إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

صمت الأنظمة والنّخب أشدّ مضاضة من وقع الحسام المهنّد

 

لم تكن لغة الاستعمار في يوم من الأيام سوى لغة الآلة الحربيّة الجهنّمية التي تدمر البشر والشجر والحجر

 إنّ كلّ المطّلعين على تاريخ الشعوب، دون استثناء، يتبيّنون أنّ الاستعمار إذا احتلّ دولة فتك بها وبشعبها واستغلّ خيراتها ومقدّراتها وحاول قدر الإمكان أن يمحقها ويقضي قضاء مبرما على هويّتها. ويسعى الاستعمار، مهما اختلفت الأزمنة والعصور، إلى تفقير أبناء الوطن المحتلّ والعمل على مزيد تجهيلهم ونشر الفكر الخرافي بينهم وترسيخ المعتقدات البالية لديهم. وهي لعمري استراتيجيّة كثيرا ما تنجح في إبقاء الشّعوب على أميتها وجهلها والرّضى بالاستعمار كأنّه قضاؤها وقدرها. ولا يمكن لعاقل أن يفكر في يوم من الأيام في أن يركن إلى الاستعمار ويثق بما يقوله أو يؤمن بأنّ نوايا المحتلّين طيبة حسنة تخطّط لمصلحة الشعوب وخيرها.

ولم تكن لغة الاستعمار في يوم من الأيام سوى لغة الآلة الحربيّة الجهنّمية التي تدمر البشر والشجر والحجر. وهي أيضا لا تعترف بالمواثيق الدّولية التي تجرّم الاعتداء على الأبرياء في واضحة النّهار. والأمثلة على ذلك لا تحصى ولا تعدّ. وآخر الأمثلة ما يجري منذ السابع من أكتوبر المنقضي في فلسطين المحتلّة من اعتداءات صارخة فاقت حتى ما يُعرض في أفلام الرّعب وما تعتمده من خيال وفي المسلسلات البوليسيّة وما فيها من مؤثرات خاصّة تصيّر المستحيل ممكنا وفي الأشرطة الوثائقيّة لجرائم القتل المتسلسل التي قد تتسبّب في أمراض نفسيّة لبشاعة ما يُعرض فيها.

وأمام هذه الأوضاع اللاّإنسانية التي تتعرّض لها فلسطين المحتلّة، ولاسيّما غزّة، تلقيّنا بكلّ مرارة صمت الأنظمة العربية مرّة أخرى أمام جرائم الحرب التي يقوم بها الكيان الصهيوني منذ شهر ونيف. والأفظع أنّ هناك من الأنظمة العربية، إلى جانب الأنظمة الغربية، من تقف إلى جانب الكيان الصهيوني وتعتبر حركة حماس إرهابية تقتل الأبرياء وتعتدي على المحتلّ.

وهنا نتساءل لماذا لم يتوارث أغلب زعماء الأنظمة العربيّة سوى الخنوع والذّل والهوان والخيانات المتتالية لأوطانهم وشعوبهم على مرّ التاريخ؟ كيف فرّط هؤلاء في عرضهم وأرضهم وهويتهم وسيادة وطنهم؟ لماذا يجنح الخونة المطبّعون من حكام العرب إلى مدّ أيديهم إلى من يقتل أبناء الشعب العربيّ في فلسطين وغيرها من الدّول العربيّة؟ كيف لم يستوعبوا بعد أنّ للشعوب حقّا في تقرير مصيرها وأنّ الاستعمار لا مصير له غير الفناء وأنّ إرادة الشعوب المغتصبة لن تُقهر طال الزمان أم قصر؟ كيف لم تتعلّق همم أغلب زعماء الأنظمة العربيّة بالتاريخ النّاصع الذي سجّله عظماء القادة العرب بتصدّيهم للاستعمار ومقاومتهم إياه ؟ كيف نسوا معارك التّحرير في تونس وفي الشّقيقتين الجزائر وليبيا والفيتنام وجنوب إفريقيا؟ كيف نسوا العمل الجبّار الذي قام به الزعيم الرّاحل جمال عبد الناصر لتأميم قناة السّويس وانتصار الجيش المصري الباسل في معركة العبور في أكتوبر 1973؟ وكيف نسوا بطولات القائد الفذّ عمر المختار في مقاومة الغزو الإيطالي وهو القائل قبل إعدامه بلحظات "نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت، وهذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي"؟

ومع الأسف الشديد والحزن العميق، نرى العديد من مفكّري بلادنا والبلاد العربيّة قد سكتوا عن الحقّ. لقد اختفوا ودفنوا رؤوسهم في التراب. ومنهم من باع أم القضايا في سبيل تحقيق أرباح مادّية والتمتّع بجواز سفر وتأشيرة أو بيع أفلامه أو كتبه أو لوحاته. ساندوا بني صهيون وهم يقتلون إخوانهم الفلسطينييّن ويقومون بإبادة جماعيّة. ومن حسن حظهم أنّهم وجدوا المجال واسعا والطريق مفتوحة أمامهم فلم نسمع من تصدّى لهم. وظلّ نزر قليل من العرب في ريبهم يتأرجحون. فعلمنا الصّادقين منهم والكاذبين.

وفي الوقت الذي تصمت فيه الكثير من النخب العربية الصمت المطبق عن الحق فيأتي ظلمها أشدّ مضاضة من الحسام المهنّد، عبّر مفكّرون وفنّانون وممثّلون وصحافيّون من جنسيّات مختلفة عن مواقف جريئة وشجاعة تنتصر للشّعب الفلسطينيّ وتندّد بما تقوم به الولايات المتّحدة الأمريكية وحلفاؤها من مساندة مطلقة للكيان الاستعماري حتّى إنّ بعضهم قد جازف بأعماله ومصالحه وعرّض نفسه للمحاصرة الإعلامية.

فما حاجتنا إلى البدر إذا افتقدناه في اللّيلة الظلماء؟

مصدّق الشّريف

 

 

صمت الأنظمة والنّخب أشدّ مضاضة من وقع الحسام المهنّد

 

لم تكن لغة الاستعمار في يوم من الأيام سوى لغة الآلة الحربيّة الجهنّمية التي تدمر البشر والشجر والحجر

 إنّ كلّ المطّلعين على تاريخ الشعوب، دون استثناء، يتبيّنون أنّ الاستعمار إذا احتلّ دولة فتك بها وبشعبها واستغلّ خيراتها ومقدّراتها وحاول قدر الإمكان أن يمحقها ويقضي قضاء مبرما على هويّتها. ويسعى الاستعمار، مهما اختلفت الأزمنة والعصور، إلى تفقير أبناء الوطن المحتلّ والعمل على مزيد تجهيلهم ونشر الفكر الخرافي بينهم وترسيخ المعتقدات البالية لديهم. وهي لعمري استراتيجيّة كثيرا ما تنجح في إبقاء الشّعوب على أميتها وجهلها والرّضى بالاستعمار كأنّه قضاؤها وقدرها. ولا يمكن لعاقل أن يفكر في يوم من الأيام في أن يركن إلى الاستعمار ويثق بما يقوله أو يؤمن بأنّ نوايا المحتلّين طيبة حسنة تخطّط لمصلحة الشعوب وخيرها.

ولم تكن لغة الاستعمار في يوم من الأيام سوى لغة الآلة الحربيّة الجهنّمية التي تدمر البشر والشجر والحجر. وهي أيضا لا تعترف بالمواثيق الدّولية التي تجرّم الاعتداء على الأبرياء في واضحة النّهار. والأمثلة على ذلك لا تحصى ولا تعدّ. وآخر الأمثلة ما يجري منذ السابع من أكتوبر المنقضي في فلسطين المحتلّة من اعتداءات صارخة فاقت حتى ما يُعرض في أفلام الرّعب وما تعتمده من خيال وفي المسلسلات البوليسيّة وما فيها من مؤثرات خاصّة تصيّر المستحيل ممكنا وفي الأشرطة الوثائقيّة لجرائم القتل المتسلسل التي قد تتسبّب في أمراض نفسيّة لبشاعة ما يُعرض فيها.

وأمام هذه الأوضاع اللاّإنسانية التي تتعرّض لها فلسطين المحتلّة، ولاسيّما غزّة، تلقيّنا بكلّ مرارة صمت الأنظمة العربية مرّة أخرى أمام جرائم الحرب التي يقوم بها الكيان الصهيوني منذ شهر ونيف. والأفظع أنّ هناك من الأنظمة العربية، إلى جانب الأنظمة الغربية، من تقف إلى جانب الكيان الصهيوني وتعتبر حركة حماس إرهابية تقتل الأبرياء وتعتدي على المحتلّ.

وهنا نتساءل لماذا لم يتوارث أغلب زعماء الأنظمة العربيّة سوى الخنوع والذّل والهوان والخيانات المتتالية لأوطانهم وشعوبهم على مرّ التاريخ؟ كيف فرّط هؤلاء في عرضهم وأرضهم وهويتهم وسيادة وطنهم؟ لماذا يجنح الخونة المطبّعون من حكام العرب إلى مدّ أيديهم إلى من يقتل أبناء الشعب العربيّ في فلسطين وغيرها من الدّول العربيّة؟ كيف لم يستوعبوا بعد أنّ للشعوب حقّا في تقرير مصيرها وأنّ الاستعمار لا مصير له غير الفناء وأنّ إرادة الشعوب المغتصبة لن تُقهر طال الزمان أم قصر؟ كيف لم تتعلّق همم أغلب زعماء الأنظمة العربيّة بالتاريخ النّاصع الذي سجّله عظماء القادة العرب بتصدّيهم للاستعمار ومقاومتهم إياه ؟ كيف نسوا معارك التّحرير في تونس وفي الشّقيقتين الجزائر وليبيا والفيتنام وجنوب إفريقيا؟ كيف نسوا العمل الجبّار الذي قام به الزعيم الرّاحل جمال عبد الناصر لتأميم قناة السّويس وانتصار الجيش المصري الباسل في معركة العبور في أكتوبر 1973؟ وكيف نسوا بطولات القائد الفذّ عمر المختار في مقاومة الغزو الإيطالي وهو القائل قبل إعدامه بلحظات "نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت، وهذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي"؟

ومع الأسف الشديد والحزن العميق، نرى العديد من مفكّري بلادنا والبلاد العربيّة قد سكتوا عن الحقّ. لقد اختفوا ودفنوا رؤوسهم في التراب. ومنهم من باع أم القضايا في سبيل تحقيق أرباح مادّية والتمتّع بجواز سفر وتأشيرة أو بيع أفلامه أو كتبه أو لوحاته. ساندوا بني صهيون وهم يقتلون إخوانهم الفلسطينييّن ويقومون بإبادة جماعيّة. ومن حسن حظهم أنّهم وجدوا المجال واسعا والطريق مفتوحة أمامهم فلم نسمع من تصدّى لهم. وظلّ نزر قليل من العرب في ريبهم يتأرجحون. فعلمنا الصّادقين منهم والكاذبين.

وفي الوقت الذي تصمت فيه الكثير من النخب العربية الصمت المطبق عن الحق فيأتي ظلمها أشدّ مضاضة من الحسام المهنّد، عبّر مفكّرون وفنّانون وممثّلون وصحافيّون من جنسيّات مختلفة عن مواقف جريئة وشجاعة تنتصر للشّعب الفلسطينيّ وتندّد بما تقوم به الولايات المتّحدة الأمريكية وحلفاؤها من مساندة مطلقة للكيان الاستعماري حتّى إنّ بعضهم قد جازف بأعماله ومصالحه وعرّض نفسه للمحاصرة الإعلامية.

فما حاجتنا إلى البدر إذا افتقدناه في اللّيلة الظلماء؟

مصدّق الشّريف