في ظل تواصل الحديث عن ندرة السيناريوهات الجيدة.. "الطلياني " و"نازلة دار الأكابر " و"حذاء إسباني " ..ثلاث روايات قابلة للتحول فورا إلى أعمال تلفزيونية ناجحة
العالم يتوجه الى الاقتباس من الأعمال الروائية وفي تونس تجاهل تام للزخم الأدبي الكبير
روايات مكتوبة بطريقة بصرية ومن بينها من هي عبارة عن سيناريو جاهز
تونس- الصباح
مازال الانتاج التلفزيوني الدرامي في تونس نادرا، بل اصبح الوضع أسوأ في السنوات الأخيرة. فنحن ازاء شح كبير في الأعمال وكأن القصص والحكايات الملهمة من المجتمع التونسي قد انقطعت في حين أن بلادنا تعج بالحكايات التي تصلح لانتاج عشرات الأعمال سنويا. في المقابل ولحسن الحظ لم تنضب الساحة الأدبية وخاصة في مجال الرواية حيث تصدر سنويا مجموعة جديدة من الروايات الصالحة للاستغلال في الدراما التلفزيونية أو للسينما مع العلم أن اغلب الاعمال الناجحة في العالم سواء في التلفزيون أوالسينما اليوم مستلهمة من كتب ومن روايات ناجحة.
وفي تونس لا تعوزنا الروايات الناجحة التي نقول بدون تردد أنها في مستوى كبير ومن بينها روايات هي عبارة عن سيناريو جاهز لمسلسل درامي. يكفي بعض اللمسات من المختصين حتى تصير عملا فنيا متكاملا يضمن الفرجة ويعبر عن المجتمع ويقدم فكرة عن التحولات التي تشهدها بلادنا في كل المجالات كما أن بعضها يقدم فكرة واضحة عن جزء من التاريخ المعاصر الذي بقدر ما نتحدث عنه فإننا لا نعرف عنه الشيء الكثير وهناك ادباء استطاعوا أن يقدموا اعمالا ابداعية قريبة من التاريخ قدمت لنا ما لم يستطعه المؤرخون. ونشير بالخصوص إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية لتونس. فهذه الفترة التي لا تفصلنا عنها زمنيا مسافة كبيرة بمعيار التاريخ، ونكاد لا نعرف عنها شيئا ما عدا ما نقلته الروايات الرسمية وما ردده بعض شهود العيان وما رووه للاجيال اللاحقة. وفي هذا السياق يقوم الأدباء والمبدعون بجهد كبير من أجل تبديد بعض الظلام المحيط بهذه الحقبة. ونقترح في هذا السياق على من يهمهم الأمر ثلاث روايات نعتقد أنها صالحة جدا للاقتباس للسينما أو التلفزيون وهي "الطلياني" لشكري المبخوت و"نازلة دار الأكابر " لأميرة غنيم و" حذاء اسباني" لمحمد عيسى المؤدب.
ولنا أن نشير إلى ان اختيارنا يقوم على معطيات موضوعية. فرغم اقرارنا بأن العامل الذاتي موجود وهو يتمثل بالخصوص في أننا نحبذ ما يكتبه الروائيون الثلاثة ونتابع شخصيا كل جديد لهم، فإننا نعتقد أنه لا يمكن التشكيك في قيمة ما يكتبون ولا في موهبتهم السردية ولا في مقدرتهم على الوصف حتى أن بعض الفقرات هي عبارة عن مشاهد جاهزة للتصوير.
صدرت رواية "الطلياني" للجامعي ورئيس جامعة منوبة سابقا شكري المبخوت عن دار التنوير (تونسية لبنانية مصرية) سنة 2015 وحازت على جائزة الكومار الذهبي وجائزة الرواية بمعرض تونس الدولي للكتاب والجائزة العالمية للرواية العربية ( البوكر ).
تدور أحداث هذه الرواية حول ثنائي عاش الفترة الساخنة التي شهدتها الجامعة التونسية والتي عرفت فيها الجامعة تحركات كبيرة والثنائي هو عبد الناصر الطالب بكلية الحقوق بتونس والقيادي بالاتحاد العام لطلبة تونس وزميلته بالجامعة ثم زوجته القادمة من الريف زينة. ولئن يختلف الثنائي من الناحية الاجتماعية إلا أنهما يلتقيان حول فكرة التمرد على ما هو سائد والرغبة في تغيير المجتمع قبل أن يجعلهما الاحتكاك بالواقع يقومان بعمليات مراجعة عديدة وقبل أن يتحول الانسجام بينهما إلى صدام مستمر. في الاثناء يرسم الكاتب معالم التطور الذي شهدها المجتمع خاصة في المرحلة الأخيرة من حكم الزعيم الحبيب بورقيبة ثم مرحلة بن علي تماما مثلما اهتم بالصراعات التي عاشتها الجامعة وخاصة صراع التيارات اليسارية والمحافظة واساسا التيارات الاسلامية. وقد نجح شكري المبخوت في تصوير تونس في مرحلة انتقالية بين حكمي الزعيم الحبيب بورقيبة الذي نرى في الرواية كيف أن المرأة استفادت من قراراته لصالحها وخاصة بعد اصدار مجلة الاحوال الشخصية التي ضمنت حقوق المرأة ومنعت تعدد الزوجات، وحكم خلفه زين العابدين بن علي. لقد كانت مرحلة مليئة بالمخاوف والشكوك شبيهة جدا بما عاشها المجتمع التونسي مجددا بعد أحداث 14 جانفي 2011، حيث لم تشهد البلاد منذ ذلك التاريخ الاستقرار في كل المجالات تقريبا.
لقد كتب شكري المبخوت بعد ذلك عدة روايات وصدر له " السيد العميد في قلعته" وباغندا" وصدرت له مؤخرا رواية جديدة بعنوان : "يوميات نور في العشر الاواخر من الأربعين"، عن دار التنوير كذلك وحصلت على التنويه. كلها يمكن أن تفيد في كتابة سيناريوهات للسينما أو التلفزيون، لكن في اعتقادنا أن الكاتب قد وضع مهجته في روايته الأولى وكتبها كتابة تكاد تكون بصرية حيث يسهل أن نتخيل الشخصيات في جيئها وذهابها ونتخيل حتى تعابير وجهها ونستغرب فعلا أنها لم تتحول بعد إلى الفن السابع أو إلى دراما تلفزيونية.
رواية "نازلة دار الأكابر" لصاحبتها أميرة غنيم وهي استاذة جامعية وقد وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في 2021 صادرة عن دار مسعى تونس. وقد توجت بدورها بمجموعة من الجوائز من بينها جائزة الكومار الذهبي ( 2020) وصدرت في عدة طبعات كما صدرت في عدة ترجمات اجنبية من بينها الانقليزية. عادت بنا أميرة غنيم أستاذة اللسانيات بالجامعة التونسية ( مهتمة كذلك بالترجمة) إلى ثلاثينات القرن الماضي. الاحداث تدور اغلبها في بيت عائلة ثرية من تونس العاصمة التي يصطلح عليهم بـ"البلدية" والذين كان اغلبهم يقطن بالمدينة العتيقة ويملكون منازل فخمة ويلتزمون بسلوكيات معينة ويحتكمون إلى قيم معينة صورتها الكاتبة بشكل جلي في روايتها.
برهنت أميرة غنيم في روايتها عن مقدرة كبيرة في السرد ورسم الشخصيات بطريقة ذكية جدا تثير حماسة القارئ إلى آخر سطر في الرواية حيث تعلن اميرة عن ميلاد جيل جديد اصبحت تفصله عن الاجيال السابقة مسافة زمنية كبيرة لم يعد يربطه بها سوى حبل الذكريات وبعض الأثاث القديم المركون في زاوية معتمة في بيوت متداعية للسقوط بعد أن كانت اهلة بالسكان من اهل البيت والخدم والحشم وغيرها.
والبديع في هذه الرواية أن الكاتبة تخيلت قصة حب جمعت بين المصلح الطاهر الحداد وبين للاّ (هكذا كانوا ينادون النساء لدى الاكابر) زبيدة ابنة احدى العائلات العريقة والتي تم تزويجها قسرا بعد اكتشاف قصة العلاقة من عائلة في نفس عراقة عائلتها. لم تكن للا زبيدة من النساء التقليديات وكان والدها يشجعها على مواصلة تعليمها قبل أن تحل بالعائلة النازلة حيث ظل المصطلح يتردد على امتداد كامل صفحات الرواية تقريبا. ورغم أن قصة العلاقة بين الفتاة البلدية والطاهر الحداد القادم من الجنوب التونسي متخيلة، إلا أن الكاتبة برعت فيها إلى درجة أن القارئ يكاد يصدق أن الطاهر الحداد ذلك المصلح الذي نكاد لا نعرف عنه شيئا سوى أنه مدافع عن المرأة وأن كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" التقدمي جعله منبوذا حتى أنه مات كمدا وهو في أوجه شبابه، كان يعيش قصة حب قوية مع شابة من " البلدية" في تونس، قبل أن تجبرهما الاحكام المسبقة والعادات القاسية بالفراق.
رواية نازلة دار الأكابر كتبت أيضا بطريقة سلسة يسيرة ومشوقة تجعلنا نعيش الأحداث وكأننا نشاهد عملا مصورا ممتعا ويتحدث بطريقة مجددة عن حقبة تاريخية في بلادنا تبقى مثيرة للفضول. أميرة غنيم اصدرت كذلك رواية "الملف الاصفر" وقد حظيت بدورها بإشادة كبيرة ونتساءل لما لا تستفيد السينما في تونس والساحة التمثيلية بهذا الزخم الادبي الكبير.
الرواية الثالثة التي نعتقد أنه يسهل الاستلهام منها واقتباسها للسينما أو التلفزيون هي " حذاء اسباني " للكاتب محمد عيسى المؤدب وهي صادرة عن دار مسكلياني بتونس وحائزة على الجائزة الوطنية للرواية (2021) كما فاز الكاتب في نفس العام بجائزة معرض تونس الدولي للكتاب في فرع الرواية.
تدور الأحداث حول مانويل قريقوري الضابط بالمشاة البحرية الإسبانية في فترة الحرب الأهلية الاسبانية، الذي هرب إلى تونس واستقر في مدينة قليبية بالوطن القبلي وقد هرب الضابط هو وعدد من زملائه عبر البحر من بطش فرانكو واستطاع رغم العذاب والخوف اثناء رحلة الهروب أن يؤسس حياة جديدة في تونس وأن يبني فندقا جميلا أصبح القلب النابض في القرية لكنه ظل يحافظ على المهنة التي يحبها وهي صنع الاحذية. وحذاء اسباني يرمز إلى حذاء التعذيب الشهير في اسبانيا. وتدور الاحداث بطريقة الفلاش باك حيث يعود الكاتب إلى الماضي عبر استاذ تعليم ثانوي في قليبية يتولى مساعدة قريبة مانويل في استعادة قصة حياته. في الاثناء نكتشف الحقبة التي كانت تونس منفتحة فيها على كل الجنسيات والجميل في هذا النص الروائي أننا نكتشف مجددا من خلاله جمال بلادنا. جمال بحرها ومناخها وعاداتها الغذائية وأكلة السمك التي تشتهر بها مدننا الساحلية وذلك الاستعداد لدى التونسيين لاستقبال الآخر. انها تلك الروح المتوسطية التي تجمعنا رغم أن الرواية لا تخلو من أحداث محزنة ولا تخلو من البكاء لكن الكاتب صاغ الاحداث باسلوب متقن وهو مثله مثل الكاتبين المذكورين يتميز بقدرة سردية رهيبة تجعلنا نعيش مع الحدث لحظة بلحظة. كما أنه رسم الشخصيات بدقة متناهية ركزت على كل التفاصيل حتى نكاد نتبينها بوضوح.
. جدير بالذكر أن محمد عيسى المؤدب الكاتب والاستاذ، نشر عدة روايات اخرى لقيت صدى جيدا هي أيضا ونذكر من بينها " حمام الذهب" و"جهاد ناعم " واغلب اعماله توجت بجوائز هامة. وقد صدرت له مؤخرا رواية جديدة بعنوان " بلاص ديسكا" عن دار مسكلياني للنشر.
والسؤال ذاته نكرره بشأن رواية "حذاء اسباني" وغيرها من الاعمال الروائية الناجحة هو الآتي: هل إلى هذه الدرجة لا نهتم لما ينشر من روايات تكاد تكون ناطقة في الوقت الذي نعاني منه من معضلة اسمها ضغف السيناريو وفي الوقت الذي تتجه فيه الاستوديوهات الكبرى إلى الاقتباس أكثر فأكثر من الكتب ؟
حياة السايب
العالم يتوجه الى الاقتباس من الأعمال الروائية وفي تونس تجاهل تام للزخم الأدبي الكبير
روايات مكتوبة بطريقة بصرية ومن بينها من هي عبارة عن سيناريو جاهز
تونس- الصباح
مازال الانتاج التلفزيوني الدرامي في تونس نادرا، بل اصبح الوضع أسوأ في السنوات الأخيرة. فنحن ازاء شح كبير في الأعمال وكأن القصص والحكايات الملهمة من المجتمع التونسي قد انقطعت في حين أن بلادنا تعج بالحكايات التي تصلح لانتاج عشرات الأعمال سنويا. في المقابل ولحسن الحظ لم تنضب الساحة الأدبية وخاصة في مجال الرواية حيث تصدر سنويا مجموعة جديدة من الروايات الصالحة للاستغلال في الدراما التلفزيونية أو للسينما مع العلم أن اغلب الاعمال الناجحة في العالم سواء في التلفزيون أوالسينما اليوم مستلهمة من كتب ومن روايات ناجحة.
وفي تونس لا تعوزنا الروايات الناجحة التي نقول بدون تردد أنها في مستوى كبير ومن بينها روايات هي عبارة عن سيناريو جاهز لمسلسل درامي. يكفي بعض اللمسات من المختصين حتى تصير عملا فنيا متكاملا يضمن الفرجة ويعبر عن المجتمع ويقدم فكرة عن التحولات التي تشهدها بلادنا في كل المجالات كما أن بعضها يقدم فكرة واضحة عن جزء من التاريخ المعاصر الذي بقدر ما نتحدث عنه فإننا لا نعرف عنه الشيء الكثير وهناك ادباء استطاعوا أن يقدموا اعمالا ابداعية قريبة من التاريخ قدمت لنا ما لم يستطعه المؤرخون. ونشير بالخصوص إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية لتونس. فهذه الفترة التي لا تفصلنا عنها زمنيا مسافة كبيرة بمعيار التاريخ، ونكاد لا نعرف عنها شيئا ما عدا ما نقلته الروايات الرسمية وما ردده بعض شهود العيان وما رووه للاجيال اللاحقة. وفي هذا السياق يقوم الأدباء والمبدعون بجهد كبير من أجل تبديد بعض الظلام المحيط بهذه الحقبة. ونقترح في هذا السياق على من يهمهم الأمر ثلاث روايات نعتقد أنها صالحة جدا للاقتباس للسينما أو التلفزيون وهي "الطلياني" لشكري المبخوت و"نازلة دار الأكابر " لأميرة غنيم و" حذاء اسباني" لمحمد عيسى المؤدب.
ولنا أن نشير إلى ان اختيارنا يقوم على معطيات موضوعية. فرغم اقرارنا بأن العامل الذاتي موجود وهو يتمثل بالخصوص في أننا نحبذ ما يكتبه الروائيون الثلاثة ونتابع شخصيا كل جديد لهم، فإننا نعتقد أنه لا يمكن التشكيك في قيمة ما يكتبون ولا في موهبتهم السردية ولا في مقدرتهم على الوصف حتى أن بعض الفقرات هي عبارة عن مشاهد جاهزة للتصوير.
صدرت رواية "الطلياني" للجامعي ورئيس جامعة منوبة سابقا شكري المبخوت عن دار التنوير (تونسية لبنانية مصرية) سنة 2015 وحازت على جائزة الكومار الذهبي وجائزة الرواية بمعرض تونس الدولي للكتاب والجائزة العالمية للرواية العربية ( البوكر ).
تدور أحداث هذه الرواية حول ثنائي عاش الفترة الساخنة التي شهدتها الجامعة التونسية والتي عرفت فيها الجامعة تحركات كبيرة والثنائي هو عبد الناصر الطالب بكلية الحقوق بتونس والقيادي بالاتحاد العام لطلبة تونس وزميلته بالجامعة ثم زوجته القادمة من الريف زينة. ولئن يختلف الثنائي من الناحية الاجتماعية إلا أنهما يلتقيان حول فكرة التمرد على ما هو سائد والرغبة في تغيير المجتمع قبل أن يجعلهما الاحتكاك بالواقع يقومان بعمليات مراجعة عديدة وقبل أن يتحول الانسجام بينهما إلى صدام مستمر. في الاثناء يرسم الكاتب معالم التطور الذي شهدها المجتمع خاصة في المرحلة الأخيرة من حكم الزعيم الحبيب بورقيبة ثم مرحلة بن علي تماما مثلما اهتم بالصراعات التي عاشتها الجامعة وخاصة صراع التيارات اليسارية والمحافظة واساسا التيارات الاسلامية. وقد نجح شكري المبخوت في تصوير تونس في مرحلة انتقالية بين حكمي الزعيم الحبيب بورقيبة الذي نرى في الرواية كيف أن المرأة استفادت من قراراته لصالحها وخاصة بعد اصدار مجلة الاحوال الشخصية التي ضمنت حقوق المرأة ومنعت تعدد الزوجات، وحكم خلفه زين العابدين بن علي. لقد كانت مرحلة مليئة بالمخاوف والشكوك شبيهة جدا بما عاشها المجتمع التونسي مجددا بعد أحداث 14 جانفي 2011، حيث لم تشهد البلاد منذ ذلك التاريخ الاستقرار في كل المجالات تقريبا.
لقد كتب شكري المبخوت بعد ذلك عدة روايات وصدر له " السيد العميد في قلعته" وباغندا" وصدرت له مؤخرا رواية جديدة بعنوان : "يوميات نور في العشر الاواخر من الأربعين"، عن دار التنوير كذلك وحصلت على التنويه. كلها يمكن أن تفيد في كتابة سيناريوهات للسينما أو التلفزيون، لكن في اعتقادنا أن الكاتب قد وضع مهجته في روايته الأولى وكتبها كتابة تكاد تكون بصرية حيث يسهل أن نتخيل الشخصيات في جيئها وذهابها ونتخيل حتى تعابير وجهها ونستغرب فعلا أنها لم تتحول بعد إلى الفن السابع أو إلى دراما تلفزيونية.
رواية "نازلة دار الأكابر" لصاحبتها أميرة غنيم وهي استاذة جامعية وقد وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية في 2021 صادرة عن دار مسعى تونس. وقد توجت بدورها بمجموعة من الجوائز من بينها جائزة الكومار الذهبي ( 2020) وصدرت في عدة طبعات كما صدرت في عدة ترجمات اجنبية من بينها الانقليزية. عادت بنا أميرة غنيم أستاذة اللسانيات بالجامعة التونسية ( مهتمة كذلك بالترجمة) إلى ثلاثينات القرن الماضي. الاحداث تدور اغلبها في بيت عائلة ثرية من تونس العاصمة التي يصطلح عليهم بـ"البلدية" والذين كان اغلبهم يقطن بالمدينة العتيقة ويملكون منازل فخمة ويلتزمون بسلوكيات معينة ويحتكمون إلى قيم معينة صورتها الكاتبة بشكل جلي في روايتها.
برهنت أميرة غنيم في روايتها عن مقدرة كبيرة في السرد ورسم الشخصيات بطريقة ذكية جدا تثير حماسة القارئ إلى آخر سطر في الرواية حيث تعلن اميرة عن ميلاد جيل جديد اصبحت تفصله عن الاجيال السابقة مسافة زمنية كبيرة لم يعد يربطه بها سوى حبل الذكريات وبعض الأثاث القديم المركون في زاوية معتمة في بيوت متداعية للسقوط بعد أن كانت اهلة بالسكان من اهل البيت والخدم والحشم وغيرها.
والبديع في هذه الرواية أن الكاتبة تخيلت قصة حب جمعت بين المصلح الطاهر الحداد وبين للاّ (هكذا كانوا ينادون النساء لدى الاكابر) زبيدة ابنة احدى العائلات العريقة والتي تم تزويجها قسرا بعد اكتشاف قصة العلاقة من عائلة في نفس عراقة عائلتها. لم تكن للا زبيدة من النساء التقليديات وكان والدها يشجعها على مواصلة تعليمها قبل أن تحل بالعائلة النازلة حيث ظل المصطلح يتردد على امتداد كامل صفحات الرواية تقريبا. ورغم أن قصة العلاقة بين الفتاة البلدية والطاهر الحداد القادم من الجنوب التونسي متخيلة، إلا أن الكاتبة برعت فيها إلى درجة أن القارئ يكاد يصدق أن الطاهر الحداد ذلك المصلح الذي نكاد لا نعرف عنه شيئا سوى أنه مدافع عن المرأة وأن كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" التقدمي جعله منبوذا حتى أنه مات كمدا وهو في أوجه شبابه، كان يعيش قصة حب قوية مع شابة من " البلدية" في تونس، قبل أن تجبرهما الاحكام المسبقة والعادات القاسية بالفراق.
رواية نازلة دار الأكابر كتبت أيضا بطريقة سلسة يسيرة ومشوقة تجعلنا نعيش الأحداث وكأننا نشاهد عملا مصورا ممتعا ويتحدث بطريقة مجددة عن حقبة تاريخية في بلادنا تبقى مثيرة للفضول. أميرة غنيم اصدرت كذلك رواية "الملف الاصفر" وقد حظيت بدورها بإشادة كبيرة ونتساءل لما لا تستفيد السينما في تونس والساحة التمثيلية بهذا الزخم الادبي الكبير.
الرواية الثالثة التي نعتقد أنه يسهل الاستلهام منها واقتباسها للسينما أو التلفزيون هي " حذاء اسباني " للكاتب محمد عيسى المؤدب وهي صادرة عن دار مسكلياني بتونس وحائزة على الجائزة الوطنية للرواية (2021) كما فاز الكاتب في نفس العام بجائزة معرض تونس الدولي للكتاب في فرع الرواية.
تدور الأحداث حول مانويل قريقوري الضابط بالمشاة البحرية الإسبانية في فترة الحرب الأهلية الاسبانية، الذي هرب إلى تونس واستقر في مدينة قليبية بالوطن القبلي وقد هرب الضابط هو وعدد من زملائه عبر البحر من بطش فرانكو واستطاع رغم العذاب والخوف اثناء رحلة الهروب أن يؤسس حياة جديدة في تونس وأن يبني فندقا جميلا أصبح القلب النابض في القرية لكنه ظل يحافظ على المهنة التي يحبها وهي صنع الاحذية. وحذاء اسباني يرمز إلى حذاء التعذيب الشهير في اسبانيا. وتدور الاحداث بطريقة الفلاش باك حيث يعود الكاتب إلى الماضي عبر استاذ تعليم ثانوي في قليبية يتولى مساعدة قريبة مانويل في استعادة قصة حياته. في الاثناء نكتشف الحقبة التي كانت تونس منفتحة فيها على كل الجنسيات والجميل في هذا النص الروائي أننا نكتشف مجددا من خلاله جمال بلادنا. جمال بحرها ومناخها وعاداتها الغذائية وأكلة السمك التي تشتهر بها مدننا الساحلية وذلك الاستعداد لدى التونسيين لاستقبال الآخر. انها تلك الروح المتوسطية التي تجمعنا رغم أن الرواية لا تخلو من أحداث محزنة ولا تخلو من البكاء لكن الكاتب صاغ الاحداث باسلوب متقن وهو مثله مثل الكاتبين المذكورين يتميز بقدرة سردية رهيبة تجعلنا نعيش مع الحدث لحظة بلحظة. كما أنه رسم الشخصيات بدقة متناهية ركزت على كل التفاصيل حتى نكاد نتبينها بوضوح.
. جدير بالذكر أن محمد عيسى المؤدب الكاتب والاستاذ، نشر عدة روايات اخرى لقيت صدى جيدا هي أيضا ونذكر من بينها " حمام الذهب" و"جهاد ناعم " واغلب اعماله توجت بجوائز هامة. وقد صدرت له مؤخرا رواية جديدة بعنوان " بلاص ديسكا" عن دار مسكلياني للنشر.
والسؤال ذاته نكرره بشأن رواية "حذاء اسباني" وغيرها من الاعمال الروائية الناجحة هو الآتي: هل إلى هذه الدرجة لا نهتم لما ينشر من روايات تكاد تكون ناطقة في الوقت الذي نعاني منه من معضلة اسمها ضغف السيناريو وفي الوقت الذي تتجه فيه الاستوديوهات الكبرى إلى الاقتباس أكثر فأكثر من الكتب ؟