إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ليبيا و فرص تجاوز الأزمة.. هل يكون مصاب درنة بداية الحل أم يكون الحل أمميا ؟

 

لقاءات المبعوث الاممي مع القادة الليبيين يربط بينها خيط رفيع جامع وهو استثمار الكارثة لدفع العملية السياسية ونفخ الروح فيها من جديد

بقلم وليد عبد الله *

بعد مضي أكثر من أسبوعين على فاجعة درنة والفياضانات التي اجتاحت الشرق الليبي بسبب عاصفة "دانيال " وما خلفته من ماسي ودمار، وبعد هدوء الأزمة وتجاوز مخلفات الصدمة جراء أسوأ كارثة طبيعية ضربت البلاد في تاريخها الحديث، عاد المبعوث الأممي إلى ليبيا عبد الله باتيللي الى ممارسة نشاطه عبر عقد لقاءات منفردة مع القادة الليبيين شرق البلاد و غربها لإعادة الحياة للعملية السياسية و بث الروح فيها من جديد وحسم الملف الحارق : ملف الانتخابات المرتقبة.

عبد الله باتيللي أجرى سلسلة من اللقاءات مع " فرقاء السلطة في البلاد" : رئيس حكومة الوحدة الوطنية ( غرب ) وقائد قوات الجيش الليبي خليفة حفتر ( شرق ) ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة وأعضاء لجنة 5+5 العسكرية المشتركة عن المنطقة الغربية ، ورسالته كانت أمام الجميع واحدة وهي أن حالة الانقسام السياسي والتفكك في مؤسسات الدولة كانت السبب الرئيس في تشتت جهود الإغاثة في المناطق المنكوبة بشكل عام وفي مدينة درنة خاصة وهو ما قد يؤدي بالضرورة الى فشل عمليات إعادة إعمارها مستقبلا، وحالة الانقسام ذاتها ستكون سببا في فشل جهود توحيد مؤسسات الدولة وتحقيق حالة الاستقرار في البلاد.

وعقب لقاءات المسؤولين الليبيين جاءت توصيات باتيللي مؤكدة بالدرجة الأولى على ضرورة أن يستأنف مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة "اتصالاتهما بهدف تسريع استكمال القوانين الانتخابية "، وعلى أن تأخذ الأطراف السياسية في ليبيا العبرة من اللُّحمة التي أظهرها الليبيون من جميع أنحاء البلاد كي يضعوا خلافاتهم جانباً.

ثانيا، تجديد الدعوة للفرقاء السياسيين على استثمار حالة الفزعة والتضامن الشعبي غير المسبوق بعد كارثة الشرق الليبي، وتكثيف الجهود نحو إجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات الوطنية لمواجهة التحديات المستقبلية بشكل أفضل

ثالثا، أوصى باتيللي، وبقوة بالتوجه نحو تنظيم لقاء يجمع ممثلي الأجسام السياسية الليبية، في مدة أقصاها 15 يوما، لمناقشة إمكانية تشكيل هيئة ليبية موحدة لإدارة أموال إعمار مدينة درنة، بإشراف ومشاركة دولية وأممية

أخيرا وليس آخرا، حث المسؤول الأممي لجنة 6+6 المكلفة بإعداد القوانين الانتخابية " لاتفاق من دون تأخير على القضايا الانتخابية الخلافية، وصياغة قوانين انتخابية قابلة للتنفيذ.

وأكّد بطبيعة الحال على الحاجة الملحة إلى وجود مؤسسات سياسية وأمنية وإدارية موحدة.

فكّ الرموز

إن لقاءات المبعوث الاممي مع القادة الليبيين يربط بينها خيط رفيع جامع ، وهو استثمار الكارثة التي حلت بمدينة درنة ومناطق شرق ليبيا (الاستثمار في الأزمة) لدفع العملية السياسية و نفخ الروح فيها من جديد.

والمتأمل للحالة الليبية يؤكد أنها عصية على الفهم وأربكت مخططات القوى الدولية والإقليمية المتنازعة على الكعكة الليبية بعد سقوط نظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي ، ولا يبدو أنه من الجلي ان الاستثمار في الأزمة الأخيرة قد يعجل بفك رموز هذه الأزمة وإنهاء حالة الانقسام في البلاد.

إن الحل في ليبيا ، في تقديرنا، ومن خلال قراءة موضوعية لتعقيدات المشهد الليبي وخصوصيات البلد يكمن أساسا في نزع السلاح من يد الميليشيات المنتشرة في البلاد خارج إدارة سلطة مركزية موحدة وبإرادة دولية صادقة وبإشراف أممي لا غير مثل ما حصل في البوسنة بعد قرار مجلس الأمن سنة 1995

لقد تم على سبيل المثال نزع السلاح في كولمبيا سنة 2017 بعد صراع بين القوات الحكومية والمتمردين المعروفين باسم "فارك" في هذا البلد، صراع استمر لأكثر من 50 عاما، وأسفر عن مقتل أكثر من 260 ألف شخص، قبل التوصل إلى اتفاق سلام مع القوات "المسلحة الثورية".

ومن ثمة يكون الأفق بالنسبة في موضوعنا توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية الليبية، وتشكيل قوة مشتركة بين حكومة الوحدة الوطنية وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

الجدوى والواقعية

وبعد إنهاء كافة المظاهر المسلحة خارج القانون في البلاد، يجب ان تنطلق المباحثات حول قاعدة دستورية موحدة يلتقي حولها كل الفرقاء الليبيين سواء من هم في السلطة أو من باقي التشكيلات الحزبية والسياسية ومن منظمات المجتمع المدني تنتهي الى سن دستور جديد للبلاد وتكوين محكمة دستورية وباقي هيئات المرحلة الانتقالية التي تمهد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية تفضي الى تركيز مرحلة الاستقرار الدائم و بناء مؤسسات موحدة للدولة وتنهي شبح التفتيت واذا سلمنا بان الواقعية لا تعني بالضرورة القبول بما هو موجود على علاّته ، بل التفكير في إمكانية تحسينه وحظوظ تغييره على أرض الواقع وتحقيق ضمانات نجاحه واستمراره، فإن استمرار الوضع الراهن في ليبيا هو حالة انتحار سياسي بطيء ووأد لكل محاولات التجميع ، كما أن الذهاب الى عملية إصلاح مسقطة من الخارج لا تراعي خصوصية الوضع الليبي سيكون مصيرها الفشل لا محالة

ليبقى البديل قائما على حل أممي بإرادة دولية صادقة ينهي المظاهر المسلحة في البلاد والاتفاق على قاعدة دستورية جامعة قبل سن الدستور و إرساء المحكمة الدستورية والذهاب الى انتخابات رئاسية وتشريعية.

البلاد مفتوحة على حرب أهلية وتقسيم إن بقيت دار لقمان على حالها كما يقال ، وحتى لو تمت الانتخابات كما يريد ذلك باتيللي فقد تؤدي الى الحرب من جديد في ظل إمكانية عدم القبول بنتائجها.

 و يجمع كل المراقبين أ ن هناك فشلا في تحليل الظاهرة الليبية وفهمها خاصة مع إغفال أهم المحطات التي عرفتها البلاد والتدخل الأجنبي فيها ، منذ إحداث دستور المملكة سنة 1951 بإرادة دولية وانقلاب معمر على الملك إدريس السنوسي سنة 1969 مستفيدا من التناقص الحاصل آنذاك بين إدارة كينيدي في أمريكا وحكومة ويلسون في بريطانيا، وصولا الى إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عن طريق قوات الناتو.

 و يبدو أن الحل لن يكون الا دوليا لو توفرت النية الصادقة في إنهاء حقيقي لحالة التشظي الليبي بعيدا عن حسابات أتباع القذافي أو أتباع فبراير أو الخط الثوري وهؤلاء هم الفاعلون اليوم في المشهد الليبي ومعادلاته.

* صحفي تونسي مقيم في ليبيا

 

 

 

 

ليبيا و فرص تجاوز الأزمة..  هل يكون مصاب درنة بداية الحل أم يكون الحل أمميا ؟

 

لقاءات المبعوث الاممي مع القادة الليبيين يربط بينها خيط رفيع جامع وهو استثمار الكارثة لدفع العملية السياسية ونفخ الروح فيها من جديد

بقلم وليد عبد الله *

بعد مضي أكثر من أسبوعين على فاجعة درنة والفياضانات التي اجتاحت الشرق الليبي بسبب عاصفة "دانيال " وما خلفته من ماسي ودمار، وبعد هدوء الأزمة وتجاوز مخلفات الصدمة جراء أسوأ كارثة طبيعية ضربت البلاد في تاريخها الحديث، عاد المبعوث الأممي إلى ليبيا عبد الله باتيللي الى ممارسة نشاطه عبر عقد لقاءات منفردة مع القادة الليبيين شرق البلاد و غربها لإعادة الحياة للعملية السياسية و بث الروح فيها من جديد وحسم الملف الحارق : ملف الانتخابات المرتقبة.

عبد الله باتيللي أجرى سلسلة من اللقاءات مع " فرقاء السلطة في البلاد" : رئيس حكومة الوحدة الوطنية ( غرب ) وقائد قوات الجيش الليبي خليفة حفتر ( شرق ) ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة وأعضاء لجنة 5+5 العسكرية المشتركة عن المنطقة الغربية ، ورسالته كانت أمام الجميع واحدة وهي أن حالة الانقسام السياسي والتفكك في مؤسسات الدولة كانت السبب الرئيس في تشتت جهود الإغاثة في المناطق المنكوبة بشكل عام وفي مدينة درنة خاصة وهو ما قد يؤدي بالضرورة الى فشل عمليات إعادة إعمارها مستقبلا، وحالة الانقسام ذاتها ستكون سببا في فشل جهود توحيد مؤسسات الدولة وتحقيق حالة الاستقرار في البلاد.

وعقب لقاءات المسؤولين الليبيين جاءت توصيات باتيللي مؤكدة بالدرجة الأولى على ضرورة أن يستأنف مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة "اتصالاتهما بهدف تسريع استكمال القوانين الانتخابية "، وعلى أن تأخذ الأطراف السياسية في ليبيا العبرة من اللُّحمة التي أظهرها الليبيون من جميع أنحاء البلاد كي يضعوا خلافاتهم جانباً.

ثانيا، تجديد الدعوة للفرقاء السياسيين على استثمار حالة الفزعة والتضامن الشعبي غير المسبوق بعد كارثة الشرق الليبي، وتكثيف الجهود نحو إجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات الوطنية لمواجهة التحديات المستقبلية بشكل أفضل

ثالثا، أوصى باتيللي، وبقوة بالتوجه نحو تنظيم لقاء يجمع ممثلي الأجسام السياسية الليبية، في مدة أقصاها 15 يوما، لمناقشة إمكانية تشكيل هيئة ليبية موحدة لإدارة أموال إعمار مدينة درنة، بإشراف ومشاركة دولية وأممية

أخيرا وليس آخرا، حث المسؤول الأممي لجنة 6+6 المكلفة بإعداد القوانين الانتخابية " لاتفاق من دون تأخير على القضايا الانتخابية الخلافية، وصياغة قوانين انتخابية قابلة للتنفيذ.

وأكّد بطبيعة الحال على الحاجة الملحة إلى وجود مؤسسات سياسية وأمنية وإدارية موحدة.

فكّ الرموز

إن لقاءات المبعوث الاممي مع القادة الليبيين يربط بينها خيط رفيع جامع ، وهو استثمار الكارثة التي حلت بمدينة درنة ومناطق شرق ليبيا (الاستثمار في الأزمة) لدفع العملية السياسية و نفخ الروح فيها من جديد.

والمتأمل للحالة الليبية يؤكد أنها عصية على الفهم وأربكت مخططات القوى الدولية والإقليمية المتنازعة على الكعكة الليبية بعد سقوط نظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي ، ولا يبدو أنه من الجلي ان الاستثمار في الأزمة الأخيرة قد يعجل بفك رموز هذه الأزمة وإنهاء حالة الانقسام في البلاد.

إن الحل في ليبيا ، في تقديرنا، ومن خلال قراءة موضوعية لتعقيدات المشهد الليبي وخصوصيات البلد يكمن أساسا في نزع السلاح من يد الميليشيات المنتشرة في البلاد خارج إدارة سلطة مركزية موحدة وبإرادة دولية صادقة وبإشراف أممي لا غير مثل ما حصل في البوسنة بعد قرار مجلس الأمن سنة 1995

لقد تم على سبيل المثال نزع السلاح في كولمبيا سنة 2017 بعد صراع بين القوات الحكومية والمتمردين المعروفين باسم "فارك" في هذا البلد، صراع استمر لأكثر من 50 عاما، وأسفر عن مقتل أكثر من 260 ألف شخص، قبل التوصل إلى اتفاق سلام مع القوات "المسلحة الثورية".

ومن ثمة يكون الأفق بالنسبة في موضوعنا توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية الليبية، وتشكيل قوة مشتركة بين حكومة الوحدة الوطنية وقوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

الجدوى والواقعية

وبعد إنهاء كافة المظاهر المسلحة خارج القانون في البلاد، يجب ان تنطلق المباحثات حول قاعدة دستورية موحدة يلتقي حولها كل الفرقاء الليبيين سواء من هم في السلطة أو من باقي التشكيلات الحزبية والسياسية ومن منظمات المجتمع المدني تنتهي الى سن دستور جديد للبلاد وتكوين محكمة دستورية وباقي هيئات المرحلة الانتقالية التي تمهد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية تفضي الى تركيز مرحلة الاستقرار الدائم و بناء مؤسسات موحدة للدولة وتنهي شبح التفتيت واذا سلمنا بان الواقعية لا تعني بالضرورة القبول بما هو موجود على علاّته ، بل التفكير في إمكانية تحسينه وحظوظ تغييره على أرض الواقع وتحقيق ضمانات نجاحه واستمراره، فإن استمرار الوضع الراهن في ليبيا هو حالة انتحار سياسي بطيء ووأد لكل محاولات التجميع ، كما أن الذهاب الى عملية إصلاح مسقطة من الخارج لا تراعي خصوصية الوضع الليبي سيكون مصيرها الفشل لا محالة

ليبقى البديل قائما على حل أممي بإرادة دولية صادقة ينهي المظاهر المسلحة في البلاد والاتفاق على قاعدة دستورية جامعة قبل سن الدستور و إرساء المحكمة الدستورية والذهاب الى انتخابات رئاسية وتشريعية.

البلاد مفتوحة على حرب أهلية وتقسيم إن بقيت دار لقمان على حالها كما يقال ، وحتى لو تمت الانتخابات كما يريد ذلك باتيللي فقد تؤدي الى الحرب من جديد في ظل إمكانية عدم القبول بنتائجها.

 و يجمع كل المراقبين أ ن هناك فشلا في تحليل الظاهرة الليبية وفهمها خاصة مع إغفال أهم المحطات التي عرفتها البلاد والتدخل الأجنبي فيها ، منذ إحداث دستور المملكة سنة 1951 بإرادة دولية وانقلاب معمر على الملك إدريس السنوسي سنة 1969 مستفيدا من التناقص الحاصل آنذاك بين إدارة كينيدي في أمريكا وحكومة ويلسون في بريطانيا، وصولا الى إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي عن طريق قوات الناتو.

 و يبدو أن الحل لن يكون الا دوليا لو توفرت النية الصادقة في إنهاء حقيقي لحالة التشظي الليبي بعيدا عن حسابات أتباع القذافي أو أتباع فبراير أو الخط الثوري وهؤلاء هم الفاعلون اليوم في المشهد الليبي ومعادلاته.

* صحفي تونسي مقيم في ليبيا