إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ممنوع من الحياد.. من سيموّل الحرب في أوكرانيا؟

 

ارتفاع الأصوات المعارضة لتمويل الحرب الأوكرانية في الغرب مسألة لا يمكن التقليل من شأنها والأكيد أنه سيتعين على أوروبا وهي تستعد لاستقبال موسم الشتاء الجديد أن تتهيأ لمواجهة هذه الأصوات التي لم تعد خفية، السخاء والكرم والعطاء غير المسبوق الذي حظي به الممثل السينمائي السابق والرئيس الأوكراني الحالي زيلنسكي لم يعد أمرا مفروغا منه وقد جاءت الأزمة الراهنة بين مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين والتي تهدد بشل الإدارة الفيدرالية لتعيد الأزمة الى السطح وتؤكد أن ما كان محل إجماع أمريكي أوروبي في بداية الحرب لم يعد كذلك وأن الاستمرار في تمويل أوكرانيا في هذه الحرب أصبح محل خلافات لا تخفى على مراقب وهي خلافات مرجحة لمزيد التعقيدات لعدة أسباب والأرجح أنه كلما طال أمد هذه الحرب كلما ستتفاقم الخلافات ...

ليس سرا أن الأزمة الراهنة والتي تهدد بغلق مؤسسات فيدرالية أمريكية وإيقاف أجور عشرات آلاف العمال سببها خلافات حول تمويل الحرب ويبدو أن فريقا من النواب الجمهوريين المتشددين باتوا يرفضون الاستمرار في تمويل هذه الحرب الى ما لا نهاية، وقد لا تتوقف المسألة عند هذا الحد بل ربما تمتد العدوى الى الدول الأوروبية التي تجد نفسها مدفوعة لتمويل أوكرانيا عسكريا في مواجهة روسيا.. وربما لم يتوقع أحد أن تطول هذه الحرب التي مرّ عليها سبعة عشرة شهرا وكما أن بوتين يراهن على ملل الدول الأوروبية وعزوفها عن مواصلة إمداد زيلنسكي بالسلاح فإن أوروبا بدورها تراهن على بلوغ بوتين مرحلة العجز في مواصلة هذه الحرب وانسياقه الى إلقاء الراية البيضاء.. ويبدو في المقابل أن الرئيس الأمريكي بايدن المتحمس أكثر من أي كان لهذه الحرب لا يريد لها أن تنتهي وهو يجد في شريكه زيلنسكي كل الاندفاع المطلوب لمواصلة هذه الحرب حتى النهاية.. ولكن الإشكال أن مطالب زيلنسكي لا تتوقف وكلما حصل على مزيد المساعدات العسكرية إلا وطالب بالمزيد حتى باتت أوكرانيا مخبرا مفتوحا لكل أنواع السلاح والدبابات والطائرات، وما كان ممنوعا في بداية الحرب بات مسموحا به حيث حصلت كييف على طائرات "أف 16" ودبابات "تشالنجر" و"ليوبولد" و"أبرمز" ولكن دون أن تحظى في المقابل بالأهم وهو عضوية أوكرانيا في الحلف الأطلسي وهو الهدف الذي سعى لتحقيقه زيلنسكي وكان يعول على ذلك خلال حضوره قمة الحلف الأطلسي في العاصمة الليتوانية فيلنيوس في جويلية الماضي ولكن وجد نفسه مجبرا على القناعة بوعد بالانضمام قريبا، وقبل يومين خلال زيارة الأمين العام للناتو ستولنبورغ الى العاصمة الأوكرانية كييف جدد هذا الوعد مرددا بان انضمام أوكرانيا الى الناتو أقرب من أي وقت مضى، دون تحديد موعد لذلك.. والأرجح أن إدارة بايدن لن تقامر بخطوة إضافية في هذا الاتجاه فيما يستعد الرئيس جو بايدن الى معركة انتخابية رئاسية معقدة وغير محسومة في ظل تراجع شعبيته في مختلف استطلاعات الرأي.. وسيكون لحالة الشلل المفروض على المؤسسات الفيدرالية بسبب أزمة الميزانية دوره في تأجيل هذا الطلب ..

صحيح أنها ليست المرة الأولى التي تصل فيها المعركة في الكونغرس الى درجة الجمود وقد سبق أن عرف آلاف الموظفين الفيدراليين تداعيات هذه الأزمة المالية في 2018 ولكن الأمر يختلف هذه المرة مع استمرار تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا بما يذكر أيضا بأزمات سابقة ومطالب بدأت محتشمة بإيقاف الحرب قبل أن ترتفع وتتسع أكثر فأكثر كما كان الحال في فيتنام والعراق ...

والأمر لا يتعلق فقط بوضع محرج ولكن بحسابات سياسية قد يكون لها ثمنها الباهظ، إذ واعتبارا من اليوم فإن أمريكا قد تواجه الإغلاق الحكومي وأغلب المؤشرات ترجح غياب الاتفاق بين المشرعين على الميزانية للعام المالي المقبل.. البيت الأبيض دعا الكونغرس إلى تمديد تمويل الحكومة لفترة قصيرة من أجل تفادي الإغلاق.. ولكن الجمهوريين المتشددين ومعهم عدد من الديموقراطيين يرفضون ذلك ..

بما يعني أن المعركة بين مجلس الشيوخ ومجلس النواب ستتواصل لأيام أو أسابيع وهو السيناريو الأسوأ بالنسبة لإدارة بايدن التي ستجد نفسها مكبلة اليدين.. وسيجد مئات آلاف من الموظفين الفيدراليين في إجازة غير مدفوعة، في حين سيواصل عناصر الجيش وغيرهم من الموظفين الأساسيين للعمل، لكن دون أجر..

كل ذلك طبعا دون اعتبار للتداعيات الاقتصادية التي ستكون أثقل كلما طالت الأزمة.

الجانب الروسي من جهته يعتبر أن واشنطن هي التي تجبر الدول الأوروبية على تمويل نظام كييف على حساب رفاهية مواطنيها.. وهو بالتأكيد يراهن على امتداد وتعقيدات هذه الأزمة في تراجع مد كييف بالمساعدات العسكرية التي بدأت تثقل كاهل المجتمعات الأوروبية ودافعي الضرائب في هذه المجتمعات التي تعاني من أزمات اقتصادية متفاوتة ومن ركود اقتصادي وتضخم وارتفاع في تكاليف الحصول على احتياجاتها من الغاز والوقود الروسي تحديدا ..

الأمين العام للناتو بدأ يستشعر الأسوأ وعاد يحذر من شتاء صعب ومن تداعيات حرب طويلة.. وأن الحرب في مرحلتها الراهنة ليست كما تخيلها في البداية.. وربما سيتعين بعد أن اختبر الغرب كل السيناريوهات في هذه الحرب الى المربع الأول والى السؤال الذي تم تجاهله وهو كيف يمكن إيقاف الحرب الآن ..

والأكيد أن فرص وإمكانيات وتداعيات إيقاف الحرب بعد نحو سنتين على اندلاعها لا تضاهي بأي حال من الأحوال إمكانيات وقفها منذ البداية.. والثمن يتجلى كل يوم أكثر، مزيدا من إهدار الفرص ومزيدا من الاستنزاف ومزيدا من الخسائر البشرية والمادية ومزيدا من المآسي والصراعات والأزمات ...

آسيا العتروس

 

 

 

 

 

 

ممنوع من الحياد..   من سيموّل الحرب في أوكرانيا؟

 

ارتفاع الأصوات المعارضة لتمويل الحرب الأوكرانية في الغرب مسألة لا يمكن التقليل من شأنها والأكيد أنه سيتعين على أوروبا وهي تستعد لاستقبال موسم الشتاء الجديد أن تتهيأ لمواجهة هذه الأصوات التي لم تعد خفية، السخاء والكرم والعطاء غير المسبوق الذي حظي به الممثل السينمائي السابق والرئيس الأوكراني الحالي زيلنسكي لم يعد أمرا مفروغا منه وقد جاءت الأزمة الراهنة بين مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين والتي تهدد بشل الإدارة الفيدرالية لتعيد الأزمة الى السطح وتؤكد أن ما كان محل إجماع أمريكي أوروبي في بداية الحرب لم يعد كذلك وأن الاستمرار في تمويل أوكرانيا في هذه الحرب أصبح محل خلافات لا تخفى على مراقب وهي خلافات مرجحة لمزيد التعقيدات لعدة أسباب والأرجح أنه كلما طال أمد هذه الحرب كلما ستتفاقم الخلافات ...

ليس سرا أن الأزمة الراهنة والتي تهدد بغلق مؤسسات فيدرالية أمريكية وإيقاف أجور عشرات آلاف العمال سببها خلافات حول تمويل الحرب ويبدو أن فريقا من النواب الجمهوريين المتشددين باتوا يرفضون الاستمرار في تمويل هذه الحرب الى ما لا نهاية، وقد لا تتوقف المسألة عند هذا الحد بل ربما تمتد العدوى الى الدول الأوروبية التي تجد نفسها مدفوعة لتمويل أوكرانيا عسكريا في مواجهة روسيا.. وربما لم يتوقع أحد أن تطول هذه الحرب التي مرّ عليها سبعة عشرة شهرا وكما أن بوتين يراهن على ملل الدول الأوروبية وعزوفها عن مواصلة إمداد زيلنسكي بالسلاح فإن أوروبا بدورها تراهن على بلوغ بوتين مرحلة العجز في مواصلة هذه الحرب وانسياقه الى إلقاء الراية البيضاء.. ويبدو في المقابل أن الرئيس الأمريكي بايدن المتحمس أكثر من أي كان لهذه الحرب لا يريد لها أن تنتهي وهو يجد في شريكه زيلنسكي كل الاندفاع المطلوب لمواصلة هذه الحرب حتى النهاية.. ولكن الإشكال أن مطالب زيلنسكي لا تتوقف وكلما حصل على مزيد المساعدات العسكرية إلا وطالب بالمزيد حتى باتت أوكرانيا مخبرا مفتوحا لكل أنواع السلاح والدبابات والطائرات، وما كان ممنوعا في بداية الحرب بات مسموحا به حيث حصلت كييف على طائرات "أف 16" ودبابات "تشالنجر" و"ليوبولد" و"أبرمز" ولكن دون أن تحظى في المقابل بالأهم وهو عضوية أوكرانيا في الحلف الأطلسي وهو الهدف الذي سعى لتحقيقه زيلنسكي وكان يعول على ذلك خلال حضوره قمة الحلف الأطلسي في العاصمة الليتوانية فيلنيوس في جويلية الماضي ولكن وجد نفسه مجبرا على القناعة بوعد بالانضمام قريبا، وقبل يومين خلال زيارة الأمين العام للناتو ستولنبورغ الى العاصمة الأوكرانية كييف جدد هذا الوعد مرددا بان انضمام أوكرانيا الى الناتو أقرب من أي وقت مضى، دون تحديد موعد لذلك.. والأرجح أن إدارة بايدن لن تقامر بخطوة إضافية في هذا الاتجاه فيما يستعد الرئيس جو بايدن الى معركة انتخابية رئاسية معقدة وغير محسومة في ظل تراجع شعبيته في مختلف استطلاعات الرأي.. وسيكون لحالة الشلل المفروض على المؤسسات الفيدرالية بسبب أزمة الميزانية دوره في تأجيل هذا الطلب ..

صحيح أنها ليست المرة الأولى التي تصل فيها المعركة في الكونغرس الى درجة الجمود وقد سبق أن عرف آلاف الموظفين الفيدراليين تداعيات هذه الأزمة المالية في 2018 ولكن الأمر يختلف هذه المرة مع استمرار تداعيات الحرب الروسية في أوكرانيا بما يذكر أيضا بأزمات سابقة ومطالب بدأت محتشمة بإيقاف الحرب قبل أن ترتفع وتتسع أكثر فأكثر كما كان الحال في فيتنام والعراق ...

والأمر لا يتعلق فقط بوضع محرج ولكن بحسابات سياسية قد يكون لها ثمنها الباهظ، إذ واعتبارا من اليوم فإن أمريكا قد تواجه الإغلاق الحكومي وأغلب المؤشرات ترجح غياب الاتفاق بين المشرعين على الميزانية للعام المالي المقبل.. البيت الأبيض دعا الكونغرس إلى تمديد تمويل الحكومة لفترة قصيرة من أجل تفادي الإغلاق.. ولكن الجمهوريين المتشددين ومعهم عدد من الديموقراطيين يرفضون ذلك ..

بما يعني أن المعركة بين مجلس الشيوخ ومجلس النواب ستتواصل لأيام أو أسابيع وهو السيناريو الأسوأ بالنسبة لإدارة بايدن التي ستجد نفسها مكبلة اليدين.. وسيجد مئات آلاف من الموظفين الفيدراليين في إجازة غير مدفوعة، في حين سيواصل عناصر الجيش وغيرهم من الموظفين الأساسيين للعمل، لكن دون أجر..

كل ذلك طبعا دون اعتبار للتداعيات الاقتصادية التي ستكون أثقل كلما طالت الأزمة.

الجانب الروسي من جهته يعتبر أن واشنطن هي التي تجبر الدول الأوروبية على تمويل نظام كييف على حساب رفاهية مواطنيها.. وهو بالتأكيد يراهن على امتداد وتعقيدات هذه الأزمة في تراجع مد كييف بالمساعدات العسكرية التي بدأت تثقل كاهل المجتمعات الأوروبية ودافعي الضرائب في هذه المجتمعات التي تعاني من أزمات اقتصادية متفاوتة ومن ركود اقتصادي وتضخم وارتفاع في تكاليف الحصول على احتياجاتها من الغاز والوقود الروسي تحديدا ..

الأمين العام للناتو بدأ يستشعر الأسوأ وعاد يحذر من شتاء صعب ومن تداعيات حرب طويلة.. وأن الحرب في مرحلتها الراهنة ليست كما تخيلها في البداية.. وربما سيتعين بعد أن اختبر الغرب كل السيناريوهات في هذه الحرب الى المربع الأول والى السؤال الذي تم تجاهله وهو كيف يمكن إيقاف الحرب الآن ..

والأكيد أن فرص وإمكانيات وتداعيات إيقاف الحرب بعد نحو سنتين على اندلاعها لا تضاهي بأي حال من الأحوال إمكانيات وقفها منذ البداية.. والثمن يتجلى كل يوم أكثر، مزيدا من إهدار الفرص ومزيدا من الاستنزاف ومزيدا من الخسائر البشرية والمادية ومزيدا من المآسي والصراعات والأزمات ...

آسيا العتروس