أسباب كثيرة من شأنها أن تعزز القناعة أن أوروبا تتصدع وأن الاتحاد الأوروبي يواجه شروخا متعددة على خلفية الحرب الروسية في أوكرانيا وتفاقم الانزعاج من استمرار الدعم غير المسبوق لأوكرانيا إلى اجل غير مسمى، ولا شك أن فوز الحزب الشعبوي الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق روبرت فيكو بالانتخابات في سلوفاكيا مؤشر إضافي على التفكك الذي تتجه إليه دول الاتحاد الأوروبي والذي بات يتجسد أكثر فأكثر إزاء ملف أوكرانيا ومعه ملف الهجرة غير الشرعية الذي يؤرق أوروبا..، على أن ذلك قد لا يكون السبب الأساسي وراء التحول الجذري في موقف الرئيس قيس سعيد وتراجعه عن قبول مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي حول ملف الهجرة غير الشرعية ولكنه قد يكون احد هذه الأسباب التي من شأنها أن تدفع الديبلوماسية التونسية إلى إعادة النظر في هذه المذكرة بما يعزز مصالحها ويرفع سقف مطالبها ويسعى أيضا إلى تجاوز الكثير من الفخاخ التي تضمنتها الاتفاقية التي حظيت بالكثير من الإطناب والترحيب في البداية... وكان أولى الانتباه إلى كل النقاط التي وردت في المذكرة والتي أثارها عديد الخبراء مبكرا...
قد يكون من السابق لأوانه استقراء نتائج الموقف التونسي وما إذا سيكون جنب تونس فعلا أعباء مذكرة أقيمت على عجل وبكثير من المزاجية أو ما إذا على العكس من ذلك سيفاقم العراقيل والصعوبات أمام تونس... حتى الآن يبدو الموقف الأوروبي ديبلوماسيا وهادئا ولا يؤشر بأي حال من الأحوال إلى قطع الحوار أو توقفه وهذه مسألة مهمة لمسار العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي مستقبلا التي تحتاج دون شك للتصحيح من أجل بلوغ مرحلة الشراكة وفق مبدأ(win –win) بعيدا عن عقلية الوصاية والتعالي والرغبة في الهيمنة..، وهذا بدوره يحتاج من الديبلوماسية التونسية استعادة البوصلة وتحديد الأولويات والثوابت بعيدا عن الحسابات.. حتى وقت متأخر أمس ظلت تصريحات رئيس الجمهورية الرافضة لمذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي محل جدل مثير حيث حظيت بمتابعة إعلامية غير مسبوقة في مختلف الفضائيات بين مثمن لموقف تونس الجريء والمنتصر لكرامة وإنسانية التونسي في القبول مبدأ "التعاون ورفض العطف والصدقة" ورفض الدعم والمساعدات الأوروبية المهينة والمشروطة للميزانية بهدف مكافحة الهجرة غير الشرعية.. وهي مساعدات يمكن وصفها بالفتات ولا تعكس ولا توازي بأي حال من الأحوال الدور المطلوب من تونس في مكافحة الهجرة غير الشرعية والضلوع بدور الشرطي أو الحارس الأمين للسواحل الأوروبية ومنع وصول "الحراقة" إليها... ولكن ليس من الواضح لماذا تأخر الموقف التونسي الرافض لهذه الاتفاقية تماما كما أنه ليس من الواضح ما الذي حدث منذ جويلية الماضي حتى الآن وما هي أسباب هذا التراجع بعد كل ما رافق قمة روما من تسويق إعلامي و دعاية للنجاح الذي رافق الإعداد لها ...
والأكيد أن أكثر من نقطة استفهام تظل عالقة حيث أن الموقف الصادر عن رئيس الجمهورية أول أمس خلال استقباله وزير الخارجية نبيل عمار لم يكن متوقعا لعدة اعتبارات وهو أن السلطات الرسمية تجاهلت مختلف الانتقادات والتحذيرات من تداعيات مذكرة التفاهم بين تونس والاتحاد الأوروبي وما يمكن أن تحتمله من قيود أو فخاخ على اعتبار أن الشيطان يكمن في التفاصيل والتي تم التعتيم عليها حتى اللحظات الأخيرة ولم يتم إشراك الخبراء أو الأحزاب أو المجتمع المدني أو الإعلام في الإعداد لها في مختلف الأطوار التي مرت بها المباحثات مع تواتر زيارات رئيسة الحكومة الايطالية ميلوني إلى بلادنا.. ولا نكشف سرا إذا اعتبرنا أن ميلوني التي راهنت منذ البداية على كسب الانتخابات بالتسويق للقضاء على الهجرة غير الشرعية تستعد في صائفة جوان 2024 لخوض معركة انتخابات البرلمان الأوروبي بتوحيد الصفوف مع اليمين المتطرف في فرنسا .
"بلادنا وشعبنا لا يريد التعاطف بل لا يقبل به إذا كان دون احترام، وترتيبا على ذلك، فإن تونس ترفض ما تمّ الإعلان عنه في الأيام القليلة الماضية من قبل الاتحاد الأوروبي"، قرار غير مسبوق يتم إعلانه على الملء وعبر موقع رئاسة الجمهورية في رسالة مباشرة للداخل والخارج تأكيد على التزام رئيس الجمهورية بمبدإ السيادة الوطنية الذي ما انفك يستعرضه في كل المناسبات، ولكن أيضا للخارج وللاتحاد الأوروبي بمعنى أنه لا مجال لابتزاز تونس واستغلال الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد والتي يمكن أن تضعها عرضة للضغوطات وتفرض عليها خيارات تتنافى مع مصلحتها العليا ...
وفي انتظار ما ستؤول إليه تطورات الأحداث وما يمكن أن يطرأ من تحويرات على هذه المذكرة وما إذا ستستجيب لتطلعات تونس، سيكون لزاما التوقف عند نتائج اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذي عقد لأول مرة في تاريخه خارج حدود الاتحاد الأوروبي وتحديدا في العاصمة الأوكرانية كييف وما تمخض عنه من مساعدات تاريخية بعنوان السخاء الأوروبي ودعم أوكرانيا حتى النصر في هذه الحرب على اعتبار أن مستقبل أوكرانيا ضمن الاتحاد الأوروبي على حد تعبير جوزيف بوريل مسؤول العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي..، طبعا تونس لا تنتظر اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على ترابها فتونس بلد عربي مغاربي إسلامي إفريقي ومتوسطي يسعى إلى ضمان استقلالية قراره وتعزيز مصالحه وحماية مستقبل أجياله في إطار شراكة تحترم خصوصياته وأهدافه ولا تسعى لابتزازه والاستثمار في أزماته بفرض عقلية الغنيمة على أصحاب القرار فيه..، اللعبة كبيرة ولا يستهان بها والأكيد أن الديبلوماسية التونسية تواجه اختبارا مصيريا تحدده النتائج والانجازات وليس مجرد التصريحات ...
اسيا العتروس
أسباب كثيرة من شأنها أن تعزز القناعة أن أوروبا تتصدع وأن الاتحاد الأوروبي يواجه شروخا متعددة على خلفية الحرب الروسية في أوكرانيا وتفاقم الانزعاج من استمرار الدعم غير المسبوق لأوكرانيا إلى اجل غير مسمى، ولا شك أن فوز الحزب الشعبوي الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق روبرت فيكو بالانتخابات في سلوفاكيا مؤشر إضافي على التفكك الذي تتجه إليه دول الاتحاد الأوروبي والذي بات يتجسد أكثر فأكثر إزاء ملف أوكرانيا ومعه ملف الهجرة غير الشرعية الذي يؤرق أوروبا..، على أن ذلك قد لا يكون السبب الأساسي وراء التحول الجذري في موقف الرئيس قيس سعيد وتراجعه عن قبول مذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي حول ملف الهجرة غير الشرعية ولكنه قد يكون احد هذه الأسباب التي من شأنها أن تدفع الديبلوماسية التونسية إلى إعادة النظر في هذه المذكرة بما يعزز مصالحها ويرفع سقف مطالبها ويسعى أيضا إلى تجاوز الكثير من الفخاخ التي تضمنتها الاتفاقية التي حظيت بالكثير من الإطناب والترحيب في البداية... وكان أولى الانتباه إلى كل النقاط التي وردت في المذكرة والتي أثارها عديد الخبراء مبكرا...
قد يكون من السابق لأوانه استقراء نتائج الموقف التونسي وما إذا سيكون جنب تونس فعلا أعباء مذكرة أقيمت على عجل وبكثير من المزاجية أو ما إذا على العكس من ذلك سيفاقم العراقيل والصعوبات أمام تونس... حتى الآن يبدو الموقف الأوروبي ديبلوماسيا وهادئا ولا يؤشر بأي حال من الأحوال إلى قطع الحوار أو توقفه وهذه مسألة مهمة لمسار العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي مستقبلا التي تحتاج دون شك للتصحيح من أجل بلوغ مرحلة الشراكة وفق مبدأ(win –win) بعيدا عن عقلية الوصاية والتعالي والرغبة في الهيمنة..، وهذا بدوره يحتاج من الديبلوماسية التونسية استعادة البوصلة وتحديد الأولويات والثوابت بعيدا عن الحسابات.. حتى وقت متأخر أمس ظلت تصريحات رئيس الجمهورية الرافضة لمذكرة التفاهم مع الاتحاد الأوروبي محل جدل مثير حيث حظيت بمتابعة إعلامية غير مسبوقة في مختلف الفضائيات بين مثمن لموقف تونس الجريء والمنتصر لكرامة وإنسانية التونسي في القبول مبدأ "التعاون ورفض العطف والصدقة" ورفض الدعم والمساعدات الأوروبية المهينة والمشروطة للميزانية بهدف مكافحة الهجرة غير الشرعية.. وهي مساعدات يمكن وصفها بالفتات ولا تعكس ولا توازي بأي حال من الأحوال الدور المطلوب من تونس في مكافحة الهجرة غير الشرعية والضلوع بدور الشرطي أو الحارس الأمين للسواحل الأوروبية ومنع وصول "الحراقة" إليها... ولكن ليس من الواضح لماذا تأخر الموقف التونسي الرافض لهذه الاتفاقية تماما كما أنه ليس من الواضح ما الذي حدث منذ جويلية الماضي حتى الآن وما هي أسباب هذا التراجع بعد كل ما رافق قمة روما من تسويق إعلامي و دعاية للنجاح الذي رافق الإعداد لها ...
والأكيد أن أكثر من نقطة استفهام تظل عالقة حيث أن الموقف الصادر عن رئيس الجمهورية أول أمس خلال استقباله وزير الخارجية نبيل عمار لم يكن متوقعا لعدة اعتبارات وهو أن السلطات الرسمية تجاهلت مختلف الانتقادات والتحذيرات من تداعيات مذكرة التفاهم بين تونس والاتحاد الأوروبي وما يمكن أن تحتمله من قيود أو فخاخ على اعتبار أن الشيطان يكمن في التفاصيل والتي تم التعتيم عليها حتى اللحظات الأخيرة ولم يتم إشراك الخبراء أو الأحزاب أو المجتمع المدني أو الإعلام في الإعداد لها في مختلف الأطوار التي مرت بها المباحثات مع تواتر زيارات رئيسة الحكومة الايطالية ميلوني إلى بلادنا.. ولا نكشف سرا إذا اعتبرنا أن ميلوني التي راهنت منذ البداية على كسب الانتخابات بالتسويق للقضاء على الهجرة غير الشرعية تستعد في صائفة جوان 2024 لخوض معركة انتخابات البرلمان الأوروبي بتوحيد الصفوف مع اليمين المتطرف في فرنسا .
"بلادنا وشعبنا لا يريد التعاطف بل لا يقبل به إذا كان دون احترام، وترتيبا على ذلك، فإن تونس ترفض ما تمّ الإعلان عنه في الأيام القليلة الماضية من قبل الاتحاد الأوروبي"، قرار غير مسبوق يتم إعلانه على الملء وعبر موقع رئاسة الجمهورية في رسالة مباشرة للداخل والخارج تأكيد على التزام رئيس الجمهورية بمبدإ السيادة الوطنية الذي ما انفك يستعرضه في كل المناسبات، ولكن أيضا للخارج وللاتحاد الأوروبي بمعنى أنه لا مجال لابتزاز تونس واستغلال الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد والتي يمكن أن تضعها عرضة للضغوطات وتفرض عليها خيارات تتنافى مع مصلحتها العليا ...
وفي انتظار ما ستؤول إليه تطورات الأحداث وما يمكن أن يطرأ من تحويرات على هذه المذكرة وما إذا ستستجيب لتطلعات تونس، سيكون لزاما التوقف عند نتائج اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذي عقد لأول مرة في تاريخه خارج حدود الاتحاد الأوروبي وتحديدا في العاصمة الأوكرانية كييف وما تمخض عنه من مساعدات تاريخية بعنوان السخاء الأوروبي ودعم أوكرانيا حتى النصر في هذه الحرب على اعتبار أن مستقبل أوكرانيا ضمن الاتحاد الأوروبي على حد تعبير جوزيف بوريل مسؤول العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي..، طبعا تونس لا تنتظر اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على ترابها فتونس بلد عربي مغاربي إسلامي إفريقي ومتوسطي يسعى إلى ضمان استقلالية قراره وتعزيز مصالحه وحماية مستقبل أجياله في إطار شراكة تحترم خصوصياته وأهدافه ولا تسعى لابتزازه والاستثمار في أزماته بفرض عقلية الغنيمة على أصحاب القرار فيه..، اللعبة كبيرة ولا يستهان بها والأكيد أن الديبلوماسية التونسية تواجه اختبارا مصيريا تحدده النتائج والانجازات وليس مجرد التصريحات ...