إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

كيف لفاقد الوعي أن يرفع شعارات الحرية والديمقراطية ؟

بقلم:مصدّق الشّريف

لا يختلف اثنان في أنّ هتاف العقول أبلغ من هتاف الحناجر وأنّ القوة في العمل والكدّ مهما ارتفعت الأصوات في الساحات والميادين. ونحن ممن يصرّ على أن يتواصل العمل في المصانع والمتاجر وغيرها من مواقع العمل وعلى رأسها المؤسسات الجامعية والمعاهد الثانوية والمدارس الابتدائية. وفي رأينا، يجب ألاّ تؤدي مساندة الشعب الفلسطيني الأبيّ في قضيته العادلة ونبذ ما يتعرّض له من جرائم حرب متواصلة ترفضها كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية إلى تعطيل العمل أو الدراسة. وهو ما حصل أيام حرب الخليج والعدوان الغاشم على الشعب العراقي الشقيق، حتى إنّ بعض التلاميذ أصبحوا يردّدون: " يا صدّام يا بطل زيدنا شوية في العطل".

ولكنّ ذلك لا يبرّر البتّة الصمت شبه المطلق أمام بسالة المقاومة الفلسطينية التي قهرت العدو وأربكته وبعثرت أوراقه وبدّدت آماله. فبالأمس القريب، زعم الكيان الصهيوني أنّ طوفان الأقصى لن يستبسل ولن يصمد أكثر من بضعة أيام. لكنّ أبطال فلسطين لم يستسلموا ولم يرفعوا الرّاية البيضاء بالرّغم من هول الحرب المجنونة التي تُشنّ عليهم واستشهاد قرابة الاثني عشرة ألف شهيد.

لقد لاحظنا تراجع تحرّكات الطلبة والتلاميذ والمواطنين والمواطنات وأفول المسيرات في كثير من المدن التونسية. وتغيب اليوم الاحتجاجات أمام السّفارتين الفرنسية والأمريكية مقارنة بنظيراتها في الأسبوع الأول من طوفان الأقصى. ويبدو أنّ مسرح عمليات الكيان الصهيونيّ الإجراميّة في فلسطين ولاسيّما في غزة قد أصبح أمرا مألوفا لدى التونسيّين والتونسيّات بالرغم من أنه يزداد ضراوة كلّ لحظة. ولم يعد ما تنقله القنوات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي من مشاهد تقتيل للأبرياء مثيرا لحالة الاستنفار مثلما كان الشأن في ساعات العدوان الأولى. فكأنّنا طبّعنا مع هول الحرب وقبلنا سقوط الشهداء واجتياح المنازل وتفجير المستشفيات وتهديم المؤسسات.

ويعود تقهقر ردّ الفعل تجاه العدوان الغاشم، في اعتقادنا، إلى تراجع نسبة الوعي وغياب الحسّ الوطني والقومي عند أغلب التونسيّين. وأساسا لا تدرك ناشئتنا قيمة الوطن ولا تعي في كثير من الأحيان واجبها في الحفاظ على استقلال سيادته وأرضه.

ويجب أن نعترف بأنّ المدرسة والجامعة لا تربّيان الناشئة على حبّ الوطن ومسؤولية الذّود عنه. بل أصبح دورهما يقتصر على حشو دماغ المتلقي تلميذا كان أو طالبا بشتى المعلومات من صالحة وطالحة دون أن تعلّماه قيمته إنسانا. ولا تهتم المؤسّستان به إنسانا عزيزا قبل أن تهتما به مهندسا أو طبيبا أو محاميا بارعا. فهو مجرّد وعاء تُصبّ فيه المعلومة الجافة. وهو لا يعدو أن يكون متلقيا صامتا لا يفكر ولا يعبر ولا تتاح له الفرصة لإبداء رأيه والإدلاء بدلوه. بل إنّه يعيش الجمود المطلق في إطاره التربوي. يتلقى الدرس فينسخه أو يطبعه. غايته القصوى ما يتحصّل عليه في الامتحان والانتقال من مستوى دراسيّ إلى آخر. فلا نراه إلاّ يردّ البضاعة إلى أساتذته بلا زيادة أو نقصان في شكل الربط بسهم مثلا على ورقة الامتحان.

عامل اليوم أو الموظف كان كلاهما يوما من الأيام تلميذا أو طالبا يؤم قاعات الدرس. جلس على مدار سنوات الدراسة على مقاعد لا تحمل إلاّ الخواء والتصحر الذهني. وهو يتعايش منذ أكثر من عقد ونيف مع نزيف اقتصادي واجتماعي: غلاء في المعيشة وبطالة مستفحلة وانسداد في الأفق أمام الشباب وغموض حول مصير يحفّ بالبلاد ويسيطر على العقول ويسير بها نحو المجهول. كثيرا ما تحيط به التفاهة الإعلامية وغالبا ما تجذبه المضامين الهابطة التي تكتسح مواقع التواصل الاجتماعي إلى القاع.

فكيف لفاقد الوعي أن يرفع شعارات الحرية والديمقراطية وأن يدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها؟ وكيف نطلب منه أن يصبح مستهلكا واعيا يقاطع الشركات الداعمة للاحتلال؟

 

 

كيف لفاقد الوعي أن يرفع شعارات الحرية والديمقراطية ؟

بقلم:مصدّق الشّريف

لا يختلف اثنان في أنّ هتاف العقول أبلغ من هتاف الحناجر وأنّ القوة في العمل والكدّ مهما ارتفعت الأصوات في الساحات والميادين. ونحن ممن يصرّ على أن يتواصل العمل في المصانع والمتاجر وغيرها من مواقع العمل وعلى رأسها المؤسسات الجامعية والمعاهد الثانوية والمدارس الابتدائية. وفي رأينا، يجب ألاّ تؤدي مساندة الشعب الفلسطيني الأبيّ في قضيته العادلة ونبذ ما يتعرّض له من جرائم حرب متواصلة ترفضها كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية إلى تعطيل العمل أو الدراسة. وهو ما حصل أيام حرب الخليج والعدوان الغاشم على الشعب العراقي الشقيق، حتى إنّ بعض التلاميذ أصبحوا يردّدون: " يا صدّام يا بطل زيدنا شوية في العطل".

ولكنّ ذلك لا يبرّر البتّة الصمت شبه المطلق أمام بسالة المقاومة الفلسطينية التي قهرت العدو وأربكته وبعثرت أوراقه وبدّدت آماله. فبالأمس القريب، زعم الكيان الصهيوني أنّ طوفان الأقصى لن يستبسل ولن يصمد أكثر من بضعة أيام. لكنّ أبطال فلسطين لم يستسلموا ولم يرفعوا الرّاية البيضاء بالرّغم من هول الحرب المجنونة التي تُشنّ عليهم واستشهاد قرابة الاثني عشرة ألف شهيد.

لقد لاحظنا تراجع تحرّكات الطلبة والتلاميذ والمواطنين والمواطنات وأفول المسيرات في كثير من المدن التونسية. وتغيب اليوم الاحتجاجات أمام السّفارتين الفرنسية والأمريكية مقارنة بنظيراتها في الأسبوع الأول من طوفان الأقصى. ويبدو أنّ مسرح عمليات الكيان الصهيونيّ الإجراميّة في فلسطين ولاسيّما في غزة قد أصبح أمرا مألوفا لدى التونسيّين والتونسيّات بالرغم من أنه يزداد ضراوة كلّ لحظة. ولم يعد ما تنقله القنوات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي من مشاهد تقتيل للأبرياء مثيرا لحالة الاستنفار مثلما كان الشأن في ساعات العدوان الأولى. فكأنّنا طبّعنا مع هول الحرب وقبلنا سقوط الشهداء واجتياح المنازل وتفجير المستشفيات وتهديم المؤسسات.

ويعود تقهقر ردّ الفعل تجاه العدوان الغاشم، في اعتقادنا، إلى تراجع نسبة الوعي وغياب الحسّ الوطني والقومي عند أغلب التونسيّين. وأساسا لا تدرك ناشئتنا قيمة الوطن ولا تعي في كثير من الأحيان واجبها في الحفاظ على استقلال سيادته وأرضه.

ويجب أن نعترف بأنّ المدرسة والجامعة لا تربّيان الناشئة على حبّ الوطن ومسؤولية الذّود عنه. بل أصبح دورهما يقتصر على حشو دماغ المتلقي تلميذا كان أو طالبا بشتى المعلومات من صالحة وطالحة دون أن تعلّماه قيمته إنسانا. ولا تهتم المؤسّستان به إنسانا عزيزا قبل أن تهتما به مهندسا أو طبيبا أو محاميا بارعا. فهو مجرّد وعاء تُصبّ فيه المعلومة الجافة. وهو لا يعدو أن يكون متلقيا صامتا لا يفكر ولا يعبر ولا تتاح له الفرصة لإبداء رأيه والإدلاء بدلوه. بل إنّه يعيش الجمود المطلق في إطاره التربوي. يتلقى الدرس فينسخه أو يطبعه. غايته القصوى ما يتحصّل عليه في الامتحان والانتقال من مستوى دراسيّ إلى آخر. فلا نراه إلاّ يردّ البضاعة إلى أساتذته بلا زيادة أو نقصان في شكل الربط بسهم مثلا على ورقة الامتحان.

عامل اليوم أو الموظف كان كلاهما يوما من الأيام تلميذا أو طالبا يؤم قاعات الدرس. جلس على مدار سنوات الدراسة على مقاعد لا تحمل إلاّ الخواء والتصحر الذهني. وهو يتعايش منذ أكثر من عقد ونيف مع نزيف اقتصادي واجتماعي: غلاء في المعيشة وبطالة مستفحلة وانسداد في الأفق أمام الشباب وغموض حول مصير يحفّ بالبلاد ويسيطر على العقول ويسير بها نحو المجهول. كثيرا ما تحيط به التفاهة الإعلامية وغالبا ما تجذبه المضامين الهابطة التي تكتسح مواقع التواصل الاجتماعي إلى القاع.

فكيف لفاقد الوعي أن يرفع شعارات الحرية والديمقراطية وأن يدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها؟ وكيف نطلب منه أن يصبح مستهلكا واعيا يقاطع الشركات الداعمة للاحتلال؟