في روايته "كولستان والليل" يقدم لنا حسن سيلفاني ما اسميه أنا العالم النفسي لامرأة ذهب زوجها إلى الحرب، وما تركه هذا الغياب في نفسها و مدى تأثيرها على عالمها النفسي وعلى حياتها بشكل عام.
حيث نلاحظ منذ الصفحات الأولى لهذه الرواية القصيرة والتي لا تتجاوز 78 صفحة، نجد أنفسنا أمام امرأة تفتح ذاكرتها في المقام الأول لتروي تفاصيل علاقتها بزوجها ولكننا من خلال هذه التفاصيل الصغيرة الساكنة في عمق الذاكرة ، سنلج أيضا إلى عالمها النفسي وأحاسيسها ومشاعرها ورغباتها وأيضا شوقها واشتياقها للزوج والحبيب والسند، في ٱتون حرب لا تمثلها ولا تمثله، بل إنها حرب فرضت على شعب بأسره دون أن يكون له فيها مصلحة أو رغبة.
وقد يبدو للوهلة الأولى أننا نتحدث عن رواية رومانسية بطلتها امرأة وأم وزوجة وحبيبة، تفتقد زوجها وحبيبها تشتاق اليه تخاف أن تفقده في حرب مستعرة .
و حتى تتجاوز نوعا ما هذا الفقد ، تتحايل عليه ، تقوم بتشغيل الذاكرة ، و دائما ما يكون حيزها الزمني الليل لما فيه من رمزية كبيرة مرتبطة بالحنين والشوق ، لذلك كانت دائما تناديه وتناجيه وحيدة برفقه الليل لا ونيس لها إلا ذكرياتها.
و هنا يبرز هذا البعد النفسي لهذه المرأة حيث جعلها حسن سلفاني تتعرى بالمعنى المجازي للكلمة ذلك التعري النفسي، حيث لا تخفي ما تحسه من رغبة عاطفية وجسدية تجاه غياب وفقد زوجها وحبيبها.
لكن في العمق، هذه الرواية هي رواية تتحدث عن الحرب وتحديدا عن الوجه الآخر للحرب عن الدمار النفسي والأسري الذي يمكن أن تخلفه الحرب داخل الذات البشرية
وربما اختيار حسن سلفاني لامرأة بطلة لروايته حيث كان بإمكانه مثلا أن يجعل البطل أو الراوي رجلا يتحدث عن حرب اقتلعته من أسرته وزوجته ولكن أظن أن اختيار الكاتب للمرأة فيه رمزيه هامه جدا.
المرأة بما هي العمود الفقري للأسرة ،و كأن حسن سلفاني يريد أن يقول لنا ، انظروا ماذا يمكن أن تخلف الحرب من دمار وتحطيم داخل الأسرة التي هي النواة الأساسية للمجتمع، أي أن الحرب لا تجعلنا فقط نفقد الجنود الذين هم في النهاية آباء أزواج و أحبة إخوة وأبناء.
بل نحن نفقد أيضا مجتمعات بأسرها، مجتمعات تتفتت و تتحطم وفي أغلب الأحيان من أجل حرب لا ناقه لهم فيها ولا جمل ،حرب لا تعنيهم ولا تخصهم ولا تهدد بالمعنى الحرفي كيانهم ووجودهم.
وإن كنت أرفض حسب رأيي تصنيف هذه الرواية كرواية حب عادية أو رواية رومانسية، كما قلت سابقا مع ذلك فالحب في هذه الرواية حاضر بقوة لكن بشكل جديد ومختلف.
إنه الحب القادر وحده على هزم الموت، على هزم الحرب والدمار، الحب الذي يبقى صمام الأمان الذي يحمي النفس البشرية من التلف.
حيث يبرز البطل ولا أدري كيف أصنف موضوع البطولة في هذه الرواية ،فنحن أمام امرأة بطلة وهي "كولستان" التي نسمع صوتها الداخلي في جزء كبير من الرواية.
وهي تتحدث عن مشاعرها عن حبها عن غيرتها عن وحدتها ، عن شوقها عن خوفها .
ومن الناحية الأخرى ، يحتل "دلشاد" وهو الزوج الذي ذهب إلى الحرب ، حيزا هاما لأننا نسمع أيضا صوته الداخلي يحضر بقوة، عندما يتحدث عن مشاعره وشوقه لزوجته، وعندما يكتب لها من الجبهة، ويتحدث عن الحرب وعن تمسكه بحقه في أن يقرأ كتبه ، بل بحقه في امتلاك الكتاب داخل الجبهة وفي زمن الموت والدمار.
فنحن إذن أمام بطلان ، وأعتقد أن هذا كان اختيارا واعيا من حسن سلفاني، لأنه لم يركز على بطل واحد بل جعلنا نرى العوالم الداخلية والنفسية لامرأة ورجل زمن الحرب.
الرواية لا تخلو من لغة شعرية خاصة فيما يتعلق بالوصف ، سواء وصف الأشخاص أو الطبيعة ، كما أن حضور الشاعر عند الكاتب كان قويا، من خلال شخصية "دلشاد" الذي تم الزج به في حرب قاسية اقتلعته من أسرته وأرادت قتل الشاعر داخله.
لذلك ربما جنح سيلفاني في نهاية الرواية إلى استعمال أسلوب الرسائل واليوميات والتي جاءت مليئة بالشعرية في جلها، بل إن بعضها كانت قصائد.
ختاما، هذه الرواية و كما تدل على ذلك نهايتها المفتوحة على شرفة الحرب والغياب والفقد وربما الجنون ، يمكننا أن نعتبرها فصل من فصول الاغتراب الكردي أو الوجع الكردي، ذلك الوجع التاريخي الذي حتمته ربما الجغرافيا قبل كل شي
و الذي لا يعبر عنه بصدق إلا الأدب.
بقلم: ريم القمري
في روايته "كولستان والليل" يقدم لنا حسن سيلفاني ما اسميه أنا العالم النفسي لامرأة ذهب زوجها إلى الحرب، وما تركه هذا الغياب في نفسها و مدى تأثيرها على عالمها النفسي وعلى حياتها بشكل عام.
حيث نلاحظ منذ الصفحات الأولى لهذه الرواية القصيرة والتي لا تتجاوز 78 صفحة، نجد أنفسنا أمام امرأة تفتح ذاكرتها في المقام الأول لتروي تفاصيل علاقتها بزوجها ولكننا من خلال هذه التفاصيل الصغيرة الساكنة في عمق الذاكرة ، سنلج أيضا إلى عالمها النفسي وأحاسيسها ومشاعرها ورغباتها وأيضا شوقها واشتياقها للزوج والحبيب والسند، في ٱتون حرب لا تمثلها ولا تمثله، بل إنها حرب فرضت على شعب بأسره دون أن يكون له فيها مصلحة أو رغبة.
وقد يبدو للوهلة الأولى أننا نتحدث عن رواية رومانسية بطلتها امرأة وأم وزوجة وحبيبة، تفتقد زوجها وحبيبها تشتاق اليه تخاف أن تفقده في حرب مستعرة .
و حتى تتجاوز نوعا ما هذا الفقد ، تتحايل عليه ، تقوم بتشغيل الذاكرة ، و دائما ما يكون حيزها الزمني الليل لما فيه من رمزية كبيرة مرتبطة بالحنين والشوق ، لذلك كانت دائما تناديه وتناجيه وحيدة برفقه الليل لا ونيس لها إلا ذكرياتها.
و هنا يبرز هذا البعد النفسي لهذه المرأة حيث جعلها حسن سلفاني تتعرى بالمعنى المجازي للكلمة ذلك التعري النفسي، حيث لا تخفي ما تحسه من رغبة عاطفية وجسدية تجاه غياب وفقد زوجها وحبيبها.
لكن في العمق، هذه الرواية هي رواية تتحدث عن الحرب وتحديدا عن الوجه الآخر للحرب عن الدمار النفسي والأسري الذي يمكن أن تخلفه الحرب داخل الذات البشرية
وربما اختيار حسن سلفاني لامرأة بطلة لروايته حيث كان بإمكانه مثلا أن يجعل البطل أو الراوي رجلا يتحدث عن حرب اقتلعته من أسرته وزوجته ولكن أظن أن اختيار الكاتب للمرأة فيه رمزيه هامه جدا.
المرأة بما هي العمود الفقري للأسرة ،و كأن حسن سلفاني يريد أن يقول لنا ، انظروا ماذا يمكن أن تخلف الحرب من دمار وتحطيم داخل الأسرة التي هي النواة الأساسية للمجتمع، أي أن الحرب لا تجعلنا فقط نفقد الجنود الذين هم في النهاية آباء أزواج و أحبة إخوة وأبناء.
بل نحن نفقد أيضا مجتمعات بأسرها، مجتمعات تتفتت و تتحطم وفي أغلب الأحيان من أجل حرب لا ناقه لهم فيها ولا جمل ،حرب لا تعنيهم ولا تخصهم ولا تهدد بالمعنى الحرفي كيانهم ووجودهم.
وإن كنت أرفض حسب رأيي تصنيف هذه الرواية كرواية حب عادية أو رواية رومانسية، كما قلت سابقا مع ذلك فالحب في هذه الرواية حاضر بقوة لكن بشكل جديد ومختلف.
إنه الحب القادر وحده على هزم الموت، على هزم الحرب والدمار، الحب الذي يبقى صمام الأمان الذي يحمي النفس البشرية من التلف.
حيث يبرز البطل ولا أدري كيف أصنف موضوع البطولة في هذه الرواية ،فنحن أمام امرأة بطلة وهي "كولستان" التي نسمع صوتها الداخلي في جزء كبير من الرواية.
وهي تتحدث عن مشاعرها عن حبها عن غيرتها عن وحدتها ، عن شوقها عن خوفها .
ومن الناحية الأخرى ، يحتل "دلشاد" وهو الزوج الذي ذهب إلى الحرب ، حيزا هاما لأننا نسمع أيضا صوته الداخلي يحضر بقوة، عندما يتحدث عن مشاعره وشوقه لزوجته، وعندما يكتب لها من الجبهة، ويتحدث عن الحرب وعن تمسكه بحقه في أن يقرأ كتبه ، بل بحقه في امتلاك الكتاب داخل الجبهة وفي زمن الموت والدمار.
فنحن إذن أمام بطلان ، وأعتقد أن هذا كان اختيارا واعيا من حسن سلفاني، لأنه لم يركز على بطل واحد بل جعلنا نرى العوالم الداخلية والنفسية لامرأة ورجل زمن الحرب.
الرواية لا تخلو من لغة شعرية خاصة فيما يتعلق بالوصف ، سواء وصف الأشخاص أو الطبيعة ، كما أن حضور الشاعر عند الكاتب كان قويا، من خلال شخصية "دلشاد" الذي تم الزج به في حرب قاسية اقتلعته من أسرته وأرادت قتل الشاعر داخله.
لذلك ربما جنح سيلفاني في نهاية الرواية إلى استعمال أسلوب الرسائل واليوميات والتي جاءت مليئة بالشعرية في جلها، بل إن بعضها كانت قصائد.
ختاما، هذه الرواية و كما تدل على ذلك نهايتها المفتوحة على شرفة الحرب والغياب والفقد وربما الجنون ، يمكننا أن نعتبرها فصل من فصول الاغتراب الكردي أو الوجع الكردي، ذلك الوجع التاريخي الذي حتمته ربما الجغرافيا قبل كل شي