إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

حدث تاريخي .. الكاتب اللبناني أمين معلوف أمينا عاما دائما للأكاديمية الفرنسية

فاز بأغلبية الاصوات واستقبال جيد للخبر في الصحافة الفرنسية

خلف شخصية في حجم كلود ليفي شتروس في عضوية الاكاديمية قبل أن يحل محل المؤرخة الفرنسية هيلين دانكوس في الامانة العامة

تميز شخصية أمين معلوف يعود بالاساس إلى أنه افراز للثقافتين الشرقية والغربية

تونس- الصباح

كان انضمامه إلى الأكاديمية الفرنسية في حد ذاته حدثا سعيدا فما بالك وقد أصبح الامين العام الدائم لها.

حقيقة، إن حدث انتخاب أمين معلوف يوم أول أمس الخميس على رأس الأكاديمية الفرنسية المؤسسة العريقة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن السابع عشر ( اسسها الكاردينال ريشيليو في عهد الملك لويس الثالث عشر) حدث كبير جدا. فأمين معلوف هو أول كاتب من أصل عربي يصل إلى هذا المركز الهام كما أن فوزه السهل على منافسه الطبيب والديبلوماسي والكاتب جان كريستوف ريفان الذي سبق معلوف في الانضمام إلى الاكاديمية بأعوام -وهو مثل الكاتب اللبناني حائز على " الغونكور" الجائزة الادبية العريقة في فرنسا، ب24 صوت مقابل ثمانية أصوات (8) للمنافس يمنح الحدث قيمة اكبر ويؤكد الثقة التي يتحلى بها أمين معلوف لدى زملائه بالأكاديمية الذين يتولون انتخاب الأمين العام للمؤسسة بأنفسهم.

وأمين معلوف الذي خلف سنة 2011 شخصية في حجم كلود ليفي شتروس عالم الاجتماع والانتروبولجيا الفرنسي الشهير في عضوية الأكاديمية الفرنسية هو الأمين العام رقم 24 في تاريخ الأكاديمية وقد خلفهيلين كاريردانكوس الباحثة والمؤرخة الفرنسية المختصة في تاريخ روسيا على رأس الاكاديمية، مع العلم أنه يتم انتخاب الأمين العام للأكاديمية الفرنسية مدى الحياة. وقد ظلت هيلين كاريردانكوس في منصبها 24 سنة وكانت قد توفيت في 5 أوت الماضي عن سن ناهزت 94 سنة. وكان أمين معلوف في البداية المرشح الوحيد للمنصب غير أن زمليه جان كريستوف ريفان الذي انضم للاكاديمية سنة 2006 أي قبل خمس سنوات من اضمام معلوف إليها اعلن في الايام الأخيرة قبل الانتخابات المبرمجة ليوم الخميس 28 سبتمبر عن ترشحه لنفس المنصب.

والحقيقة، رغم أن الكاتب المنافس يشهد له النقاد بالكفاءة والقيمة العلمية وهو حائز على جائزة الغونكور ( حصل عليها في 2001 في حين أن أمين معلوف قد حصل على الجائزة منذ 1993) فإنه لا يتمتع بنفس الشهرة ولا بالحظوة التي يتمتع بها أمين معلوف وهناك اسباب موضوعية لذلك. فأمين معلوف ليس مجرد كاتب ناجح وإنما هناك هالة حوله تعود بالاساس إلى أنه يوجد في منطقة وسطى بين الشرق والغرب. إنه افراز للثقافتين الشرقية والعربية وقد مكنه ذلك من أن يكون محل اهتمام في المشرق والمغرب.

في الغرب يعترفون لأمين معلوف اصيل لبنان الذي هاجر بلد الأرز بعد الحرب الاهلية والتي دفعت الكثير من المبدعين إلى الهجرة، بتميزه في الكتابة بالفرنسية تفوق كثيرين مما تعتبر الفرنسية هي لغتهم الأم. وفعلا عندما تقرأ لمعلوف لا تشعر بأن لغة موليير ليست لغته الاصلية بل هو يكتب بجمالية نادرة وباسلوب يتميز بالتكثيف الذي لا يتقنه إلا من يمتلك اللغة. هم يقرون له ايضا أنه رغم كل المؤاخذات على الغرب المهيمن الذي استغل ثروات البلدان الاضعف ومنها البدان العربية، بإنه ظل يحبذ دائما لغة الحوار والتفاهم وأمين معلوف معروف عنه في كل حواراته وفي مداخلاته تعلقه بالسلم وهو يدعو لحل المشاكل عبر الحوار كما أنه وهو الذي تكشف كتابته اتساع ثقافته التاريخية وهو يعرف جيدا النفسية العربية ويدرك ما ترسب من افكار واحكام لدى الاجيال العربية حول الآخر ونجد أثرا لكل ذلك في مؤلفاته كل ما فيه بداية من مظهره يوحي بالثقة الاطمئنان.

وفي الشرق، يعتبر أمين معلوف مصدرا للفخر. فهو من الكتاب العرب الذين يحظون بالتبجيل كما أن شخصيته مثيرة للاحترام وقد زاد انضمامه في 2011 إلى الأكاديمية الفرنسية في الاقرار باهمية الدور الذي يضطلع به من اجل التحسيس باهمية التنوع الثقافي والحوار الحضاري بين الأمم.

صحيح هناك اليوم تراجع للغة الفرنسية في العالم بما في ذلك في المستعمرات الفرنسية السابقة لكن لغة موليير تبقى لها قيمتها كما أن الاكاديمية الفرنسية تبقى مؤسسة مهيبة وقلة قليلة من الادباء والاكاديميين العرب الذين يكتبون بالفرنسية انضموا لها نذكر منهم الجزائرية الراحلة اسيا جبار ( توفيت في 2015) التي كانت قد انضمت لها عام 2005.

لنأتي الآن لمؤلفات أمين معلوف والتي بفضلها اكتسب شهرة وصار يحظى بالاحترام في الساحة الثقافية وله جمهور كبير من القراء في المشرق والمغرب. إن أمين معلوف يملك تلك الموهبة التي تجعل قارئه أولا يطالع نصوصه بشغف وثانيا يرتبط بعلاقة روحية مع الكاتب حتى وإن لم يلتق به ولو ليوم واحد.

بداية الشهرة كانت مع صخرة طانيوس « Le rocher de Tanios » وقد حاز الكاتب على جائزة الغونكور ( 1993) بفضل هذا النص الذي فيه من الفلسفة أكثر من الرواية والذي يذكرنا بكتاب " لالشيميست" لباولو كويلهو. حينها كان أمين معلوف مازال متربطا بموطنه لبنان الذي رأى فيه النور سنة 1949. الاحداث تجري في قرية جبلية في لبنان (كفر عبدة) ومن خلال بطل القصة طانيوس يستعرض الكاتب فصولا من تاريخ لبنان الحديث الذي كان تحت وقع العديد من التأثيرات الغربية والشرقية والأديان والمذاهب. يستعرض من خلاله لبنان بحروبه الطائفية بالعنف الذي تركه الكاتب خلفه لكن أيضا لبنان الفن والزهور والطبيعة الخلابة والمحبة الخالصة.

إن ميزة مؤلفات امين معلوف هي أن اغلبها على الحدود بين الحضارتين الشرقية والغربية. ففي كتابه الذي يحمل عنوان الحروب الصليبية كما يراها العرب، قدم أمين معلوف فكرة مختلفة عن الرواية الغربية لهذه الحروب مستفيدا من كتاب التاريخ العرب والمسلمين. وفي روايته سمرقند اتبع الكاتب خطى الشاعر وعالم الفلك عمر الخيام وفي ليون الافريقي عاد بنا أمين معلوف إلى زمن الخسارات الكبرى واساسا خسارة الاندلس.

والجميل في علاقة القارئ مع أمين معلوف واذا ما تركنا جانبا حلاوة اللغة وتميز الاسلوب والتشويق والمعلومات التي يستقيها الكاتب من ابرز المؤرخين الذين اهتموا بتاريخ العرب ومن القصص المؤلفة حول هذا التاريخ وتوظيفها بطريقة ذكية، هو أنك بمجرد أن تقرأ له كتابا واحدا تجد نفسك مشدودا إلى بقية مؤلفاته وتسعى إلى اكتشاف عالمه الادبي والفكري أكثر ما يمكن. وهو عالم ثري ومتنوع ومحفز للخيال ومثير للاسئلة، اذ يصعب أن تنهي كتابا لأمين معلوف ولا يثير فيك اسئلة أو لا يحفز فيك التفكير حول قضايانا وتاريخنا وموقعنا في العالم وخاصة ما إن كان من الممكن افضل مما كان.

جدير بالذكر أن الاكاديمية الفرنسية تضم 40 عضوا وسيكون على امين معلوف تسديد الشغورات التي يبلغ عددها خمسة. نشير كذلك إلى أن الاعلام الفرنسي قد استقبل بترحيب كبير انتخاب أمين معلوف على رأس الاكاديمية الفرنسية مشددين على أنه رجل يجنح للحوار. وأظهرت وزيرة الثقافة الفرنسية ريمة عبد الملك وهي من اصل لبناني ترحابا خاصا بأمين معلوف على راس الاكاديمية الفرنسية قائلة في تصريحات نقلها الاعلام الفرنسي : أنه اختيار ممتاز.

 حياة السايب

 

 

 

 

حدث تاريخي .. الكاتب اللبناني أمين معلوف أمينا عاما دائما للأكاديمية الفرنسية

فاز بأغلبية الاصوات واستقبال جيد للخبر في الصحافة الفرنسية

خلف شخصية في حجم كلود ليفي شتروس في عضوية الاكاديمية قبل أن يحل محل المؤرخة الفرنسية هيلين دانكوس في الامانة العامة

تميز شخصية أمين معلوف يعود بالاساس إلى أنه افراز للثقافتين الشرقية والغربية

تونس- الصباح

كان انضمامه إلى الأكاديمية الفرنسية في حد ذاته حدثا سعيدا فما بالك وقد أصبح الامين العام الدائم لها.

حقيقة، إن حدث انتخاب أمين معلوف يوم أول أمس الخميس على رأس الأكاديمية الفرنسية المؤسسة العريقة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى القرن السابع عشر ( اسسها الكاردينال ريشيليو في عهد الملك لويس الثالث عشر) حدث كبير جدا. فأمين معلوف هو أول كاتب من أصل عربي يصل إلى هذا المركز الهام كما أن فوزه السهل على منافسه الطبيب والديبلوماسي والكاتب جان كريستوف ريفان الذي سبق معلوف في الانضمام إلى الاكاديمية بأعوام -وهو مثل الكاتب اللبناني حائز على " الغونكور" الجائزة الادبية العريقة في فرنسا، ب24 صوت مقابل ثمانية أصوات (8) للمنافس يمنح الحدث قيمة اكبر ويؤكد الثقة التي يتحلى بها أمين معلوف لدى زملائه بالأكاديمية الذين يتولون انتخاب الأمين العام للمؤسسة بأنفسهم.

وأمين معلوف الذي خلف سنة 2011 شخصية في حجم كلود ليفي شتروس عالم الاجتماع والانتروبولجيا الفرنسي الشهير في عضوية الأكاديمية الفرنسية هو الأمين العام رقم 24 في تاريخ الأكاديمية وقد خلفهيلين كاريردانكوس الباحثة والمؤرخة الفرنسية المختصة في تاريخ روسيا على رأس الاكاديمية، مع العلم أنه يتم انتخاب الأمين العام للأكاديمية الفرنسية مدى الحياة. وقد ظلت هيلين كاريردانكوس في منصبها 24 سنة وكانت قد توفيت في 5 أوت الماضي عن سن ناهزت 94 سنة. وكان أمين معلوف في البداية المرشح الوحيد للمنصب غير أن زمليه جان كريستوف ريفان الذي انضم للاكاديمية سنة 2006 أي قبل خمس سنوات من اضمام معلوف إليها اعلن في الايام الأخيرة قبل الانتخابات المبرمجة ليوم الخميس 28 سبتمبر عن ترشحه لنفس المنصب.

والحقيقة، رغم أن الكاتب المنافس يشهد له النقاد بالكفاءة والقيمة العلمية وهو حائز على جائزة الغونكور ( حصل عليها في 2001 في حين أن أمين معلوف قد حصل على الجائزة منذ 1993) فإنه لا يتمتع بنفس الشهرة ولا بالحظوة التي يتمتع بها أمين معلوف وهناك اسباب موضوعية لذلك. فأمين معلوف ليس مجرد كاتب ناجح وإنما هناك هالة حوله تعود بالاساس إلى أنه يوجد في منطقة وسطى بين الشرق والغرب. إنه افراز للثقافتين الشرقية والعربية وقد مكنه ذلك من أن يكون محل اهتمام في المشرق والمغرب.

في الغرب يعترفون لأمين معلوف اصيل لبنان الذي هاجر بلد الأرز بعد الحرب الاهلية والتي دفعت الكثير من المبدعين إلى الهجرة، بتميزه في الكتابة بالفرنسية تفوق كثيرين مما تعتبر الفرنسية هي لغتهم الأم. وفعلا عندما تقرأ لمعلوف لا تشعر بأن لغة موليير ليست لغته الاصلية بل هو يكتب بجمالية نادرة وباسلوب يتميز بالتكثيف الذي لا يتقنه إلا من يمتلك اللغة. هم يقرون له ايضا أنه رغم كل المؤاخذات على الغرب المهيمن الذي استغل ثروات البلدان الاضعف ومنها البدان العربية، بإنه ظل يحبذ دائما لغة الحوار والتفاهم وأمين معلوف معروف عنه في كل حواراته وفي مداخلاته تعلقه بالسلم وهو يدعو لحل المشاكل عبر الحوار كما أنه وهو الذي تكشف كتابته اتساع ثقافته التاريخية وهو يعرف جيدا النفسية العربية ويدرك ما ترسب من افكار واحكام لدى الاجيال العربية حول الآخر ونجد أثرا لكل ذلك في مؤلفاته كل ما فيه بداية من مظهره يوحي بالثقة الاطمئنان.

وفي الشرق، يعتبر أمين معلوف مصدرا للفخر. فهو من الكتاب العرب الذين يحظون بالتبجيل كما أن شخصيته مثيرة للاحترام وقد زاد انضمامه في 2011 إلى الأكاديمية الفرنسية في الاقرار باهمية الدور الذي يضطلع به من اجل التحسيس باهمية التنوع الثقافي والحوار الحضاري بين الأمم.

صحيح هناك اليوم تراجع للغة الفرنسية في العالم بما في ذلك في المستعمرات الفرنسية السابقة لكن لغة موليير تبقى لها قيمتها كما أن الاكاديمية الفرنسية تبقى مؤسسة مهيبة وقلة قليلة من الادباء والاكاديميين العرب الذين يكتبون بالفرنسية انضموا لها نذكر منهم الجزائرية الراحلة اسيا جبار ( توفيت في 2015) التي كانت قد انضمت لها عام 2005.

لنأتي الآن لمؤلفات أمين معلوف والتي بفضلها اكتسب شهرة وصار يحظى بالاحترام في الساحة الثقافية وله جمهور كبير من القراء في المشرق والمغرب. إن أمين معلوف يملك تلك الموهبة التي تجعل قارئه أولا يطالع نصوصه بشغف وثانيا يرتبط بعلاقة روحية مع الكاتب حتى وإن لم يلتق به ولو ليوم واحد.

بداية الشهرة كانت مع صخرة طانيوس « Le rocher de Tanios » وقد حاز الكاتب على جائزة الغونكور ( 1993) بفضل هذا النص الذي فيه من الفلسفة أكثر من الرواية والذي يذكرنا بكتاب " لالشيميست" لباولو كويلهو. حينها كان أمين معلوف مازال متربطا بموطنه لبنان الذي رأى فيه النور سنة 1949. الاحداث تجري في قرية جبلية في لبنان (كفر عبدة) ومن خلال بطل القصة طانيوس يستعرض الكاتب فصولا من تاريخ لبنان الحديث الذي كان تحت وقع العديد من التأثيرات الغربية والشرقية والأديان والمذاهب. يستعرض من خلاله لبنان بحروبه الطائفية بالعنف الذي تركه الكاتب خلفه لكن أيضا لبنان الفن والزهور والطبيعة الخلابة والمحبة الخالصة.

إن ميزة مؤلفات امين معلوف هي أن اغلبها على الحدود بين الحضارتين الشرقية والغربية. ففي كتابه الذي يحمل عنوان الحروب الصليبية كما يراها العرب، قدم أمين معلوف فكرة مختلفة عن الرواية الغربية لهذه الحروب مستفيدا من كتاب التاريخ العرب والمسلمين. وفي روايته سمرقند اتبع الكاتب خطى الشاعر وعالم الفلك عمر الخيام وفي ليون الافريقي عاد بنا أمين معلوف إلى زمن الخسارات الكبرى واساسا خسارة الاندلس.

والجميل في علاقة القارئ مع أمين معلوف واذا ما تركنا جانبا حلاوة اللغة وتميز الاسلوب والتشويق والمعلومات التي يستقيها الكاتب من ابرز المؤرخين الذين اهتموا بتاريخ العرب ومن القصص المؤلفة حول هذا التاريخ وتوظيفها بطريقة ذكية، هو أنك بمجرد أن تقرأ له كتابا واحدا تجد نفسك مشدودا إلى بقية مؤلفاته وتسعى إلى اكتشاف عالمه الادبي والفكري أكثر ما يمكن. وهو عالم ثري ومتنوع ومحفز للخيال ومثير للاسئلة، اذ يصعب أن تنهي كتابا لأمين معلوف ولا يثير فيك اسئلة أو لا يحفز فيك التفكير حول قضايانا وتاريخنا وموقعنا في العالم وخاصة ما إن كان من الممكن افضل مما كان.

جدير بالذكر أن الاكاديمية الفرنسية تضم 40 عضوا وسيكون على امين معلوف تسديد الشغورات التي يبلغ عددها خمسة. نشير كذلك إلى أن الاعلام الفرنسي قد استقبل بترحيب كبير انتخاب أمين معلوف على رأس الاكاديمية الفرنسية مشددين على أنه رجل يجنح للحوار. وأظهرت وزيرة الثقافة الفرنسية ريمة عبد الملك وهي من اصل لبناني ترحابا خاصا بأمين معلوف على راس الاكاديمية الفرنسية قائلة في تصريحات نقلها الاعلام الفرنسي : أنه اختيار ممتاز.

 حياة السايب