إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في إطار تسجيل نقاط في مرمى الخصوم .. مزايدات سياسية.. وتوظيف للحرب على غزة

 

 

تبدو الحقيقة واضحة بين الدعم الجماهيري التلقائي وبين المساندة الحزبيّة التي لا تخل من التربح السياسي

تونس-الصباح

مع تصعيد الهجمات الصهيونية على الأراضي الفلسطينية تتصاعد لغة الخطاب السياسي لدى بعض الأطراف السياسية والتوجهات الفكرية في تونس لتلامس أفقا واسعا من المواقف تتجاوز في مداها حتى مواقف السلطة الفلسطينية ممثلة في حركة فتح أو حتى كتائب شهداء الأقصى.

وشكل الموقف السياسي التونسي منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى دافعا لبعض الأطراف لاستعادة الخطاب القومي الكلاسيكي في إطار من المزايدة أحيانا وتسجيل نقاط سياسية في مرمى الخصوم أحيانا أخرى.

ولم تكن المزايدة السياسية وحدها الخطر الداهم الوحيد بعد أن نشط الخطاب الشعبوي في تعاطيه مع القضية وطبعها بصبغة عاطفية وشحنة خالية من الفعل.

وتحوّلت الحرب على غزة وفق منظور هؤلاء من بوصلة للوحدة والإسناد إلى مدخل للتخوين وإلقاء التهم واحتكار النضال باسم فلسطين والظهور بمنطق الأوصياء على القضية دون سواهم.

وواقعيا اظهر التونسيون واعيا بالقضية الفلسطينية بعيدا عن الشخصيات السياسية المتورمة والأحزاب التائهة إذ لبت الجماهير التلمذية والطلابية نداء واجب إسناد القضية الأربعاء الماضي والخروج بأعداد لافتة.

وتبدو الحقيقة واضحة بين واقع الدعم الجماهيري التلقائي والعفوي للقضية وبين المساندة الحزبيّة التي لم تخل من التربح السياسي، ولم تنجح لا الأحزاب ولا المنظمات مجتمعة في إقناع الشارع الشعبي للخروج في تحركاتها بعد أن احترف جزء واسع من الشارع السياسي النضال النخبوي في الصالونات والمنابر بما افقده أي تواصل محتمل مع فئة الشباب.

و لا خلاف، في أن موضوع القضية الفلسطينية ومسألة التطبيع كانتا ولا تزال محل تجاذب كبير ومنطلقا لحملات انتخابية عند البعض مما حولها إلى وسيط بين السياسي والناخب، حيث كان تجريم التطبيع حافزا انتخابيا لعموم التونسيين سنة 2019 لانتخاب المترشح قيس سعيد بعد رفعه لشعار "التطبيع خيانة"، ووجد التونسيون في سعيد ضالتهم "القومية" لتجريم التعامل التونسي مع الكيان .

لكن خصوم الرئيس يرددون انه لم يتخذ أي خطوة في هذا الاتجاه منذ إعلان التدابير الاستثنائية يوم 25جويلية 2021 رغم الإمكانيات القانونية له في إصدار المراسيم الرئاسية، مما دفع بخصومه للتساؤل عن الأسباب الحقيقية لتخلفه عن اتخاذه لنهج المبادرة بمشروع أو مرسوم قانون يجرم التطبيع.

وقد اشتغل خصوم سعيد على إحراجه أكثر من مرة آخرها التحدي الذي رفعه أمين عام حزب العمال حمة الهمامي حين قال "أتحدى قيس سعيد أن يعيد خطاب التطبيع خيانة عظمى"...، وسرعان ما أجاب سعيد مرددا منذ العدوان على غزة مقولته "التطبيع خيانة". وحتى يغلق الباب أمام المزايدين من موالاة ومعارضة رفع سعيد من سقف النضال بعد أن استعاد خطاب الحماس سواء في اجتماع مجلس الأمن القومي التونسي أو خلال زيارته إلى جهة حي التضامن والمنيهلة ورفعه لشعار "إما النصر أو الاستشهاد".

كما كان للقاء رئيس الدولة بوزير الداخلية وقيادات أمنية الأثر البالغ بعد دعوته لمزيد التحلي باليقظة، ومواصلة السهر على حسن تأمين المظاهرات المندّدة بالعدوان الصهيوني على الأشقاء في فلسطين في كامل تراب الجمهورية.

لكن الخصوم السياسيين للرئيس، وفي إطار تأكيدهم على إحراجه، عادوا به إلى "الحوار الوطني" داخل الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة التي أذن سعيد بتكوينها يوم 20ماي 2022 وأكدوا على فشل الحوار في صياغة موقف صريح من التطبيع رغم تواجد قوميين وجزءا واسعا من اليسار الوظيفي بلجان الهيئة.

كما عادوا إلى الدستور مشيرين إلى انه ورغم اشتراط أحزاب الموالاة التنصيص على مناهضة التطبيع وتجريمه في النسخة الجديدة لدستور جويلية 2022 وجد القوميون أنفسهم في التسلل بعد أن تغاضت مسودة الدستور والنسخة النهائية عن موضوع التطبيع.

هكذا أمر أكده إبراهيم بودربالة حين كشف في لقاء إعلامي سابق "أنّه لم يتم التنصيص على تجريم التطبيع في مشروع هذا الدستور الذي قدم إلى الرئيس قيس سعيّد".

وبرر بودربالة وقتها موقف رفض التنصيص بالقول "التنصيص على تجريم التطبيع في مشروع الدستور الجديد هو بصورة عكسية اعتراف بوجود الكيان الصهيوني وهذا الكيان هو أكبر مظلمة دولية لا بدّ أن تقوم بإصلاحها المؤسسات الدولية". 

وفي المحصلة ورغم ما تعيشه تونس من تحركات مساندة للفلسطينيين فان ذلك لا يمنع القول بان القضية مازالت محل تجاذب بين جميع الأطراف وهي الإشارة الأقوى على أن البلاد مازالت تحت وطأة الخلافات العميقة بين مختلف الفواعل السياسية.

خليل الحناشي

في إطار تسجيل نقاط في مرمى الخصوم  ..   مزايدات سياسية.. وتوظيف للحرب على غزة

 

 

تبدو الحقيقة واضحة بين الدعم الجماهيري التلقائي وبين المساندة الحزبيّة التي لا تخل من التربح السياسي

تونس-الصباح

مع تصعيد الهجمات الصهيونية على الأراضي الفلسطينية تتصاعد لغة الخطاب السياسي لدى بعض الأطراف السياسية والتوجهات الفكرية في تونس لتلامس أفقا واسعا من المواقف تتجاوز في مداها حتى مواقف السلطة الفلسطينية ممثلة في حركة فتح أو حتى كتائب شهداء الأقصى.

وشكل الموقف السياسي التونسي منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى دافعا لبعض الأطراف لاستعادة الخطاب القومي الكلاسيكي في إطار من المزايدة أحيانا وتسجيل نقاط سياسية في مرمى الخصوم أحيانا أخرى.

ولم تكن المزايدة السياسية وحدها الخطر الداهم الوحيد بعد أن نشط الخطاب الشعبوي في تعاطيه مع القضية وطبعها بصبغة عاطفية وشحنة خالية من الفعل.

وتحوّلت الحرب على غزة وفق منظور هؤلاء من بوصلة للوحدة والإسناد إلى مدخل للتخوين وإلقاء التهم واحتكار النضال باسم فلسطين والظهور بمنطق الأوصياء على القضية دون سواهم.

وواقعيا اظهر التونسيون واعيا بالقضية الفلسطينية بعيدا عن الشخصيات السياسية المتورمة والأحزاب التائهة إذ لبت الجماهير التلمذية والطلابية نداء واجب إسناد القضية الأربعاء الماضي والخروج بأعداد لافتة.

وتبدو الحقيقة واضحة بين واقع الدعم الجماهيري التلقائي والعفوي للقضية وبين المساندة الحزبيّة التي لم تخل من التربح السياسي، ولم تنجح لا الأحزاب ولا المنظمات مجتمعة في إقناع الشارع الشعبي للخروج في تحركاتها بعد أن احترف جزء واسع من الشارع السياسي النضال النخبوي في الصالونات والمنابر بما افقده أي تواصل محتمل مع فئة الشباب.

و لا خلاف، في أن موضوع القضية الفلسطينية ومسألة التطبيع كانتا ولا تزال محل تجاذب كبير ومنطلقا لحملات انتخابية عند البعض مما حولها إلى وسيط بين السياسي والناخب، حيث كان تجريم التطبيع حافزا انتخابيا لعموم التونسيين سنة 2019 لانتخاب المترشح قيس سعيد بعد رفعه لشعار "التطبيع خيانة"، ووجد التونسيون في سعيد ضالتهم "القومية" لتجريم التعامل التونسي مع الكيان .

لكن خصوم الرئيس يرددون انه لم يتخذ أي خطوة في هذا الاتجاه منذ إعلان التدابير الاستثنائية يوم 25جويلية 2021 رغم الإمكانيات القانونية له في إصدار المراسيم الرئاسية، مما دفع بخصومه للتساؤل عن الأسباب الحقيقية لتخلفه عن اتخاذه لنهج المبادرة بمشروع أو مرسوم قانون يجرم التطبيع.

وقد اشتغل خصوم سعيد على إحراجه أكثر من مرة آخرها التحدي الذي رفعه أمين عام حزب العمال حمة الهمامي حين قال "أتحدى قيس سعيد أن يعيد خطاب التطبيع خيانة عظمى"...، وسرعان ما أجاب سعيد مرددا منذ العدوان على غزة مقولته "التطبيع خيانة". وحتى يغلق الباب أمام المزايدين من موالاة ومعارضة رفع سعيد من سقف النضال بعد أن استعاد خطاب الحماس سواء في اجتماع مجلس الأمن القومي التونسي أو خلال زيارته إلى جهة حي التضامن والمنيهلة ورفعه لشعار "إما النصر أو الاستشهاد".

كما كان للقاء رئيس الدولة بوزير الداخلية وقيادات أمنية الأثر البالغ بعد دعوته لمزيد التحلي باليقظة، ومواصلة السهر على حسن تأمين المظاهرات المندّدة بالعدوان الصهيوني على الأشقاء في فلسطين في كامل تراب الجمهورية.

لكن الخصوم السياسيين للرئيس، وفي إطار تأكيدهم على إحراجه، عادوا به إلى "الحوار الوطني" داخل الهيئة الوطنية الاستشارية من أجل جمهورية جديدة التي أذن سعيد بتكوينها يوم 20ماي 2022 وأكدوا على فشل الحوار في صياغة موقف صريح من التطبيع رغم تواجد قوميين وجزءا واسعا من اليسار الوظيفي بلجان الهيئة.

كما عادوا إلى الدستور مشيرين إلى انه ورغم اشتراط أحزاب الموالاة التنصيص على مناهضة التطبيع وتجريمه في النسخة الجديدة لدستور جويلية 2022 وجد القوميون أنفسهم في التسلل بعد أن تغاضت مسودة الدستور والنسخة النهائية عن موضوع التطبيع.

هكذا أمر أكده إبراهيم بودربالة حين كشف في لقاء إعلامي سابق "أنّه لم يتم التنصيص على تجريم التطبيع في مشروع هذا الدستور الذي قدم إلى الرئيس قيس سعيّد".

وبرر بودربالة وقتها موقف رفض التنصيص بالقول "التنصيص على تجريم التطبيع في مشروع الدستور الجديد هو بصورة عكسية اعتراف بوجود الكيان الصهيوني وهذا الكيان هو أكبر مظلمة دولية لا بدّ أن تقوم بإصلاحها المؤسسات الدولية". 

وفي المحصلة ورغم ما تعيشه تونس من تحركات مساندة للفلسطينيين فان ذلك لا يمنع القول بان القضية مازالت محل تجاذب بين جميع الأطراف وهي الإشارة الأقوى على أن البلاد مازالت تحت وطأة الخلافات العميقة بين مختلف الفواعل السياسية.

خليل الحناشي