرر هو وقوع أولئك الفتيان الثلاثة في يد الخليفة الزناتي في مدينة تونس. احتال أبو زيد وعاد إلى قومه، فما كان منهم إلا أن قاموا معه لتخليص الثلاثة وتحريرهم. ومن هنا تنبع مقولة، ان بني هلال قبيلة عربية تغلب عليها الفاطميون بعد عدائها لهم، فنقلوها إلى صعيد مصر، ثم بدا لهم أن يتخلصوا منها نهائيا.. ومن أعدائهم على ارض تونس ، فسمحوا لهم بعبور النيل. وهكذا بدأت ملحمة اكبر وأعظم زحف بشري في تاريخ منطقتنا قبل حوالي 900 سنة . كانوا مئات الآلاف من الرّحل والبدو استوطنوا بلادنا واستقرّوا فيها خاصة بمناطق الوسط . على قول كارل ماركس إن" التاريخ يعيد نفسه فى المرة الأولى كمأساة، وفى المرة الثانية كمهزلة " بما يتّجه الى هذه المآسي والمهازل الإنسانية بكل ما فيها من فوضى جنونية لم يشهدها التاريخ الحديث . كان وزير الداخلية كمال الفقي في مداخلة أمام نواب الشعب كشف بالمجلس معطيات خطيرة تخص وجود مخطط لتوطين الأفارقة في تونس من قبل منظومة ما قبل 25 جويلية والطرف المقصود في هذا الجانب واضح.
أعلن الوزير عن إجتثاث مشروع توطين الأفارقة في تونس عبر خوض صراع ومعارك شرسة انتهت بالانتصار وحذف المعايير التي تم ضبطها لجعل تونس أرض توطين. وقال وزير الداخلية : " الذين كانوا يحكمون قبل 25 جويلية 2021 وقعوا على اتفاقيات خطيرة، وأعدوا العدة كاملة لجعل تونس أرض توطين للأفارقة جنوب الصحراء في تونس " !!. يلتقي هذا الموقف مع ما يعلن في الخطاب الرسمي ويؤشَر الى غزو بشري خارجي في سياق مخططات او أجندات مشبوهة.
لا شك أن الهجرة هي إحدى القضايا السياسية الأكثر إثارة للجدل في ساحتنا السياسية الوطنية اليوم . وبعيداً عن بعدها السياسي الواضح ، فإنها تثير أيضاً قضايا أخلاقية عملية. وهذا البعد الأخلاقي ليس واضحا بذاته ،خاصة بما هو موصول في العلاقة بين الحقوق والمواطنة. ففي الواقع، لا يتم طرح الأسئلة حول أسس الحق الأخلاقي للأفراد في الحصول على التوطين بشكل عام إلى الحد الذي تشكل فيه حقيقة الحصول على نفس المواطنة عادة مقدمة لأي نقاش حول هذا الموضوع ، لكن الأمر يتعلق بما يعرف بالعضوية الاجتماعية التي تتمثل وظيفتها في التفكير في الوضع المحدد الذي يعيشه عدد معين من الأشخاص الذين، على الرغم من عدم حصولهم على حقّ الإقامة ، يمكنهم مع ذلك المطالبة بعدد معين من الحقوق. المشكل مع هذا " الغزو " من الأشقاء الأفارقة انّ تونس ليست في نهاية الأمر الا محطة عبور ، او نقطة توقف لرحلة ابعد الأخطر في حالتنا انّه اذا سافر اليها مع امرئ فأنه مقيمٌ لم يبرح . من البدء، هاجر هؤلاء في ما ليس هجرة بقدر ما هي اقتلاع ، و ضياع، و صراع مع واقع مرير ، مدفوعين إلى استبدال موطن بموطن ، بحثاً عمّا يؤجل فيهم إطلاق الصرخة المكبلة باعتبارات ليس أوّلها قداسة المكان، وليس آخرها سخرية زهر و زمان.