إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني

نؤيّد كلّ إرادة سياسية تصرّ على احترام نواميس بلادها وعدم تجاوز حرمتها بأيّ ثمن

بقلم: مصدق الشريف

جميل أن تعمل بلادنا على الحفاظ على سيادتها وألاّ تترك الفرصة لأيّة قوّة خارجيّة للتّدخل في رسم مخطّطاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. وجميل جدّا أن نترك في أذهان كلّ من يريد أن يقدّم لنا يد المساعدة للخروج من الأزمات، لاسيّما الاقتصاديّة منها، أنّه لا مجال لسياسة المقايضة، أي لا سبيل إلى جعل أوّل شروط التّفاوض والاعانة أو حتّى الإغاثة التّفريط في سيادة البلاد، وانقلاب القروض أو الهبات أو الهدايا إلى سلط مادّية ومعنويّة، وتحويل البلاد إلى بوق دعاية لسياسة البلد المانح وإلى تابع له يسكت عن ظلمه وجوره لبلدان شقيقة أو صديقة...

وقد أعلن رئيس الدّولة في اجتماع مجلس الأمن القومي بتاريخ الاثنين 25 سبتمبر 2023 أنّه لا سبيل إلى التّفريط ولو في ذرّة من تراب بلادنا مضيفا أنّ الطريق الوحيد أمامنا هو التّعويل على ذواتنا.

كلام جميل .. فمن منّا لا يبتهج سرورا ولا يصفّق فرحا لخطاب التّحرّر من الاستعمار والتخلّص من براثنه وتبعاته التي إن حلّت بالشعوب لا تزيدها إلاّ بؤسا وفقرا وجهلا؟ ومن منّا لا يحبّ أن نقود حاضر بلادنا ومستقبلها بعقول وأياد تونسيّة؟ ومن منّا لا يرفض تدخل الأجنبيّ، الذي غالبا ما تكون مآربه مزيد التفرقة بين التونسيّات والتونسيّين، في حلّ خلافاتنا وصراعاتنا السياسيّة والإيديولوجيّة؟

ومن جانب آخر، لا يمكن أن نتجاوز ردود أفعال كثير من السياسيّين في بلادنا حول خطاب رئيس الدّولة. تصريحات لا تخلو من التّهكم والاستهزاء بكلّ صادق أبيّ يدافع عن سيادة بلاده فيسلقونه بألسنة حداد. ولا يفتأ بعضهم يشبّه خطاب رئيس الجمهورية بخطاب المرحومين جمال عبد النّاصر ومعمّر القذافي ويحيل عليه مؤكدا أنّه لم يكن إلاّ خطابا عنتريّا.

ومن ناحيتنا نؤيّد كلّ إرادة سياسية تصرّ على احترام نواميس بلادها وعدم تجاوز حرمتها بأيّ ثمن. فالدّيار تدخل من أبوابها بعد الاستئذان. ولكن، مقابل ذلك، يجب أن نحصّن أنفسنا حتّى لا نكون فريسة في أيدي الدّول القويّة والبنوك العالميّة النّهابة السلاّبة. ولا بدّ من إعداد ما استطعنا حتّى نكون أحرارا بمواقفنا لا لقمة سائغة بين أنياب الأقوياء. ولا يتحقّق ذلك والحال أنّنا نأكل كثيرا ونتداوى كثيرا ونلبس كثيرا ونجلب الآلات الكثيرة من وراء البحار. إنّ الانتصار على التّبعيّة لا يتأتّى إلاّ بالعمل ثم العمل ثم العمل. وهو أمر لا يتأتى إلاّ بالسهر على إنجاز المشاريع في آجال معقولة بعيدا عن الارتجال والفوضى حيث لا رقيب ولا حسيب.

ما نعلمه، مثلا، أنّه لم يقع إلى اليوم تعيين وزير يشرف على وزارة الطاقة وأنّ نسق عمل شركة فسفاط قفصة لم يعد بنسبة 100% وأنّ الشركة تنتج أقلّ من طاقتها لأنّ بعض المجموعات توقفت عن الإنتاج في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الفسفاط في العالم. أما الشركة الوطنية لعجين الحلفاء فقد وُصف وضعها بالمخيف نظرا إلى تعدّد المشاكل المادية والمعنوية التي يعاني منها عمال القطاع ومطالبتهم بإيجاد آلية قانونية تجعل من هذه الشركة المزود الرئيس للسوق الداخلية من مادة الورق لصناعة الكراس والكتاب المدرسيّين.

إنّ الوصول إلى تطبيق شعار التعويل على ذواتنا، وهو شعار جميل لا أجمل منه، يكفينا ذلّ السؤال ومنّة البخلاء. ولا يكون ذلك، في اعتقادنا، إلاّ بخروج كلّ مسؤولي الدّولة من مكاتبهم بدءا من رئيس الحكومة والوزراء والرّؤساء المديرين العامّين مرورا بالولاّة والمعتمدين والعمد وصولا إلى كلّ مسؤول والنزول يوميّا إلى الإدارات ومتابعة كلّ كبيرة وصغيرة وإزالة الحواجز الحديديّة المبثوثة أمام عدد من مكاتب العلاقات مع المواطن وغيرها والحواجز المعنوية المغروسة في كلّ مكان.

* نونية المتنبي (الرأي قبل شجاعة الشجعان) كُتبت إثر انتصار حربي لسيف الدولة الحمداني وقيل إن الغلبة فيه على الأعداء كانت بفعل حيلة العقل.

 

 

 

 

 

 

الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني

نؤيّد كلّ إرادة سياسية تصرّ على احترام نواميس بلادها وعدم تجاوز حرمتها بأيّ ثمن

بقلم: مصدق الشريف

جميل أن تعمل بلادنا على الحفاظ على سيادتها وألاّ تترك الفرصة لأيّة قوّة خارجيّة للتّدخل في رسم مخطّطاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. وجميل جدّا أن نترك في أذهان كلّ من يريد أن يقدّم لنا يد المساعدة للخروج من الأزمات، لاسيّما الاقتصاديّة منها، أنّه لا مجال لسياسة المقايضة، أي لا سبيل إلى جعل أوّل شروط التّفاوض والاعانة أو حتّى الإغاثة التّفريط في سيادة البلاد، وانقلاب القروض أو الهبات أو الهدايا إلى سلط مادّية ومعنويّة، وتحويل البلاد إلى بوق دعاية لسياسة البلد المانح وإلى تابع له يسكت عن ظلمه وجوره لبلدان شقيقة أو صديقة...

وقد أعلن رئيس الدّولة في اجتماع مجلس الأمن القومي بتاريخ الاثنين 25 سبتمبر 2023 أنّه لا سبيل إلى التّفريط ولو في ذرّة من تراب بلادنا مضيفا أنّ الطريق الوحيد أمامنا هو التّعويل على ذواتنا.

كلام جميل .. فمن منّا لا يبتهج سرورا ولا يصفّق فرحا لخطاب التّحرّر من الاستعمار والتخلّص من براثنه وتبعاته التي إن حلّت بالشعوب لا تزيدها إلاّ بؤسا وفقرا وجهلا؟ ومن منّا لا يحبّ أن نقود حاضر بلادنا ومستقبلها بعقول وأياد تونسيّة؟ ومن منّا لا يرفض تدخل الأجنبيّ، الذي غالبا ما تكون مآربه مزيد التفرقة بين التونسيّات والتونسيّين، في حلّ خلافاتنا وصراعاتنا السياسيّة والإيديولوجيّة؟

ومن جانب آخر، لا يمكن أن نتجاوز ردود أفعال كثير من السياسيّين في بلادنا حول خطاب رئيس الدّولة. تصريحات لا تخلو من التّهكم والاستهزاء بكلّ صادق أبيّ يدافع عن سيادة بلاده فيسلقونه بألسنة حداد. ولا يفتأ بعضهم يشبّه خطاب رئيس الجمهورية بخطاب المرحومين جمال عبد النّاصر ومعمّر القذافي ويحيل عليه مؤكدا أنّه لم يكن إلاّ خطابا عنتريّا.

ومن ناحيتنا نؤيّد كلّ إرادة سياسية تصرّ على احترام نواميس بلادها وعدم تجاوز حرمتها بأيّ ثمن. فالدّيار تدخل من أبوابها بعد الاستئذان. ولكن، مقابل ذلك، يجب أن نحصّن أنفسنا حتّى لا نكون فريسة في أيدي الدّول القويّة والبنوك العالميّة النّهابة السلاّبة. ولا بدّ من إعداد ما استطعنا حتّى نكون أحرارا بمواقفنا لا لقمة سائغة بين أنياب الأقوياء. ولا يتحقّق ذلك والحال أنّنا نأكل كثيرا ونتداوى كثيرا ونلبس كثيرا ونجلب الآلات الكثيرة من وراء البحار. إنّ الانتصار على التّبعيّة لا يتأتّى إلاّ بالعمل ثم العمل ثم العمل. وهو أمر لا يتأتى إلاّ بالسهر على إنجاز المشاريع في آجال معقولة بعيدا عن الارتجال والفوضى حيث لا رقيب ولا حسيب.

ما نعلمه، مثلا، أنّه لم يقع إلى اليوم تعيين وزير يشرف على وزارة الطاقة وأنّ نسق عمل شركة فسفاط قفصة لم يعد بنسبة 100% وأنّ الشركة تنتج أقلّ من طاقتها لأنّ بعض المجموعات توقفت عن الإنتاج في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الفسفاط في العالم. أما الشركة الوطنية لعجين الحلفاء فقد وُصف وضعها بالمخيف نظرا إلى تعدّد المشاكل المادية والمعنوية التي يعاني منها عمال القطاع ومطالبتهم بإيجاد آلية قانونية تجعل من هذه الشركة المزود الرئيس للسوق الداخلية من مادة الورق لصناعة الكراس والكتاب المدرسيّين.

إنّ الوصول إلى تطبيق شعار التعويل على ذواتنا، وهو شعار جميل لا أجمل منه، يكفينا ذلّ السؤال ومنّة البخلاء. ولا يكون ذلك، في اعتقادنا، إلاّ بخروج كلّ مسؤولي الدّولة من مكاتبهم بدءا من رئيس الحكومة والوزراء والرّؤساء المديرين العامّين مرورا بالولاّة والمعتمدين والعمد وصولا إلى كلّ مسؤول والنزول يوميّا إلى الإدارات ومتابعة كلّ كبيرة وصغيرة وإزالة الحواجز الحديديّة المبثوثة أمام عدد من مكاتب العلاقات مع المواطن وغيرها والحواجز المعنوية المغروسة في كلّ مكان.

* نونية المتنبي (الرأي قبل شجاعة الشجعان) كُتبت إثر انتصار حربي لسيف الدولة الحمداني وقيل إن الغلبة فيه على الأعداء كانت بفعل حيلة العقل.