أعادت قضية محاكمة النقابيين في صفاقس إلى الواجهة موضوع علاقة الاتحاد والحكومة التي تميزت بعد 25 جويلية بخيار "المهادنة" من قبل المنظمة الشغيلة مقابل تجاهل يكاد يكون تاما اعتمدته السلطة مع المركزية النقابية تماما كما هو الشأن مع بقية الأجسام الوسيطة من منظمات وأحزاب.
بل أكثر من ذلك بدا تعامل السلطة متماهيا مع مواقف جزء كبير من التونسيين يحملون الاتحاد جزءا من مسؤولية مآل الأوضاع في البلاد على امتداد العشر سنوات ما قبل 25 جويلية.
واليوم تزامنا مع قضية محاكمة النقابيين في صفاقس وإعلان الاتحاد "الدخول في سلسلة من الإضرابات القطاعية التضامنية تتوج بإضراب جهوي عام تضامنا مع النقابيين الموقوفين ودفاعا عن المنظمة الشغيلة”، وعودة بعض التصريحات التصعيدية من قبل المركزية النقابية تتهم السلطة باستهداف العمل النقابي، يطرح البعض سؤالا محوريا هل يستعد الاتحاد للتخلي عن خيار المهادنة مع السلطة والنضال في صمت؟ أم أن الأمر لا يتعدى مجرد محاولات لحفظ ماء الوجه في ظل واقع تبدو فيه رياح السلطة واتجاه الرأي العام عكس بوصلة الاتحاد، الذي فقد الكثير من تأثيره في الفعل السياسي كما في المفاوضات والملفات الاجتماعية العالقة؟
تصريحات الطبوبي
لا تبدو تصريحات الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي في وارد البحث عن تصعيد ما مع السلطة وهو الذي تحدث سابقا عن خيار النضال في صمت. وسعى الطبوبي منذ بداية الأزمة في صفاقس إلى التأكيد على عدم رغبة المنظمة في الانسياق وراء منطق التصادم. فقد أكد في كلمة بمناسبة إحياء ذكرى أحداث النفيضة (21 نوفمبر 1950) أن "هناك من يريد جرنا إلى مربع معين هو مربع التصادم، وأنا أقول لستم بأهل التصادم فنحن مثلما قلت قوة خير واقتراح وقوة نضال..".
مضيفا "نريد أن نستثمر في خلق الثروة وفي القدرات البشرية، لا أن نستثمر في السجون… فالسجون ليست هي الحل وإنما الحل يكمن في من يوجه شعبه بخيارات سياسية واقعية واقتصادية واجتماعية واقعية، ومن يوحد الناس حول مضامين وخيارات تؤدي إلى تأسيس نظام مدني حقيقي والى دولة مدنية ديمقراطية".
وكرر الطبوبي أمس في افتتاح أعمال الهيئة الإدارية الاستثنائية للاتحاد بالحمامات تعقيبا على إحالة نقابيي صفاقس على القضاء "واهم من يريد أن يجرنا إلى مربع التصادم وإلهاء التونسيين والاتحاد عن القضايا الحقيقية وفي مقدمتها الظروف الاجتماعية الصعبة وفقدان المواد الغذائية والأزمة الاقتصادية لأن الاتحاد بوصلته ومنهجيته واضحة ويعرف كيف يدافع عن قضاياه بالطرق القانونية والشرعية"، حسب تقديره.
واعتبر نور الدين الطبوبي أن استهداف جهة صفاقس برمزيتها الكبيرة وهي جهة التأسيس النقابي وتواصل ممارسات استفزاز الإتحاد لم يقابله النقابيون إلّا بتضامن نقابي أقوى والتفاف حول منظمتهم..".
بدوره اعتبر الناطق الرسمي باسم الاتحاد سامي الطاهري، أن "القضية تمت بتعليمات من أصحاب القرار بهدف الدفعِ للتصادم".
مؤكدا في المقابل "أن الاتحاد يدفع ثمن مواقفه من المرسوم 117 وما جاء بعده من إجراءات وانتقاده لإجراءات التفاوض مع صندوق النقد الدولي وأيضًا بسبب موقفه من دستور 2022 وعديد القضايا الاقتصادية والاجتماعية".
وقال الطاهري "نحن في الاتحاد مقتنعون بسعي محموم لهرسلة الاتحاد بالمحاكمات من أجل إشغاله عن القضايا الحقيقية على غرار مسألة الدعم والمؤسسات العمومية والديون الخارجية والميزانية والفقر والبطالة وارتفاع الأسعار"، مضيفا "هم لا يريدون أن تلعب المنظمة الشغيلة دورها الوطني ولكنها ستضطلع بهذا الدور رغم كل العراقيل التي هي ممارسات ممنهجة وحيل مفبركة"، على حد قوله.
ملفات عالقة
كما تؤكد تصريحات الطاهري أن الحكومة متمادية منذ فترة في إقصاء المنظمة من كل حوار أو تفاوض. كما تظل عديد الملفات عالقة بين الاتحاد والحكومة لاسيما تلك المتعلقة بالإصلاحات الكبرى في مجال الدعم والمؤسسات العمومية ووضعية الصناديق الاجتماعية ..
ورغم دعوات المنظمة مرارا وتكرارا إلى فتح باب التفاوض الجدي إلا أن الحكومة لا تكترث وتؤكد إقصاء الاتحاد في إعداد ميزانية 2024، ففي سبتمبر الفارط حذّر الاتحاد العام التونسي للشغل في بيان عقب اجتماع موسع لمكتبه التنفيذي من "انفجار اجتماعي وشيك نتيجة استمرار السياسة الاقتصادية للدولة"، داعيًا الحكومة إلى مفاوضات جديدة بشأن مطالب العمال ولاسيما على مستوى الأجور.
وطالب الاتحاد "بالمشاركة الفعلية في مناقشة ميزانية البلاد للسنة المقبلة، منتقداً انفراد حكومة أحمد الحشاني بالأمر، والتستر على كل مراحل إعداد الميزانية وعدم الإفصاح عن مكوناتها وعن مصادر التمويل المنتظرة والمحتملة".
وصرح سامي الطاهري مؤخرا بأن "الحكومة تصوغ مشروع قانون المالية لسنة 2024 بطريقة انفرادية، وفي غرف مظلمة حتى يتم عرضه على البرلمان دون مشاركة الأطراف الاجتماعية".
ورغم انقطاع التواصل وغلق باب التفاوض، يرجح كثيرون أن هامش التحرك محدود لدى المنظمة الشغيلة في الظرف الراهن، كما أن التلويح بالإضرابات على غرار الإضراب الجهوي في صفاقس تعرض لانتقادات كبيرة والاتحاد يبدو على وعي تام بأن التصعيد قد يكلفه الكثير.
م.ي
تونس-الصباح
أعادت قضية محاكمة النقابيين في صفاقس إلى الواجهة موضوع علاقة الاتحاد والحكومة التي تميزت بعد 25 جويلية بخيار "المهادنة" من قبل المنظمة الشغيلة مقابل تجاهل يكاد يكون تاما اعتمدته السلطة مع المركزية النقابية تماما كما هو الشأن مع بقية الأجسام الوسيطة من منظمات وأحزاب.
بل أكثر من ذلك بدا تعامل السلطة متماهيا مع مواقف جزء كبير من التونسيين يحملون الاتحاد جزءا من مسؤولية مآل الأوضاع في البلاد على امتداد العشر سنوات ما قبل 25 جويلية.
واليوم تزامنا مع قضية محاكمة النقابيين في صفاقس وإعلان الاتحاد "الدخول في سلسلة من الإضرابات القطاعية التضامنية تتوج بإضراب جهوي عام تضامنا مع النقابيين الموقوفين ودفاعا عن المنظمة الشغيلة”، وعودة بعض التصريحات التصعيدية من قبل المركزية النقابية تتهم السلطة باستهداف العمل النقابي، يطرح البعض سؤالا محوريا هل يستعد الاتحاد للتخلي عن خيار المهادنة مع السلطة والنضال في صمت؟ أم أن الأمر لا يتعدى مجرد محاولات لحفظ ماء الوجه في ظل واقع تبدو فيه رياح السلطة واتجاه الرأي العام عكس بوصلة الاتحاد، الذي فقد الكثير من تأثيره في الفعل السياسي كما في المفاوضات والملفات الاجتماعية العالقة؟
تصريحات الطبوبي
لا تبدو تصريحات الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نور الدين الطبوبي في وارد البحث عن تصعيد ما مع السلطة وهو الذي تحدث سابقا عن خيار النضال في صمت. وسعى الطبوبي منذ بداية الأزمة في صفاقس إلى التأكيد على عدم رغبة المنظمة في الانسياق وراء منطق التصادم. فقد أكد في كلمة بمناسبة إحياء ذكرى أحداث النفيضة (21 نوفمبر 1950) أن "هناك من يريد جرنا إلى مربع معين هو مربع التصادم، وأنا أقول لستم بأهل التصادم فنحن مثلما قلت قوة خير واقتراح وقوة نضال..".
مضيفا "نريد أن نستثمر في خلق الثروة وفي القدرات البشرية، لا أن نستثمر في السجون… فالسجون ليست هي الحل وإنما الحل يكمن في من يوجه شعبه بخيارات سياسية واقعية واقتصادية واجتماعية واقعية، ومن يوحد الناس حول مضامين وخيارات تؤدي إلى تأسيس نظام مدني حقيقي والى دولة مدنية ديمقراطية".
وكرر الطبوبي أمس في افتتاح أعمال الهيئة الإدارية الاستثنائية للاتحاد بالحمامات تعقيبا على إحالة نقابيي صفاقس على القضاء "واهم من يريد أن يجرنا إلى مربع التصادم وإلهاء التونسيين والاتحاد عن القضايا الحقيقية وفي مقدمتها الظروف الاجتماعية الصعبة وفقدان المواد الغذائية والأزمة الاقتصادية لأن الاتحاد بوصلته ومنهجيته واضحة ويعرف كيف يدافع عن قضاياه بالطرق القانونية والشرعية"، حسب تقديره.
واعتبر نور الدين الطبوبي أن استهداف جهة صفاقس برمزيتها الكبيرة وهي جهة التأسيس النقابي وتواصل ممارسات استفزاز الإتحاد لم يقابله النقابيون إلّا بتضامن نقابي أقوى والتفاف حول منظمتهم..".
بدوره اعتبر الناطق الرسمي باسم الاتحاد سامي الطاهري، أن "القضية تمت بتعليمات من أصحاب القرار بهدف الدفعِ للتصادم".
مؤكدا في المقابل "أن الاتحاد يدفع ثمن مواقفه من المرسوم 117 وما جاء بعده من إجراءات وانتقاده لإجراءات التفاوض مع صندوق النقد الدولي وأيضًا بسبب موقفه من دستور 2022 وعديد القضايا الاقتصادية والاجتماعية".
وقال الطاهري "نحن في الاتحاد مقتنعون بسعي محموم لهرسلة الاتحاد بالمحاكمات من أجل إشغاله عن القضايا الحقيقية على غرار مسألة الدعم والمؤسسات العمومية والديون الخارجية والميزانية والفقر والبطالة وارتفاع الأسعار"، مضيفا "هم لا يريدون أن تلعب المنظمة الشغيلة دورها الوطني ولكنها ستضطلع بهذا الدور رغم كل العراقيل التي هي ممارسات ممنهجة وحيل مفبركة"، على حد قوله.
ملفات عالقة
كما تؤكد تصريحات الطاهري أن الحكومة متمادية منذ فترة في إقصاء المنظمة من كل حوار أو تفاوض. كما تظل عديد الملفات عالقة بين الاتحاد والحكومة لاسيما تلك المتعلقة بالإصلاحات الكبرى في مجال الدعم والمؤسسات العمومية ووضعية الصناديق الاجتماعية ..
ورغم دعوات المنظمة مرارا وتكرارا إلى فتح باب التفاوض الجدي إلا أن الحكومة لا تكترث وتؤكد إقصاء الاتحاد في إعداد ميزانية 2024، ففي سبتمبر الفارط حذّر الاتحاد العام التونسي للشغل في بيان عقب اجتماع موسع لمكتبه التنفيذي من "انفجار اجتماعي وشيك نتيجة استمرار السياسة الاقتصادية للدولة"، داعيًا الحكومة إلى مفاوضات جديدة بشأن مطالب العمال ولاسيما على مستوى الأجور.
وطالب الاتحاد "بالمشاركة الفعلية في مناقشة ميزانية البلاد للسنة المقبلة، منتقداً انفراد حكومة أحمد الحشاني بالأمر، والتستر على كل مراحل إعداد الميزانية وعدم الإفصاح عن مكوناتها وعن مصادر التمويل المنتظرة والمحتملة".
وصرح سامي الطاهري مؤخرا بأن "الحكومة تصوغ مشروع قانون المالية لسنة 2024 بطريقة انفرادية، وفي غرف مظلمة حتى يتم عرضه على البرلمان دون مشاركة الأطراف الاجتماعية".
ورغم انقطاع التواصل وغلق باب التفاوض، يرجح كثيرون أن هامش التحرك محدود لدى المنظمة الشغيلة في الظرف الراهن، كما أن التلويح بالإضرابات على غرار الإضراب الجهوي في صفاقس تعرض لانتقادات كبيرة والاتحاد يبدو على وعي تام بأن التصعيد قد يكلفه الكثير.