إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مستقبل الذكاء الاصطناعي في الصحافة: هل يقتحم الخوارزمي صناعة أخبار وكالات الأنباء

 

 

بقلم د. الصحراوي قمعون (*)

     يبدو الخوارزمي مصمما على اقتحام عالم صناعة الأخبار وتقنيات تحريرها في وكالات الأنباء، مسلحا بآليات الذكاء الصناعي وبرمجياته الخوارزمية التي أرساها، وبفضلها أصبح يتحكم اليوم بعد ألف سنة من وضعها في بيت الحكمة في بغداد، في مجمل نواحي الحياة العصرية المعقدة بالتكنولوجيا المتطورة الأرضية والفضائية في كل لحظة وحين .

   وقد جاء الروبوت مولد النصوص التحريرية "تشات جي بي تي" في نسخته الجديدة ليفتح الباب باحتشام أمام غزو عالم الصحافة بواسطة الذكاء الاصطناعي الذي غزا وفتح كل نواحي الحياة والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في العالم المصنع خاصة. وأصبحت اليوم المصطلحات المتداولة في قاعات التحرير و" النيوز روم" في كل المجتمعات متكونة من العبارات التالية : خوارزميات- ذكاء اصطناعي توليدي - البيانات-المدخلات التوليدية الخاصة بالنصوص والصور- الأكواد البرمجية – تصميم المنتجات الكتابية – تطبيقات الذكاء –هندسة الأوامر – صانعو المحتوى – أدمين الصفحة - قوالب الأكواد..إلخ. كلها مصطلحات غير تقنية خاصة بالمهندسين ، بل هي مرتبطة بصناعة محتوى إعلامي وصحفي جديد في دنيا الذكاء الصناعي التوليدي للنصوص التحريرية، تدخل يوميا إلى استعمالات اللغة العربية بكل احتشام وتؤدة وتفرض نفسها على الصحافيين وقاعات التحرير العربية، ماضية قدما نحو تحقيق الانتقال الرقمي الذي طال وصوله إلى الصحافة العربية، مقارنة بمثيلاتها في العالم المتقدم، سواء الأورو- أمريكي أو في البلدان المتقدمة في أسيا خاصة المعوّلة على لغاتها الوطنية في تحقيق الانتقال الرقمي الصحفي. وهذه المصطلحات التحريرية أخذت مكان المصطلحات القديمة في الصحافة العربية وهي على التوالي: "رئيس قلم التحرير" ثم "رئيس التحرير" ثم "سكرتير التحرير"، وأخيرا "أدمين التحرير والصفحات" في العصر الالكتروني.

   وإذا كانت هذه المصطلحات الخوارزمية الجديدة المخلوقة بالضرورة مرتبطة بمدى الانتقال الرقمي الذي شمل كل مناحي الحياة في الدول المتقدمة ، فان حتمية التطور في مجال الكتابة الصحفية يمكن أن يخرج عن جدلية التطور والانحطاط وهي الجدلية التي تترك العالم العربي في مرتبة دنيا من التطور الصناعي والاقتصادي، يقابلها نفس المرتبة في مجال التطور الرقمي في المجال الصحفي والإبداعي في مجال الكتابة .

   وفي انتظار تحقق ذلك الانتقال الحتمي تبدو وكالات الأنباء هي الحلقة الأضعف التي يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تقتحم بها عالم التوليد التحريري لدنيا الصحافة التي تستعصي عليه وتتعثر في القطاعات الأخرى للصحافة المكتوبة والمسموعة أو المرئية أو الالكترونية التي تتطلب من الروبوت التحريري تمرسا مهنيا وتحريريا يتداخل فيه الإبداع الصحفي مع الذاتية وخصوصية القلم والأسلوب الجذاب لكل صحفي .

أما صناعة خبر وكالة الأنباء فهو يخضع لمواصفات يقدر الذكاء الاصطناعي أن يمرق منها وينافس فيها الصحافي الوكالاتي، لأن تحرير الوكالة قائم على الإخبار الموجز والتحرير المضبوط بعدد كلمات محددة لكل جنس من أجناس الصحافة الوكالاتية وهي الخبر العاجل والخبر الموسع والمؤطر والتذكير والنبذة الموسعة والنبذة الإكسبراس.. وهي أصناف يقدر عليها روبوت توليد الأخبار وتصبح أكثر صعوبة في أجناس صحفية أخرى يدخل فيها وصف المشاعر والذاتية الوردية أو السوداء وتركيب المعلومات المتناقضة.

وينتاب الصحفي البشري من لحم ودم وروح، خوفٌ من مزاحمة زملائه الروبوتيين القادمين على مهل، وهم لا لحم أو دم أو روح أو مشاعر لهم سوى محركات ونوابض ميكانيكية أخفاها الإكساء الإخراجي والماكياج لروبوتات جميلات ووسيمين يقومون بأعمال صحفية في النقل الخبري أو قراءة الأخبار إذاعيا أو تلفزيونيا أو إجراء حوارات في الأستوديو بكل تفاعلية .

    ويجدر التذكير بأن عدة صحف غربية مثل "الغارديان" البريطانية أو "واشنطن بوست" و"نيويوك تايمز" الامريكيتين قامت خلال الفترة الاخيرة بنشر مقالات وتحاليل من إنتاج الروبوت مولد النصوص الصحفية. كما قامت وكالة الأنباء الأمريكية "أسوشياتد براس" بصياغة بيانات إحصائيات العمليات المالية للشركات الكبرى في أمريكا واستخراج مادة برقيات تحريرية منها صاغها الروبوت الخوارزمي بكل دقة وسرعة تتجاوز سرعة الإنتاج البشري الوكالاتي المختص . وقد استخرج الروبوت من هذه البيانات أخبارا وكالاتية وقصصا إخبارية ومؤطرات صحفية حسب الطلب، طبق ما برمجه له رئيس الداسك الإخباري الخوارزمي من طلبية تحريرية لمختلف حرفاء الوكالة الصحفية التي تنتج عادة أخبارا ثابتة ترد على الاسئلة التقليدية الاساسية للخبر الوكالاتي الصحفي وهي: من- ماذا- متى- أين ،التي تشكل العمود الفقري للعمل الصحفي الوكالاتي، وتترك للصحف سؤالي كيف؟ ولماذا؟ .

  ويطرح هذا التطور في عمل الوكالات العالمية أو الوطنية أو الإقليمية إشكاليات الاستعانة بخوارزميات توضع للغرض وتسمح للوكالة بإنتاج كمّ غير محدود من الأخبار والقصص الإخبارية بتكلفة محدودة وتنافسية عليا في وقت أسرع بكثير من الوقت الذي يتطلبه العمل البشري الوكالاتي، خاصة وأن إعداد وصياغة البرقية الإخبارية الوكالاتية يخضع لقواعد وشروط هي أقرب ما تكون في المجال الصحفي من الروبوت التوليدي، لأنها تعتمد القصة الموجزة المحنطة والمكررة في أسلوبها وتسلسل فقراتها الإخبارية المستندة إلى مصدر الخبر وتفاصيل باقي المصادر التي يستشهد بها كاتب البرقية التي تكون شاملة وعامة مُعدّة لتستهلك من طرف أقصى ما يمكن من المتلقين والحرفاء المشتركين من الصحف اليومية أو الدورية أو الإذاعات أو التلفزيونات الاخبارية، أو باقي المواقع الالكترونية . وهكذا تكون صحافة وكالة الانباء اقرب ما تكون إلي الصياغة الروبوتية الصالحة لكل زمان ومكان ولكل الأجناس الصحفية كمادة خام لديها .

    وتبدو برقيات وكالات الأنباء الحالية، غير الممضاة دائما، وهي مبثوثة في صفحات الصحف اليومية السيارة وكأنها الصحافة الآلية القادمة من عصر الذكاء الاصطناعي بالمقارنة مع المقالات الممضاة من صحفيي الصحيفة والتي تنبض حياة وإبداعا وخصوصية قلمية لكل صحفي بشري مختال حد النرجسية بقلمه السيّال المتنوع، وفيه نرجسية المبدع المقموعة لدى الصحافي الوكالاتي، صاحب القلم الجاف والذي يكون اسمه مغمورا وهو الذي يؤثث ببرقياته صفحات الصحف السيارة ، ويجازى جزاء سنمار في مجال الشهرة في المجتمع وحتى في الوسط الصحفي الضيق.

      في خضم التحديات الخوارزمية الماثلة اليوم وغدا أمام وكالات الأنباء، تظل هذه الأخيرة قاطرة الإعلام والصحافة. وقد حققت انتقالها الرقمي مع الوكالات العالمية البارزة وهي الفرنسية "فرانس براس" والبريطانية "رويتر" والأمريكية "أسوشياتد براس"، بعد تنويع منجاتها الإخبارية ضمانا للتنافسية والتواجد علي الساحة الصحفية . وكان ينتظر أن تقضي عليها شبكات التواصل الاجتماعي التي بدت للبعض أنها تهددها في عنصر الأنية والخبر العاجل، بعد أن أتاحت لكل مستعملي تلك الشبكات أن يصبحوا متلقين وباثين للرسالة الاعلامية ، كصحافيي وكالات أنباء فلكلورية مزعومة ووهمية تنشر الغث والسمين كيفما جاء، لتكذبها الوقائع في اللحظة نفسها أو فيما بعد التثبت الوكالاتي الواثق من حرفيته. ولكن الوكالة بقيت مصدر الخبر العاجل السريع المتحقق من صحته ومصداقيته. وتمكنت من تثبيت مواقعها مع ظهور الذكاء الاصطناعي المهدد لها أكثر من غيرها من وسائل الإعلام . وقد نوعت منتجاتها التي أصبحت تضم الخبر الجاف والموسع والفِتشر الملون، فاكهة الصحافة، وكذلك الصور والفيديو وصحافة الموبايل متماهيّة بذلك مع الوسائط السمعية البصرية المدعومة بجرعات من الخوارزميات التي يعول عليها في توفير توثيق سريع مساند للتحرير الصحفي الشامل والجاهز للاستعمال الفوري من كل وسائل الإعلام التقليدية والمستحدثة في سباق مع الزمن، كمن يكون في مركبة فضائية مأهولة. وأعطى ذلك لوكالات الأنباء النبيلة والارستقراطية حياة جديدة ومجدا إخباريا منذ انشائها عام 1830 .

  ومع الزمن المقدر اليوم بالسنوات، بعد أن كان في السابق مقدرا بالعشريات أو بالقرون، تبيّن أن وسائل الإعلام التقليدية لم يقض عليها الأنترنات أو شبكات التواصل الاجتماعي أو روبوتات توليد النصوص الصحفية، بل هي أضافت لها حياة جديدة ، خرجت مثل طائر العنقاء من تحت الرماد لتعطي للصحافة، مرآة المجتمعات المختلفة، إضافة جديدة قلصت في زمن وقت النشر المتزامن مع التثبت في صحة الخبر والمعلومات الواردة فيه أو في المقال التحليلي أو الإخباري مع إضفاء المسحة الإنسانية على النص الجديد وما فيه من إبداع ونقد ووصف دقيق لما يشاهد بالعين المجردة او الكاميرا مع الحبكة التحريرية التي يتميز بها كل صحفي عن زميله أو أي مخرج أو مبدع عن الأخر . وهذا ما مازال يفتقده إلى الأن الروبوت الصناعي المتحكم فيه من خوارزميات أبي عبد الله الخوارزمي، الذي قيده بضوابط رياضية جبرية وأخلاقية، ماسكا روحه عنده .

*صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة

 

 

 

 مستقبل الذكاء الاصطناعي في الصحافة:  هل يقتحم الخوارزمي صناعة أخبار وكالات الأنباء

 

 

بقلم د. الصحراوي قمعون (*)

     يبدو الخوارزمي مصمما على اقتحام عالم صناعة الأخبار وتقنيات تحريرها في وكالات الأنباء، مسلحا بآليات الذكاء الصناعي وبرمجياته الخوارزمية التي أرساها، وبفضلها أصبح يتحكم اليوم بعد ألف سنة من وضعها في بيت الحكمة في بغداد، في مجمل نواحي الحياة العصرية المعقدة بالتكنولوجيا المتطورة الأرضية والفضائية في كل لحظة وحين .

   وقد جاء الروبوت مولد النصوص التحريرية "تشات جي بي تي" في نسخته الجديدة ليفتح الباب باحتشام أمام غزو عالم الصحافة بواسطة الذكاء الاصطناعي الذي غزا وفتح كل نواحي الحياة والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية في العالم المصنع خاصة. وأصبحت اليوم المصطلحات المتداولة في قاعات التحرير و" النيوز روم" في كل المجتمعات متكونة من العبارات التالية : خوارزميات- ذكاء اصطناعي توليدي - البيانات-المدخلات التوليدية الخاصة بالنصوص والصور- الأكواد البرمجية – تصميم المنتجات الكتابية – تطبيقات الذكاء –هندسة الأوامر – صانعو المحتوى – أدمين الصفحة - قوالب الأكواد..إلخ. كلها مصطلحات غير تقنية خاصة بالمهندسين ، بل هي مرتبطة بصناعة محتوى إعلامي وصحفي جديد في دنيا الذكاء الصناعي التوليدي للنصوص التحريرية، تدخل يوميا إلى استعمالات اللغة العربية بكل احتشام وتؤدة وتفرض نفسها على الصحافيين وقاعات التحرير العربية، ماضية قدما نحو تحقيق الانتقال الرقمي الذي طال وصوله إلى الصحافة العربية، مقارنة بمثيلاتها في العالم المتقدم، سواء الأورو- أمريكي أو في البلدان المتقدمة في أسيا خاصة المعوّلة على لغاتها الوطنية في تحقيق الانتقال الرقمي الصحفي. وهذه المصطلحات التحريرية أخذت مكان المصطلحات القديمة في الصحافة العربية وهي على التوالي: "رئيس قلم التحرير" ثم "رئيس التحرير" ثم "سكرتير التحرير"، وأخيرا "أدمين التحرير والصفحات" في العصر الالكتروني.

   وإذا كانت هذه المصطلحات الخوارزمية الجديدة المخلوقة بالضرورة مرتبطة بمدى الانتقال الرقمي الذي شمل كل مناحي الحياة في الدول المتقدمة ، فان حتمية التطور في مجال الكتابة الصحفية يمكن أن يخرج عن جدلية التطور والانحطاط وهي الجدلية التي تترك العالم العربي في مرتبة دنيا من التطور الصناعي والاقتصادي، يقابلها نفس المرتبة في مجال التطور الرقمي في المجال الصحفي والإبداعي في مجال الكتابة .

   وفي انتظار تحقق ذلك الانتقال الحتمي تبدو وكالات الأنباء هي الحلقة الأضعف التي يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي أن تقتحم بها عالم التوليد التحريري لدنيا الصحافة التي تستعصي عليه وتتعثر في القطاعات الأخرى للصحافة المكتوبة والمسموعة أو المرئية أو الالكترونية التي تتطلب من الروبوت التحريري تمرسا مهنيا وتحريريا يتداخل فيه الإبداع الصحفي مع الذاتية وخصوصية القلم والأسلوب الجذاب لكل صحفي .

أما صناعة خبر وكالة الأنباء فهو يخضع لمواصفات يقدر الذكاء الاصطناعي أن يمرق منها وينافس فيها الصحافي الوكالاتي، لأن تحرير الوكالة قائم على الإخبار الموجز والتحرير المضبوط بعدد كلمات محددة لكل جنس من أجناس الصحافة الوكالاتية وهي الخبر العاجل والخبر الموسع والمؤطر والتذكير والنبذة الموسعة والنبذة الإكسبراس.. وهي أصناف يقدر عليها روبوت توليد الأخبار وتصبح أكثر صعوبة في أجناس صحفية أخرى يدخل فيها وصف المشاعر والذاتية الوردية أو السوداء وتركيب المعلومات المتناقضة.

وينتاب الصحفي البشري من لحم ودم وروح، خوفٌ من مزاحمة زملائه الروبوتيين القادمين على مهل، وهم لا لحم أو دم أو روح أو مشاعر لهم سوى محركات ونوابض ميكانيكية أخفاها الإكساء الإخراجي والماكياج لروبوتات جميلات ووسيمين يقومون بأعمال صحفية في النقل الخبري أو قراءة الأخبار إذاعيا أو تلفزيونيا أو إجراء حوارات في الأستوديو بكل تفاعلية .

    ويجدر التذكير بأن عدة صحف غربية مثل "الغارديان" البريطانية أو "واشنطن بوست" و"نيويوك تايمز" الامريكيتين قامت خلال الفترة الاخيرة بنشر مقالات وتحاليل من إنتاج الروبوت مولد النصوص الصحفية. كما قامت وكالة الأنباء الأمريكية "أسوشياتد براس" بصياغة بيانات إحصائيات العمليات المالية للشركات الكبرى في أمريكا واستخراج مادة برقيات تحريرية منها صاغها الروبوت الخوارزمي بكل دقة وسرعة تتجاوز سرعة الإنتاج البشري الوكالاتي المختص . وقد استخرج الروبوت من هذه البيانات أخبارا وكالاتية وقصصا إخبارية ومؤطرات صحفية حسب الطلب، طبق ما برمجه له رئيس الداسك الإخباري الخوارزمي من طلبية تحريرية لمختلف حرفاء الوكالة الصحفية التي تنتج عادة أخبارا ثابتة ترد على الاسئلة التقليدية الاساسية للخبر الوكالاتي الصحفي وهي: من- ماذا- متى- أين ،التي تشكل العمود الفقري للعمل الصحفي الوكالاتي، وتترك للصحف سؤالي كيف؟ ولماذا؟ .

  ويطرح هذا التطور في عمل الوكالات العالمية أو الوطنية أو الإقليمية إشكاليات الاستعانة بخوارزميات توضع للغرض وتسمح للوكالة بإنتاج كمّ غير محدود من الأخبار والقصص الإخبارية بتكلفة محدودة وتنافسية عليا في وقت أسرع بكثير من الوقت الذي يتطلبه العمل البشري الوكالاتي، خاصة وأن إعداد وصياغة البرقية الإخبارية الوكالاتية يخضع لقواعد وشروط هي أقرب ما تكون في المجال الصحفي من الروبوت التوليدي، لأنها تعتمد القصة الموجزة المحنطة والمكررة في أسلوبها وتسلسل فقراتها الإخبارية المستندة إلى مصدر الخبر وتفاصيل باقي المصادر التي يستشهد بها كاتب البرقية التي تكون شاملة وعامة مُعدّة لتستهلك من طرف أقصى ما يمكن من المتلقين والحرفاء المشتركين من الصحف اليومية أو الدورية أو الإذاعات أو التلفزيونات الاخبارية، أو باقي المواقع الالكترونية . وهكذا تكون صحافة وكالة الانباء اقرب ما تكون إلي الصياغة الروبوتية الصالحة لكل زمان ومكان ولكل الأجناس الصحفية كمادة خام لديها .

    وتبدو برقيات وكالات الأنباء الحالية، غير الممضاة دائما، وهي مبثوثة في صفحات الصحف اليومية السيارة وكأنها الصحافة الآلية القادمة من عصر الذكاء الاصطناعي بالمقارنة مع المقالات الممضاة من صحفيي الصحيفة والتي تنبض حياة وإبداعا وخصوصية قلمية لكل صحفي بشري مختال حد النرجسية بقلمه السيّال المتنوع، وفيه نرجسية المبدع المقموعة لدى الصحافي الوكالاتي، صاحب القلم الجاف والذي يكون اسمه مغمورا وهو الذي يؤثث ببرقياته صفحات الصحف السيارة ، ويجازى جزاء سنمار في مجال الشهرة في المجتمع وحتى في الوسط الصحفي الضيق.

      في خضم التحديات الخوارزمية الماثلة اليوم وغدا أمام وكالات الأنباء، تظل هذه الأخيرة قاطرة الإعلام والصحافة. وقد حققت انتقالها الرقمي مع الوكالات العالمية البارزة وهي الفرنسية "فرانس براس" والبريطانية "رويتر" والأمريكية "أسوشياتد براس"، بعد تنويع منجاتها الإخبارية ضمانا للتنافسية والتواجد علي الساحة الصحفية . وكان ينتظر أن تقضي عليها شبكات التواصل الاجتماعي التي بدت للبعض أنها تهددها في عنصر الأنية والخبر العاجل، بعد أن أتاحت لكل مستعملي تلك الشبكات أن يصبحوا متلقين وباثين للرسالة الاعلامية ، كصحافيي وكالات أنباء فلكلورية مزعومة ووهمية تنشر الغث والسمين كيفما جاء، لتكذبها الوقائع في اللحظة نفسها أو فيما بعد التثبت الوكالاتي الواثق من حرفيته. ولكن الوكالة بقيت مصدر الخبر العاجل السريع المتحقق من صحته ومصداقيته. وتمكنت من تثبيت مواقعها مع ظهور الذكاء الاصطناعي المهدد لها أكثر من غيرها من وسائل الإعلام . وقد نوعت منتجاتها التي أصبحت تضم الخبر الجاف والموسع والفِتشر الملون، فاكهة الصحافة، وكذلك الصور والفيديو وصحافة الموبايل متماهيّة بذلك مع الوسائط السمعية البصرية المدعومة بجرعات من الخوارزميات التي يعول عليها في توفير توثيق سريع مساند للتحرير الصحفي الشامل والجاهز للاستعمال الفوري من كل وسائل الإعلام التقليدية والمستحدثة في سباق مع الزمن، كمن يكون في مركبة فضائية مأهولة. وأعطى ذلك لوكالات الأنباء النبيلة والارستقراطية حياة جديدة ومجدا إخباريا منذ انشائها عام 1830 .

  ومع الزمن المقدر اليوم بالسنوات، بعد أن كان في السابق مقدرا بالعشريات أو بالقرون، تبيّن أن وسائل الإعلام التقليدية لم يقض عليها الأنترنات أو شبكات التواصل الاجتماعي أو روبوتات توليد النصوص الصحفية، بل هي أضافت لها حياة جديدة ، خرجت مثل طائر العنقاء من تحت الرماد لتعطي للصحافة، مرآة المجتمعات المختلفة، إضافة جديدة قلصت في زمن وقت النشر المتزامن مع التثبت في صحة الخبر والمعلومات الواردة فيه أو في المقال التحليلي أو الإخباري مع إضفاء المسحة الإنسانية على النص الجديد وما فيه من إبداع ونقد ووصف دقيق لما يشاهد بالعين المجردة او الكاميرا مع الحبكة التحريرية التي يتميز بها كل صحفي عن زميله أو أي مخرج أو مبدع عن الأخر . وهذا ما مازال يفتقده إلى الأن الروبوت الصناعي المتحكم فيه من خوارزميات أبي عبد الله الخوارزمي، الذي قيده بضوابط رياضية جبرية وأخلاقية، ماسكا روحه عنده .

*صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة