إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

سيرة جيل معطوب أو سردية تيه العبور خارج الدائرة المغلقة

الكتاب من أوله إلى آخره رحلة بحث عن شاطئ الأمان وعن المرفأ المناسب الذي بإمكانه أن يحتضن المركب الذي يقل الجميع نحو عالم آخر حيث البؤس والظلم أقل وطأة تحت الشمس

بقلم نوفل سلامة 

كيف يجب أن نقرأ كتاب الشاعر والمفكر والسياسي اليساري فتحي النصري " صديقي رضا لينين " الصادر سنة 2020 عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع ؟ وكيف نفهم هذه الورقات التي يروي فيها هذا الشاعر الذي انتقل من الفضاء الديني وشواغل الإيمان لما كان يزاول تعلميه الثانوي ليصبح يساريا يعتنق الفكر الماركسي وينتمي إلى حركة الوطنيين الديمقراطيين لما التحق بالجامعة بعد خوضه تجربة قصيرة مع جماعة الدعوة والتبليغ ولقائه بالمرحوم حسن الغضباني.. كيف نفهم سيرة هذا الرومانسي المناضل وسيرة جيله من اليسار وكل جيل من العائلات السياسية الأخرى التي عاصرها وكانت مؤثرة في عشريات كثيرة قبل الثورة بداية من سبعينات القرن الماضي وقال عنها بأنها أجيال معطوبة انتهت بها رحلة النضال إلى حالة من العطب الذي لا إصلاح معه ؟ ثم كيف نصنف هذا الكتاب ضمن قائمة المؤلفات التي ظهرت بعد الثورة والتي جاءت تروي حكاية جيل كان مؤثرا بقوة في مراحل من تاريخ تونس المعاصرة ؟ فهل الكتاب سيرة ذاتية لفتحي النصري يحكي فيها قصته مع الايدولوجيا وحكاياته مع التنظيم الحزبي ورحلته في عالم السياسة التي وثق فيها لتغيير الواقع والمجتمع وبالتالي يمكن اعتبار الكتاب من ضمن كتب الذات في كل تجلياتها وتقلباتها ؟ أم هو سردية جيل من الشباب الحالم الذي اتخذ من الجامعة وأسوارها قلعة للنضال ضد الدولة المستبدة والنظام اللاوطني واللاديمقراطي فانطلق ينظّر للثورة على الوضع القائم مما حول هذا الفضاء الجامعي إلى ساحة لشتى الأفكار وحلبة للصراع الايديولوجي وصنف الكتاب في نوعية الكتب التي تقوم على التخيلات والأحلام الطوباوية ؟ وبين هذا وذاك هل هو مؤلف يصلح لكتابة تاريخ اليسار ويؤرخ للذاكرة المتبعة لجيل انهكه التفكير وأرهقه السير في طريق الايديولوجيات والنظريات الدائرية المغلقة ؟ في الحقيقة كانت كل هذه الأسئلة تخامرني وتجول بخاطري كلما تقدمت في قراءة هذا العمل الإبداعي حتى أنهيته ودونت هذه الحيرة التي انتابتني وجعلتني أعيش جانبا من الذات الحائرة القلقة التي كتب بها فتحي النصري هذا الإصدار .

حيرتي مع هذا الكتاب وهي في نفس الوقت مدار إعجابي به أنه حوى في الآن نفسه جانبا من حوار الذات التي تبحث عن خلاصها وطريق أمنها والتي انتهت إلى حالة من التيه وضياع حلم العبور إلى عالم آخر كان يحلم به فتحي النصري وحلم به جيله وسماه " تغيير العالم " ومساءلة النفس عن الخيارات التي قام بها عن وعي وقناعة ولكنها لم تثمر الثمار التي كان يرغب فيها ويتمناها ولم تنته به إلى تغيير العالم بل أعادته إلى نقطة البداية ليعيد طرح السؤال من جديد هل أخطأنا الطريق أم أن الطريق كانت صحيحة ولكن السير فيها هو الذي أضلها ؟

حيرتي الأولى كانت حول عنوان الكتاب والذي روّج به وسوّق له تحت عنوان " صديقي رضا لينين " و لماذا اختار فتحي النصري لكتابه عنوانا فرعيا " ورقات من سيرة جيل معطوب " ألم يكن من الأجدى أن يكون العكس هو الصحيح ويكون العنوان الأساسي للكتاب والذي كان مدار كل الحديث هو ورقات من سيرة جيل معطوب " ربما كان رضا شهاب المكي المعروف برضا لينين يمثل هذه العطوبة التي يتحدث عنها فيما حصل لهذا الجيل من اليسار الذي انتهى به مطاف السير في طريق النضال والثورة والحلم بالتغيير وبثورة يقودها العمال وينجزها الشعب إلى الفشل في تحقيق حلم الايديولوجية الماركسية وحلم النظريات اليسارية التي أخذت حيزا من عمر هذا الشباب وهو يناقش قضايا التغيير في الجامعة وفي حلقات دراسية في السر ليجد نفسه بعد تركه أسوار الجامعة أن الواقع يباغته وأن الحياة خارجها لا علاقة لها بكل ما كان يقال في حلقات النقاش .

هذه العطوبة التي يصورها رضا لينين القادم من فضاء ماركسي ثوري قضى حياته ثائرا رومانسيا حالما بالتغيير الثوري إلى حد المغامرة وهو بهذه الصورة يعكس صورة جيل كان يمثل النضال ضد زمن الضيق وكان يعتقد في إمكان التغيير بأدبيات النقاش والحماس الثوري فإذا به يصطدم بأن الحقيقة لها وعي آخر ومكان آخر غير الجامعة وأن الواقع له مقارباته المعقدة واكراهاته المختلفة عن الطروحات الفكرية وأن مثالية الخطب ورومانسية المقولات الايديولوجية وسهولة الحديث عن التغيير والثورة تبدو قوالب صدئة وأفكار دغمائية تتصدع وتتشقق أمام أول مواجهة مع الواقع المعقد الذي يحول النظريات الثورية مجرد فكر لا علاقة لها بما يدور في حياة الناس وعلائقهم.

الكتاب من أوله إلى آخره رحلة بحث عن شاطئ الأمان وعن المرفأ المناسب الذي بإمكانه أن يحتضن المركب الذي يقل الجميع نحو عالم آخر حيث البؤس والظلم أقل وطأة تحت الشمس .. هو حديث عن هذه العطوبة التي انتابته وانتابت جيلا كاملا من اليسار وحتى من أجيال أطياف فكرية أخرى وهي حالة يوصف بها ما حصل للكثير من الشباب الثائر الحالم بالتغيير والمشبع بالأفكار الماركسية والمعبأ بكم كبير من الأفكار عن الثورة والتغيير والتاريخ والتجارب والنظريات بعد أن غادر الجامعة واحتك بالواقع لا يسميها حالة فشل ولا يصف نهاية مسارهم وتجاربهم السياسية المختلفة بالفاشلة وهنا السؤال: لماذا يصدر فتحي النصري حكم العطب بدل الفشل على ما حصل لهذا اليسار من خيبات وانتكاسات ؟

العطب الذي اعترى الآلة الماركسية ومنعها من مواصلة سيرها الحالم وتحقيق هدفها قيام ثورة شعبية ضد الحكم والسلطة القائمة كان في سؤال خيار البدايات فهل اخطأنا البداية ؟ وهل اخطأنا الاختيار الأول والقرار الأول ؟ هل اخطأنا الطريق حينما سار هذا الجيل وراء الايديولوجيات التي اتضح في النهاية أنها مغلقة ومنغلقة وفشلت في تلمس طريق العبور ورحلة الخروج إلى العالم الحقيقي ؟ هل هو عطب الانتقال بالفكرة إلى العمل ومن النظرية إلى الممارسة ؟ هل هي عطوبة أدوات التغيير التي جعلت فتحي النصري ينتقل من تيار الوطنيين الديمقراطيين لما كان طالبا في الجامعة ذو النزعة الثورية التي تعتبر نظام بورقيبة وبن علي لا وطنيا ولا ديمقراطيا ومن هنا جاءت تسمية هذا الفصيل الماركسي الرافض لأي اعتراف وتعامل مع هذا النظام القائم قبل تغييره لينتمي فيما بعد إلى الحزب الشيوعي التونسي حركة التجديد لاحقا الموسوم بالنزعة الاصلاحية التي ترى التغيير ضمن اللعبة الديمقراطية على هناتها وفي إطار مؤسسات الدولة والمجتمع وهو الحزب المثقل بإرث تاريخي طويل حوله خلاف كبير والمعتبر تحريفيا في نظر التيارات الماركسية الأخرى.

هل هو عطب أدوات التغيير الماركسية التي عجزت عن بلورة طريقة تونسية لتغيير المجتمع بفكر وطني يكون أكثر التصاقا بالواقع المعيش ويعبر عن تونسية هذا التوجه بدل الاحتماء بالأفكار النظرية الوافدة من مجتمعات وبيئات أخرى يناسبها الفكر الماركسي أكثر مما يناسبنا ، فكر لا يعبر عن واقعنا وتاريخنا الذي يعكس خصوصية هذا البلد وهو عطب نظري أفرز حالة من العجز وحالة من الانسداد جعلت الكثير من أبناء اليسار يبحثون عن طريق آخر للتغيير وجسر للعبور من خارج الماركسية يكون في الانضمام إلى الحزب الحاكم وإيهام النفس بأن اليساري بإمكانه أن يغير العالم من داخل حزب التجمع. فهل العطوبة فيما حصل من التحاق لجانب كبير من اليسار بالحزب الحاكم الذي كان يصفه باللاوطني واللاديمقراطي ؟ هل العطب في هذه الانتهازية وفيما رافقها من تبرير ؟ هل العطب في هذا التاريخ لجزء من اليسار في تحوله مع الوقت إلى ذراع للسلطة والنظام ؟

هل هو عطب الأفكار التي كان الشباب اليساري يناقشها في الجامعة ويعتقد في صحتها وجدواها وأهميتها وفي هذا الانغماس المكثف في تحديد نوعية النظام وصورة الشعب هل هو اقطاعي أم شبه إقطاعي ؟ وهل أن النظام الحاكم هو نظام وطني أم عميل للخارج وتابع لمستعمره القديم  ؟ وهل أن الخط الإصلاحي هو أنسب لنا من خط الثورة ؟ وهل أن الفكرة الشيوعية التي يثق فيها اليسار التونسي واليوتوبيا التي لم تفارق الماركسيين في أمكانية ثورة على النظام يقودها الشعب وتنتهي بتغيير النظام وكل بناه التقليدية وتفرز منظومة حكم جديدة ومنظومة اقتصادية واجتماعية مغايرة هي أصل العطب ؟ هل العطب في هذا التشبث بهذه المقولات القديمة التي جعلت جيلا كاملا مرتهنا للماضي وحبيس القديم ورافضا لأي تجديد أو تغيير ؟

المؤلم في هذه السيرة الذاتية لفتحي النصري والمحزن في هذه السردية لهذا الجيل من اليسار الذي تحكم فيه وضع العطب فيما انتهى إليه الكاتب من طرح السؤال الكبير في قوله : هل كان لا بد من تلك الرحلة الدامية لينتهي المرء إلى حقائق بسيطة كانت منذ البداية أمام ناظريه .. ربما كانت مسيرة جيلي محكومة بعوائق البدايات وربما كان ذلك قدره ولكن لطالما أمضّني أن أرى أجيالا لاحقة تنسج على المنوال نفسه وتكرر التاريخ .. هل يمكن أن نتعظ ونتدارك مع أبنائنا حتى لا يذكروننا بشبابنا ..

سيرة جيل معطوب أو سردية تيه العبور خارج الدائرة المغلقة

الكتاب من أوله إلى آخره رحلة بحث عن شاطئ الأمان وعن المرفأ المناسب الذي بإمكانه أن يحتضن المركب الذي يقل الجميع نحو عالم آخر حيث البؤس والظلم أقل وطأة تحت الشمس

بقلم نوفل سلامة 

كيف يجب أن نقرأ كتاب الشاعر والمفكر والسياسي اليساري فتحي النصري " صديقي رضا لينين " الصادر سنة 2020 عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع ؟ وكيف نفهم هذه الورقات التي يروي فيها هذا الشاعر الذي انتقل من الفضاء الديني وشواغل الإيمان لما كان يزاول تعلميه الثانوي ليصبح يساريا يعتنق الفكر الماركسي وينتمي إلى حركة الوطنيين الديمقراطيين لما التحق بالجامعة بعد خوضه تجربة قصيرة مع جماعة الدعوة والتبليغ ولقائه بالمرحوم حسن الغضباني.. كيف نفهم سيرة هذا الرومانسي المناضل وسيرة جيله من اليسار وكل جيل من العائلات السياسية الأخرى التي عاصرها وكانت مؤثرة في عشريات كثيرة قبل الثورة بداية من سبعينات القرن الماضي وقال عنها بأنها أجيال معطوبة انتهت بها رحلة النضال إلى حالة من العطب الذي لا إصلاح معه ؟ ثم كيف نصنف هذا الكتاب ضمن قائمة المؤلفات التي ظهرت بعد الثورة والتي جاءت تروي حكاية جيل كان مؤثرا بقوة في مراحل من تاريخ تونس المعاصرة ؟ فهل الكتاب سيرة ذاتية لفتحي النصري يحكي فيها قصته مع الايدولوجيا وحكاياته مع التنظيم الحزبي ورحلته في عالم السياسة التي وثق فيها لتغيير الواقع والمجتمع وبالتالي يمكن اعتبار الكتاب من ضمن كتب الذات في كل تجلياتها وتقلباتها ؟ أم هو سردية جيل من الشباب الحالم الذي اتخذ من الجامعة وأسوارها قلعة للنضال ضد الدولة المستبدة والنظام اللاوطني واللاديمقراطي فانطلق ينظّر للثورة على الوضع القائم مما حول هذا الفضاء الجامعي إلى ساحة لشتى الأفكار وحلبة للصراع الايديولوجي وصنف الكتاب في نوعية الكتب التي تقوم على التخيلات والأحلام الطوباوية ؟ وبين هذا وذاك هل هو مؤلف يصلح لكتابة تاريخ اليسار ويؤرخ للذاكرة المتبعة لجيل انهكه التفكير وأرهقه السير في طريق الايديولوجيات والنظريات الدائرية المغلقة ؟ في الحقيقة كانت كل هذه الأسئلة تخامرني وتجول بخاطري كلما تقدمت في قراءة هذا العمل الإبداعي حتى أنهيته ودونت هذه الحيرة التي انتابتني وجعلتني أعيش جانبا من الذات الحائرة القلقة التي كتب بها فتحي النصري هذا الإصدار .

حيرتي مع هذا الكتاب وهي في نفس الوقت مدار إعجابي به أنه حوى في الآن نفسه جانبا من حوار الذات التي تبحث عن خلاصها وطريق أمنها والتي انتهت إلى حالة من التيه وضياع حلم العبور إلى عالم آخر كان يحلم به فتحي النصري وحلم به جيله وسماه " تغيير العالم " ومساءلة النفس عن الخيارات التي قام بها عن وعي وقناعة ولكنها لم تثمر الثمار التي كان يرغب فيها ويتمناها ولم تنته به إلى تغيير العالم بل أعادته إلى نقطة البداية ليعيد طرح السؤال من جديد هل أخطأنا الطريق أم أن الطريق كانت صحيحة ولكن السير فيها هو الذي أضلها ؟

حيرتي الأولى كانت حول عنوان الكتاب والذي روّج به وسوّق له تحت عنوان " صديقي رضا لينين " و لماذا اختار فتحي النصري لكتابه عنوانا فرعيا " ورقات من سيرة جيل معطوب " ألم يكن من الأجدى أن يكون العكس هو الصحيح ويكون العنوان الأساسي للكتاب والذي كان مدار كل الحديث هو ورقات من سيرة جيل معطوب " ربما كان رضا شهاب المكي المعروف برضا لينين يمثل هذه العطوبة التي يتحدث عنها فيما حصل لهذا الجيل من اليسار الذي انتهى به مطاف السير في طريق النضال والثورة والحلم بالتغيير وبثورة يقودها العمال وينجزها الشعب إلى الفشل في تحقيق حلم الايديولوجية الماركسية وحلم النظريات اليسارية التي أخذت حيزا من عمر هذا الشباب وهو يناقش قضايا التغيير في الجامعة وفي حلقات دراسية في السر ليجد نفسه بعد تركه أسوار الجامعة أن الواقع يباغته وأن الحياة خارجها لا علاقة لها بكل ما كان يقال في حلقات النقاش .

هذه العطوبة التي يصورها رضا لينين القادم من فضاء ماركسي ثوري قضى حياته ثائرا رومانسيا حالما بالتغيير الثوري إلى حد المغامرة وهو بهذه الصورة يعكس صورة جيل كان يمثل النضال ضد زمن الضيق وكان يعتقد في إمكان التغيير بأدبيات النقاش والحماس الثوري فإذا به يصطدم بأن الحقيقة لها وعي آخر ومكان آخر غير الجامعة وأن الواقع له مقارباته المعقدة واكراهاته المختلفة عن الطروحات الفكرية وأن مثالية الخطب ورومانسية المقولات الايديولوجية وسهولة الحديث عن التغيير والثورة تبدو قوالب صدئة وأفكار دغمائية تتصدع وتتشقق أمام أول مواجهة مع الواقع المعقد الذي يحول النظريات الثورية مجرد فكر لا علاقة لها بما يدور في حياة الناس وعلائقهم.

الكتاب من أوله إلى آخره رحلة بحث عن شاطئ الأمان وعن المرفأ المناسب الذي بإمكانه أن يحتضن المركب الذي يقل الجميع نحو عالم آخر حيث البؤس والظلم أقل وطأة تحت الشمس .. هو حديث عن هذه العطوبة التي انتابته وانتابت جيلا كاملا من اليسار وحتى من أجيال أطياف فكرية أخرى وهي حالة يوصف بها ما حصل للكثير من الشباب الثائر الحالم بالتغيير والمشبع بالأفكار الماركسية والمعبأ بكم كبير من الأفكار عن الثورة والتغيير والتاريخ والتجارب والنظريات بعد أن غادر الجامعة واحتك بالواقع لا يسميها حالة فشل ولا يصف نهاية مسارهم وتجاربهم السياسية المختلفة بالفاشلة وهنا السؤال: لماذا يصدر فتحي النصري حكم العطب بدل الفشل على ما حصل لهذا اليسار من خيبات وانتكاسات ؟

العطب الذي اعترى الآلة الماركسية ومنعها من مواصلة سيرها الحالم وتحقيق هدفها قيام ثورة شعبية ضد الحكم والسلطة القائمة كان في سؤال خيار البدايات فهل اخطأنا البداية ؟ وهل اخطأنا الاختيار الأول والقرار الأول ؟ هل اخطأنا الطريق حينما سار هذا الجيل وراء الايديولوجيات التي اتضح في النهاية أنها مغلقة ومنغلقة وفشلت في تلمس طريق العبور ورحلة الخروج إلى العالم الحقيقي ؟ هل هو عطب الانتقال بالفكرة إلى العمل ومن النظرية إلى الممارسة ؟ هل هي عطوبة أدوات التغيير التي جعلت فتحي النصري ينتقل من تيار الوطنيين الديمقراطيين لما كان طالبا في الجامعة ذو النزعة الثورية التي تعتبر نظام بورقيبة وبن علي لا وطنيا ولا ديمقراطيا ومن هنا جاءت تسمية هذا الفصيل الماركسي الرافض لأي اعتراف وتعامل مع هذا النظام القائم قبل تغييره لينتمي فيما بعد إلى الحزب الشيوعي التونسي حركة التجديد لاحقا الموسوم بالنزعة الاصلاحية التي ترى التغيير ضمن اللعبة الديمقراطية على هناتها وفي إطار مؤسسات الدولة والمجتمع وهو الحزب المثقل بإرث تاريخي طويل حوله خلاف كبير والمعتبر تحريفيا في نظر التيارات الماركسية الأخرى.

هل هو عطب أدوات التغيير الماركسية التي عجزت عن بلورة طريقة تونسية لتغيير المجتمع بفكر وطني يكون أكثر التصاقا بالواقع المعيش ويعبر عن تونسية هذا التوجه بدل الاحتماء بالأفكار النظرية الوافدة من مجتمعات وبيئات أخرى يناسبها الفكر الماركسي أكثر مما يناسبنا ، فكر لا يعبر عن واقعنا وتاريخنا الذي يعكس خصوصية هذا البلد وهو عطب نظري أفرز حالة من العجز وحالة من الانسداد جعلت الكثير من أبناء اليسار يبحثون عن طريق آخر للتغيير وجسر للعبور من خارج الماركسية يكون في الانضمام إلى الحزب الحاكم وإيهام النفس بأن اليساري بإمكانه أن يغير العالم من داخل حزب التجمع. فهل العطوبة فيما حصل من التحاق لجانب كبير من اليسار بالحزب الحاكم الذي كان يصفه باللاوطني واللاديمقراطي ؟ هل العطب في هذه الانتهازية وفيما رافقها من تبرير ؟ هل العطب في هذا التاريخ لجزء من اليسار في تحوله مع الوقت إلى ذراع للسلطة والنظام ؟

هل هو عطب الأفكار التي كان الشباب اليساري يناقشها في الجامعة ويعتقد في صحتها وجدواها وأهميتها وفي هذا الانغماس المكثف في تحديد نوعية النظام وصورة الشعب هل هو اقطاعي أم شبه إقطاعي ؟ وهل أن النظام الحاكم هو نظام وطني أم عميل للخارج وتابع لمستعمره القديم  ؟ وهل أن الخط الإصلاحي هو أنسب لنا من خط الثورة ؟ وهل أن الفكرة الشيوعية التي يثق فيها اليسار التونسي واليوتوبيا التي لم تفارق الماركسيين في أمكانية ثورة على النظام يقودها الشعب وتنتهي بتغيير النظام وكل بناه التقليدية وتفرز منظومة حكم جديدة ومنظومة اقتصادية واجتماعية مغايرة هي أصل العطب ؟ هل العطب في هذا التشبث بهذه المقولات القديمة التي جعلت جيلا كاملا مرتهنا للماضي وحبيس القديم ورافضا لأي تجديد أو تغيير ؟

المؤلم في هذه السيرة الذاتية لفتحي النصري والمحزن في هذه السردية لهذا الجيل من اليسار الذي تحكم فيه وضع العطب فيما انتهى إليه الكاتب من طرح السؤال الكبير في قوله : هل كان لا بد من تلك الرحلة الدامية لينتهي المرء إلى حقائق بسيطة كانت منذ البداية أمام ناظريه .. ربما كانت مسيرة جيلي محكومة بعوائق البدايات وربما كان ذلك قدره ولكن لطالما أمضّني أن أرى أجيالا لاحقة تنسج على المنوال نفسه وتكرر التاريخ .. هل يمكن أن نتعظ ونتدارك مع أبنائنا حتى لا يذكروننا بشبابنا ..