إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

حكاياتهم.. الرئيس يكتب خطابه ..!.

 

يرويها: أبو بكر الصغير

  في الأسطورة الصينية هنالك كوب من أواني الشاي، يُعرف بـ"كوب العدالة".

في أسفله ثقب ليس بصغير، ومع ذلك لا يتسرب منه الشاي أبدا طالما لم يمتلئ الكوب بأكثر مما يجب.

  فإذا امتلأ عن حدّه، يتسرب كامل ما حواه الكوب من الثقب.

  الحكمة كلّما بالغ الإنسان في الشيء قد يكون قولا أو موقفا ضاع منه كل شيء.

     كلّ موقف حتى لو كان حقّا يحتاج لرجلين، رجل ينطق به ورجل يفهمه.

    عندما يكتب أو يكلّف الرئيس بكتابة خطابه، فانّ أول وأهم عنصر البلاغة، الخطوة الأولى في الخطاب هي الإقناع، لديه مهمة جذب انتباه الجمهور، وإثارة فضولهم، خطوة أساسية، بما في ذلك أمام جمهور معتاد على الخطب الرئاسية.

    في تاريخ الخطب الرئاسية بتونس، تباينت التوجهات والخلفيات وكذلك الأهداف.

 كانت خطب الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة عبارة عن مهرجانات، انطلاقا من صورة ذلك القائد المستبد الأبوي الذي يدفع بإصلاح شعبه ويغيّر السلوكيات والعقليات، وبمرور السنوات في حكمه برز أنه كان الفاعل الثقافي والاجتماعي الأكبر والباني وحده للدولة و المجتمع كما أراد ذلك هو.

  لكن من ميزات المجاهد الأكبر أنه يرتجل الكلمات والمواقف ويصبغ بعض الطرافة أحيانا، فهو متمكّن من فن الخطابة بما يشدّ اهتمام الناس إلى حدّ معيشة التونسيين لسنوات طويلة "مسلسل" توجيهات الرئيس (بورقيبة).

 على نقيض ذلك، كان الرئيس الراحل زين العابدين بن علي لا يتكلم كثيرا، خطبه مكتوبة ومعدّة مسبقا، هنالك فريق كامل يتولّى الإعداد والكتابة، بل الطريف أن نفس هذا الفريق غالبا ما يستأنس بآراء وأفكار شخصيات وكفاءات من خارج مؤسسات الدولة وسؤالها إن كان لها رأي أو فكرة ما، يمكن تضمينها في سياق موضوع محدّد سيكون ضمن كلمة أو خطاب يلقيه رئيس الدولة .

 الرئيس منصف المرزوقي، وكما يعلم الجميع صاحب معرفة وثقافة ومسيرة سياسية اعتمد أن يرتجل خطبه ومواقفه وهو الأمر الذي أوقعه في كثير من الهنات كانت مكلفة سياسيا له.

 الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي جسّد شخصية بورقيبة في منهجية خطبه وأسلوب الألفاظ…

   تجسيد العقلانية النيوليبرالية، القائمة على فكرة الاستقلال الفردي والمسؤولية وكذلك القدرة على العمل الدائم على الواقع أهم عنصر في الخيط الرابط في خطب الرؤساء .

الاختلافات في مضامين وأساليب أداء الخطابات الرئاسية تشير إلى أن التغييرات في العقيدة التي تكمن لمحتها هناك، قلم تؤد في النهاية إلى شيء أو انجاز ما بما هو موصول بعملية البناء الوطني .

 حتى في تقدير موقف من قضايا وأحداث راهنة نعيشها على وقعها هذه الأيام.

 فالمطالبة بتحرير كامل لكل فلسطين التاريخية هي بمثابة إعلان رسمي ورفض وإنكار للشرعية الدولية ولجميع قرارات الأمم المتحدة منذ القرار رقم 181 بشأن تقسيم فلسطين الصادر في 29 نوفمبر 1947.

 عندما تجرأ بورقيبة في خطابه التاريخي في أريحا وشجع الفلسطينيين على قبول قرار التقسيم والدفاع عن حقوقهم في إطار الشرعية الدولية بما جعله يكون سباقا في عصره وزمانه عربيا اقلّه، أحدث زلزالا وصدمة إقليميا ودوليا وحتى في إسرائيل إلى حدّ أن رئيسة الوزراء غولدا مائير، وصفت بورقيبة بكونه العدو الأكبر لإسرائيل.

   قد يتَجه البعض إلى القول أنّه في ظلّ بعض الأحداث الكارثية المدمَرة تصحّ الفرضية القائلة بأن "المبالغة فقط في الموقف هي الحقيقة"، بلغة أخرى تغييب العقل و الانجراف في السلوكيات العاطفية وهذا خطأ، فالحكمة الحقيقية للأمم هي الاتعاظ من دروس التاريخ والاقتناع أن المستقبل يصنعه العقل وحده .

 

حكاياتهم..   الرئيس يكتب خطابه ..!.

 

يرويها: أبو بكر الصغير

  في الأسطورة الصينية هنالك كوب من أواني الشاي، يُعرف بـ"كوب العدالة".

في أسفله ثقب ليس بصغير، ومع ذلك لا يتسرب منه الشاي أبدا طالما لم يمتلئ الكوب بأكثر مما يجب.

  فإذا امتلأ عن حدّه، يتسرب كامل ما حواه الكوب من الثقب.

  الحكمة كلّما بالغ الإنسان في الشيء قد يكون قولا أو موقفا ضاع منه كل شيء.

     كلّ موقف حتى لو كان حقّا يحتاج لرجلين، رجل ينطق به ورجل يفهمه.

    عندما يكتب أو يكلّف الرئيس بكتابة خطابه، فانّ أول وأهم عنصر البلاغة، الخطوة الأولى في الخطاب هي الإقناع، لديه مهمة جذب انتباه الجمهور، وإثارة فضولهم، خطوة أساسية، بما في ذلك أمام جمهور معتاد على الخطب الرئاسية.

    في تاريخ الخطب الرئاسية بتونس، تباينت التوجهات والخلفيات وكذلك الأهداف.

 كانت خطب الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة عبارة عن مهرجانات، انطلاقا من صورة ذلك القائد المستبد الأبوي الذي يدفع بإصلاح شعبه ويغيّر السلوكيات والعقليات، وبمرور السنوات في حكمه برز أنه كان الفاعل الثقافي والاجتماعي الأكبر والباني وحده للدولة و المجتمع كما أراد ذلك هو.

  لكن من ميزات المجاهد الأكبر أنه يرتجل الكلمات والمواقف ويصبغ بعض الطرافة أحيانا، فهو متمكّن من فن الخطابة بما يشدّ اهتمام الناس إلى حدّ معيشة التونسيين لسنوات طويلة "مسلسل" توجيهات الرئيس (بورقيبة).

 على نقيض ذلك، كان الرئيس الراحل زين العابدين بن علي لا يتكلم كثيرا، خطبه مكتوبة ومعدّة مسبقا، هنالك فريق كامل يتولّى الإعداد والكتابة، بل الطريف أن نفس هذا الفريق غالبا ما يستأنس بآراء وأفكار شخصيات وكفاءات من خارج مؤسسات الدولة وسؤالها إن كان لها رأي أو فكرة ما، يمكن تضمينها في سياق موضوع محدّد سيكون ضمن كلمة أو خطاب يلقيه رئيس الدولة .

 الرئيس منصف المرزوقي، وكما يعلم الجميع صاحب معرفة وثقافة ومسيرة سياسية اعتمد أن يرتجل خطبه ومواقفه وهو الأمر الذي أوقعه في كثير من الهنات كانت مكلفة سياسيا له.

 الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي جسّد شخصية بورقيبة في منهجية خطبه وأسلوب الألفاظ…

   تجسيد العقلانية النيوليبرالية، القائمة على فكرة الاستقلال الفردي والمسؤولية وكذلك القدرة على العمل الدائم على الواقع أهم عنصر في الخيط الرابط في خطب الرؤساء .

الاختلافات في مضامين وأساليب أداء الخطابات الرئاسية تشير إلى أن التغييرات في العقيدة التي تكمن لمحتها هناك، قلم تؤد في النهاية إلى شيء أو انجاز ما بما هو موصول بعملية البناء الوطني .

 حتى في تقدير موقف من قضايا وأحداث راهنة نعيشها على وقعها هذه الأيام.

 فالمطالبة بتحرير كامل لكل فلسطين التاريخية هي بمثابة إعلان رسمي ورفض وإنكار للشرعية الدولية ولجميع قرارات الأمم المتحدة منذ القرار رقم 181 بشأن تقسيم فلسطين الصادر في 29 نوفمبر 1947.

 عندما تجرأ بورقيبة في خطابه التاريخي في أريحا وشجع الفلسطينيين على قبول قرار التقسيم والدفاع عن حقوقهم في إطار الشرعية الدولية بما جعله يكون سباقا في عصره وزمانه عربيا اقلّه، أحدث زلزالا وصدمة إقليميا ودوليا وحتى في إسرائيل إلى حدّ أن رئيسة الوزراء غولدا مائير، وصفت بورقيبة بكونه العدو الأكبر لإسرائيل.

   قد يتَجه البعض إلى القول أنّه في ظلّ بعض الأحداث الكارثية المدمَرة تصحّ الفرضية القائلة بأن "المبالغة فقط في الموقف هي الحقيقة"، بلغة أخرى تغييب العقل و الانجراف في السلوكيات العاطفية وهذا خطأ، فالحكمة الحقيقية للأمم هي الاتعاظ من دروس التاريخ والاقتناع أن المستقبل يصنعه العقل وحده .