إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رأي.. لن تفرط السعودية بقيادة النظام العربي من أجل التطبيع

 

بقلم: هاني مبارك(*)

لازال موضوع التطبيع السعودي الإسرائيلي يحتل مساحات واسعة من اهتمامات الساسة والمحللين والإعلاميين، لاعتبارات الأهمية الجيوسياسية الفائقة التي تتوقف تأثيراتها على تداعيات ونتائج هذه الخطوة الفارقة خاصة على المستوى الإقليمي وبدرجة اخص على مستوى الصراع مع إسرائيل وحماية الحقوق الوطنية الفلسطينية على الأقل كما حددتها قمة بيروت عام 2002.

ولفهم الشروط والأسباب السعودية التي من شأنها إغراء الرياض للذهاب بعيدا في هذه المغامرة، فإنه يجب التوقف سريعا أمام الرؤية السعودية التاريخية لدورها الإقليمي كما حددها لها ليس فقط موقعها الجغرافي ولا ما منحها الله من تلك المكانة الدينية في واحدة من اكبر الديانات السماوية، بل لأنها قوة اقتصادية صاعدة ومتمددة تلعب دورا أساسيا في مفهوم قوة الدولة وتحديد نطاقاتها الجيوسياسية المحمول تغيرها على متغير مفهوم نفوذ الدولة، الذي إن توفرت له قيادة سياسية واعية والتقطت فهم متطلبات تجسيد ذلك النفوذ وتوسيعه، فإنها ستكسب معركة إعادة التموضع والتأثير في المحيطين الإقليمي والدولي، لا سيما وأن الصراع على أوروبا وجزء من آسيا في كثير من نتائجه يتوقف على الانحيازات والاختبارات السعودية في علاقاتها بقوى الصراع على قيادة النظام الدولي.

وفي هذا الإطار لا بد من التأمل بعمق في فهم الدور الإقليمي للسعودية كما فهمته وجسدته القيادات السعودية المتعاقبة على قيادة المملكة لا نقول منذ تأسيسها في ثلاثينيات القرن الماضي بل يكفي الإشارة إلى ذلك منذ أن تحول النظام الإقليمي العربي إلى واقع ملموس في منتصف أربعينيات نفس القرن، وتحديدا منذ بدايات الصراع على قيادته منتصف الخمسينيات الماضية بين مجموعة دول القيادة فيه.

وحيث تذهب مختلف دراسات النظام العربي إلى الاتفاق على استقرار الصراع فيه وعلى قيادته بصورة واضحة بين كل من مصر وسوريا والعراق لأسباب لا يتسع المجال لسردها هنا من جهة، فإنها تؤكد من الجهة الأخرى على أن السعودية قد لعبت في هذا السياق دور المرجح الحاسم لكفة هذا الطرف أو ذاك تأييدا أو معارضة، بل وفي كثير من الأحيان كان يتخذ هذا الدور أنواعا من خلق بؤر للتوتير والإلهاء جعل منها لاعبا حاضرا في مختلف مراحل تطور حياة النظام الإقليمي العربي ومنافسا قويا على قيادته.

كما تجب الإشارة هنا إلى أن السعودية التي كانت تلعب هذا الدور على صعيد النظام العربي كانت تواجه إشكاليات على صعيدي النظام الإقليمي الخليجي في مواجهة إيران والعراق ومجلس التعاون الخليجي من قبل كل من قطر بشكل مبكر ودولة الإمارات العربية لاحقا.

وهذه الإشارة تناولناها لكي نقول أن الدور السعودي في قيادة النظام العربي الذي آل إليها بعد سلسلة من التغيرات العميقة في الإقليم كخروج مصر من دائرة التأثير بعد اتفاقيات كامب ديفيد ثم العراق بعد حربي الخليج الأخيرتين وسوريا بعد أحداث الربيع العربي، تواجه تحديات جدية ليس فقط من قبل محيطها الإقليمي العربي بل من قبل دول الجوار في إيران وتركيا، اللتان تعدان إلى جانب إسرائيل وربما إثيوبيا لاحقا دول الطوق المناوئ والمنافس على قيادة المنطقة.

مما لا شك فيه أن القيادة السعودية تعي مثل هذه المخاطر وتعرف جيدا أن الثقل المصري كله لم يعد ذي وزن عندما تخلت مصر عن ابسط شروط القيادة الإقليمية المتمثلة بأخذ جدول اهتمامات الشارع العربي في الحسبان والذي كانت ولا زالت الحقوق الفلسطينية تعد جوهرها للمضي قدما في اتفاقياتها مع إسرائيل، كما تدرك جيدا أن منافسها الإقليمي القوي أي إيران سيجد في أي خطأ في التقديرات السعودية بعلاقتها مع إسرائيل نقطة أضعاف قاتلة لها ولدورها الإقليمي الذي قاتلت من أجله سنوات طويلة.

وفي هذا السياق يذهب بعض المراقبين للقول أن سبيل البحث عن الوسيلة الأسهل سعوديا للتوصل إلى اتفاقية تطبيع مع إسرائيل هو أن تلجأ للعب في المساحة الفلسطينية لاعتقاد - قد لا يكون دقيقا - أنها المساحة الأكثر مرونة والضغط على القيادة الفلسطينية للقبول بنتائج الحد الأدنى التي يمكن للمفاوض السعودي الحصول عليها من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي.

مثل هذه الآراء والاعتقادات والتسريبات التي تولى الإعلام الإسرائيلي بدرجة أولى والأمريكي والبريطاني بدرجة ثانية الترويج لها تتنافى كليا مع الواقع التفاوضي للعربية السعودية التي لم تفتح أبواب الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة إلا بعد أن امتلكت مجموعة كبيرة من الخيارات والأوراق مع كل من موسكو وبكين وعملت على تبريد خطوط التماس مع طهران جعلتها في موقع القوة.

ولذا فان سلوكا سعوديا من قبيل البحث عن غطاء فلسطيني بأي شكل من الأشكال -إن حصل- فإنه سيفوت على المملكة الفرصة التاريخية لقيادة النظام العربي، حيث يؤكد تاريخ دراسات الأنماط القيادية للنظم الفرعية للنظام الدولي فشل أي دولة في النجاح والاستمرار إن هي اختطت  سياسات واختيارات تتنافى وجدول اهتمام شعوب تلك النظم.

والأرجح في هذا السياق أن القيادة النوعية للأمير محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة العربية السعودية سوف لن يغيب عن حساباتها مثل هذه الاعتبارات، ولن تفرط بفرصة قيادة النظام الإقليمي من اجل تطبيع لها عدة بدائل عنه، حيث أظهر الأمير السعودي في أكثر من مرة انه ولادة نمط قيادي مميز داخل المنطقة وانه يعمل على وضع بلاده في المكان الذي يجب أن تكون به وانه يسعى للقطع مع لعب دور الدولة الثانية أو الثالثة ويضع السعودية على رأس قيادة النظام الإقليمي بلا منازع.

في المقابل فإنه أيضا لن يغيب عن القيادة الفلسطينية مثل هذه الحسابات، كما لن يغيب عنها ضرورة تصليب الموقف السعودي من خلال وضع الخطوط الحمراء التي لن ينزل دونها المزاج الشعبي الفلسطيني ولا حتى العربي للقبول بأي اتفاق تطبيع بين السعودية وإسرائيل، وأن أي استغلال من أجل تمرير أية صفقة سيلحق ضرر فادحا بالدور السعودي أولا والمنطقة ثانيا وبالفلسطينيين ثالثا.

  • أستاذ الإعلام في جامعة منوبة
رأي..   لن تفرط السعودية بقيادة النظام العربي من أجل التطبيع

 

بقلم: هاني مبارك(*)

لازال موضوع التطبيع السعودي الإسرائيلي يحتل مساحات واسعة من اهتمامات الساسة والمحللين والإعلاميين، لاعتبارات الأهمية الجيوسياسية الفائقة التي تتوقف تأثيراتها على تداعيات ونتائج هذه الخطوة الفارقة خاصة على المستوى الإقليمي وبدرجة اخص على مستوى الصراع مع إسرائيل وحماية الحقوق الوطنية الفلسطينية على الأقل كما حددتها قمة بيروت عام 2002.

ولفهم الشروط والأسباب السعودية التي من شأنها إغراء الرياض للذهاب بعيدا في هذه المغامرة، فإنه يجب التوقف سريعا أمام الرؤية السعودية التاريخية لدورها الإقليمي كما حددها لها ليس فقط موقعها الجغرافي ولا ما منحها الله من تلك المكانة الدينية في واحدة من اكبر الديانات السماوية، بل لأنها قوة اقتصادية صاعدة ومتمددة تلعب دورا أساسيا في مفهوم قوة الدولة وتحديد نطاقاتها الجيوسياسية المحمول تغيرها على متغير مفهوم نفوذ الدولة، الذي إن توفرت له قيادة سياسية واعية والتقطت فهم متطلبات تجسيد ذلك النفوذ وتوسيعه، فإنها ستكسب معركة إعادة التموضع والتأثير في المحيطين الإقليمي والدولي، لا سيما وأن الصراع على أوروبا وجزء من آسيا في كثير من نتائجه يتوقف على الانحيازات والاختبارات السعودية في علاقاتها بقوى الصراع على قيادة النظام الدولي.

وفي هذا الإطار لا بد من التأمل بعمق في فهم الدور الإقليمي للسعودية كما فهمته وجسدته القيادات السعودية المتعاقبة على قيادة المملكة لا نقول منذ تأسيسها في ثلاثينيات القرن الماضي بل يكفي الإشارة إلى ذلك منذ أن تحول النظام الإقليمي العربي إلى واقع ملموس في منتصف أربعينيات نفس القرن، وتحديدا منذ بدايات الصراع على قيادته منتصف الخمسينيات الماضية بين مجموعة دول القيادة فيه.

وحيث تذهب مختلف دراسات النظام العربي إلى الاتفاق على استقرار الصراع فيه وعلى قيادته بصورة واضحة بين كل من مصر وسوريا والعراق لأسباب لا يتسع المجال لسردها هنا من جهة، فإنها تؤكد من الجهة الأخرى على أن السعودية قد لعبت في هذا السياق دور المرجح الحاسم لكفة هذا الطرف أو ذاك تأييدا أو معارضة، بل وفي كثير من الأحيان كان يتخذ هذا الدور أنواعا من خلق بؤر للتوتير والإلهاء جعل منها لاعبا حاضرا في مختلف مراحل تطور حياة النظام الإقليمي العربي ومنافسا قويا على قيادته.

كما تجب الإشارة هنا إلى أن السعودية التي كانت تلعب هذا الدور على صعيد النظام العربي كانت تواجه إشكاليات على صعيدي النظام الإقليمي الخليجي في مواجهة إيران والعراق ومجلس التعاون الخليجي من قبل كل من قطر بشكل مبكر ودولة الإمارات العربية لاحقا.

وهذه الإشارة تناولناها لكي نقول أن الدور السعودي في قيادة النظام العربي الذي آل إليها بعد سلسلة من التغيرات العميقة في الإقليم كخروج مصر من دائرة التأثير بعد اتفاقيات كامب ديفيد ثم العراق بعد حربي الخليج الأخيرتين وسوريا بعد أحداث الربيع العربي، تواجه تحديات جدية ليس فقط من قبل محيطها الإقليمي العربي بل من قبل دول الجوار في إيران وتركيا، اللتان تعدان إلى جانب إسرائيل وربما إثيوبيا لاحقا دول الطوق المناوئ والمنافس على قيادة المنطقة.

مما لا شك فيه أن القيادة السعودية تعي مثل هذه المخاطر وتعرف جيدا أن الثقل المصري كله لم يعد ذي وزن عندما تخلت مصر عن ابسط شروط القيادة الإقليمية المتمثلة بأخذ جدول اهتمامات الشارع العربي في الحسبان والذي كانت ولا زالت الحقوق الفلسطينية تعد جوهرها للمضي قدما في اتفاقياتها مع إسرائيل، كما تدرك جيدا أن منافسها الإقليمي القوي أي إيران سيجد في أي خطأ في التقديرات السعودية بعلاقتها مع إسرائيل نقطة أضعاف قاتلة لها ولدورها الإقليمي الذي قاتلت من أجله سنوات طويلة.

وفي هذا السياق يذهب بعض المراقبين للقول أن سبيل البحث عن الوسيلة الأسهل سعوديا للتوصل إلى اتفاقية تطبيع مع إسرائيل هو أن تلجأ للعب في المساحة الفلسطينية لاعتقاد - قد لا يكون دقيقا - أنها المساحة الأكثر مرونة والضغط على القيادة الفلسطينية للقبول بنتائج الحد الأدنى التي يمكن للمفاوض السعودي الحصول عليها من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي.

مثل هذه الآراء والاعتقادات والتسريبات التي تولى الإعلام الإسرائيلي بدرجة أولى والأمريكي والبريطاني بدرجة ثانية الترويج لها تتنافى كليا مع الواقع التفاوضي للعربية السعودية التي لم تفتح أبواب الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة إلا بعد أن امتلكت مجموعة كبيرة من الخيارات والأوراق مع كل من موسكو وبكين وعملت على تبريد خطوط التماس مع طهران جعلتها في موقع القوة.

ولذا فان سلوكا سعوديا من قبيل البحث عن غطاء فلسطيني بأي شكل من الأشكال -إن حصل- فإنه سيفوت على المملكة الفرصة التاريخية لقيادة النظام العربي، حيث يؤكد تاريخ دراسات الأنماط القيادية للنظم الفرعية للنظام الدولي فشل أي دولة في النجاح والاستمرار إن هي اختطت  سياسات واختيارات تتنافى وجدول اهتمام شعوب تلك النظم.

والأرجح في هذا السياق أن القيادة النوعية للأمير محمد بن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة العربية السعودية سوف لن يغيب عن حساباتها مثل هذه الاعتبارات، ولن تفرط بفرصة قيادة النظام الإقليمي من اجل تطبيع لها عدة بدائل عنه، حيث أظهر الأمير السعودي في أكثر من مرة انه ولادة نمط قيادي مميز داخل المنطقة وانه يعمل على وضع بلاده في المكان الذي يجب أن تكون به وانه يسعى للقطع مع لعب دور الدولة الثانية أو الثالثة ويضع السعودية على رأس قيادة النظام الإقليمي بلا منازع.

في المقابل فإنه أيضا لن يغيب عن القيادة الفلسطينية مثل هذه الحسابات، كما لن يغيب عنها ضرورة تصليب الموقف السعودي من خلال وضع الخطوط الحمراء التي لن ينزل دونها المزاج الشعبي الفلسطيني ولا حتى العربي للقبول بأي اتفاق تطبيع بين السعودية وإسرائيل، وأن أي استغلال من أجل تمرير أية صفقة سيلحق ضرر فادحا بالدور السعودي أولا والمنطقة ثانيا وبالفلسطينيين ثالثا.

  • أستاذ الإعلام في جامعة منوبة