حاول البرهنة على نظريّة انفصال العقل عن المخيّلة بصفة نهائيّة في المتن الرشدي
بقلم:مصدّق الشّريف
منذ أسابيع قليلة ودّعت مدينة صفاقس ابنها البارّ رضا الزواري إلى مثواه الأخير.
والفقيد رضا الزواري أستاذ فلسفة درّس في المعاهد الثانويّة ثم التحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ليتحمل مسؤولية رئاسة قسم الفلسفة بها. نعت الساحة الفكرية الفقيد لما عرف به من نشاط وقّاد في مختلف الاتجاهات السياسية منها والنقابية والحقوقية. وكان له فيها باع وذراع تاركا بصمات إنارة الطريق نحو الدّفاع عن حرية الفكر والتعبير والمعتقد والضمير وبالأساس الذود عن كرامة التونسي وحقه في العيش الكريم في صمود ثابت أمام كلّ سلطة استبدادية تسعى إلى ألاّ يرى مواطنوها إلاّ ما تراه موهمة إيّاه أنّها تهديه إلى سبيل الرّشاد.
الدّكتور فتحي التريكي المختصّ في مادّة الفلسفة والعميد الأسبق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس تحدثّ عن المفكر السّياسي والناشط في المجتمع المدنيّ المرحوم رضا الزواري الذي عرف بمواقفه الشرسة ودفاعه المستميت عن تونس حرّة. وقال عنه:"رضا الزواري هو صديق وزميل ورفيق في التفلسف والنضال. فيلسوف رشدي التوجّه عقلانيّ التمشّي. لقد حاول البرهنة على نظريّة أعتبرها مهمّة في فهمنا لمقاصد الرشديّة وتتمثّل في انفصال العقل عن المخيّلة بصفة نهائيّة في المتن الرشدي. ومن المعلوم أنّ المخيّلة مثلها مثل العقل تعتمد التعالي والفكاك من الواقع وبذلك ظن بعض الفلاسفة أنّها تعمل مثل العقل فهما مرتبطان أحدهما بالآخر. وقد ناقش هذه النظريّة أمام اللجنة العلميّة للتأهيل بعد مناقشتها أمام لجنة الدكتوراه. وكنت عضوا في اللجنتين وكان النقاش حادا داخل اللجنة بين فريق كلاسيكي لا يريد الخروج عما كتبه ابن رشد دون تأويل بل دون تفكير وفريق آخر يناصر هذه النظريّة التي خلقت إشكالا فلسفيّا خطيرا لا في الفكر الفلسفي العربي بل وأيضا في الغرب. وساندت بطبيعة الحال هذه النظريّة التي تجعل من ابن رشد المؤسس الحقيقي للفلسفة العقلانيّة في العالم. وأذكر أن الفيلسوف والمؤرّخ الفرنسي جون بيار فرنان قد حاضر على منبر كرسي اليونسكو للفلسفة بكلّية العلوم الإنسانية والاجتماعيّة حول ابن رشد اللاتيني وبيّن بما لا يدع مجالا إلى الشكّ أن ولادة فلسفة الذات subjectum تعود أساسا إلى كتابات ابن رشد التي ترجمت إلى اللاتينيّة. وهو ما يؤكّد أنّ العقلانيّة الغربيّة تدين في أغلبيّتها إلى ابن رشد. من هنا جاءت أهمّية أطروحة المرحوم رضا الزواري.
ورضا الزواري دافع منذ بداياته عندما ترجم كتاب ألتوسير "الفلسفة والفلسفة العفويّة للعلماء" ومنذ أن انضمّ إلى الفريق الذي أسّس الجمعيّة التونسيّة للدراسات الفلسفيّة، على الفكر التنويري المتحرّر من الدغمائيّة. واتّجهت نضالاته نفس الإتجاه فكلّما لاحظ انسياق الفريق أو الحزب أو المنظمة التي انتمى إليها نحو التحجّر وغياب الفكر الديمقراطي التحرّري إلا واستقال أو ابتعد ليواصل النضال بطرق أخرى من أجل الحرية والتنوير. فهو قد جمع بين بلاغة الكلمة وبلاغة الفعل، يربط دائما فكره بممارساته فيجد التناغم المطلوب بين النظر والعمل. ودعوته إلى تكوين جبهة موحّدة للقوى الديمقراطيّة وتخلي الأحزاب اليساريّة عن النظام الهرمي للتسيير، كلّ ذلك يبيّن التوجّه الفكري التحرّري لفيلسوفنا والذي تجسّد حقيقة في نضالاته السياسية والنقابيّة.
رحم الله صديقنا الأستاذ رضا الزواري".
وتجدر الإشارة إلى أنّ معهد تونس للفلسفة سينظم أربعينية الفقيد الفيلسوف رضا الزواري يوم الجمعة 8 سبتمبر 2023 بمدينة الثقافة قاعة صفية القلي رواق السينما وذلك على الساعة الخامسة بعد الزوال.
إنّ الترحم على الأستاذ رضا الزواري والوقوف عند البصمات التي تركها في الفكر الفلسفي يحيلاننا مباشرة إلى ضرورة الاعتناء بمادّة الفلسفة. فهي مادّة أساسية في تكوين ناشئتنا من واجبنا أن ندرّسها منذ السنوات الأولى من تعليمهم. والهدف من ذلك صقل أفكارهم وتدريبهم على النقد البنّاء والنّأي بهم عن قبول الأفكار المسبقة والرّكون إلى المسلّمات.
حاول البرهنة على نظريّة انفصال العقل عن المخيّلة بصفة نهائيّة في المتن الرشدي
بقلم:مصدّق الشّريف
منذ أسابيع قليلة ودّعت مدينة صفاقس ابنها البارّ رضا الزواري إلى مثواه الأخير.
والفقيد رضا الزواري أستاذ فلسفة درّس في المعاهد الثانويّة ثم التحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس ليتحمل مسؤولية رئاسة قسم الفلسفة بها. نعت الساحة الفكرية الفقيد لما عرف به من نشاط وقّاد في مختلف الاتجاهات السياسية منها والنقابية والحقوقية. وكان له فيها باع وذراع تاركا بصمات إنارة الطريق نحو الدّفاع عن حرية الفكر والتعبير والمعتقد والضمير وبالأساس الذود عن كرامة التونسي وحقه في العيش الكريم في صمود ثابت أمام كلّ سلطة استبدادية تسعى إلى ألاّ يرى مواطنوها إلاّ ما تراه موهمة إيّاه أنّها تهديه إلى سبيل الرّشاد.
الدّكتور فتحي التريكي المختصّ في مادّة الفلسفة والعميد الأسبق لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس تحدثّ عن المفكر السّياسي والناشط في المجتمع المدنيّ المرحوم رضا الزواري الذي عرف بمواقفه الشرسة ودفاعه المستميت عن تونس حرّة. وقال عنه:"رضا الزواري هو صديق وزميل ورفيق في التفلسف والنضال. فيلسوف رشدي التوجّه عقلانيّ التمشّي. لقد حاول البرهنة على نظريّة أعتبرها مهمّة في فهمنا لمقاصد الرشديّة وتتمثّل في انفصال العقل عن المخيّلة بصفة نهائيّة في المتن الرشدي. ومن المعلوم أنّ المخيّلة مثلها مثل العقل تعتمد التعالي والفكاك من الواقع وبذلك ظن بعض الفلاسفة أنّها تعمل مثل العقل فهما مرتبطان أحدهما بالآخر. وقد ناقش هذه النظريّة أمام اللجنة العلميّة للتأهيل بعد مناقشتها أمام لجنة الدكتوراه. وكنت عضوا في اللجنتين وكان النقاش حادا داخل اللجنة بين فريق كلاسيكي لا يريد الخروج عما كتبه ابن رشد دون تأويل بل دون تفكير وفريق آخر يناصر هذه النظريّة التي خلقت إشكالا فلسفيّا خطيرا لا في الفكر الفلسفي العربي بل وأيضا في الغرب. وساندت بطبيعة الحال هذه النظريّة التي تجعل من ابن رشد المؤسس الحقيقي للفلسفة العقلانيّة في العالم. وأذكر أن الفيلسوف والمؤرّخ الفرنسي جون بيار فرنان قد حاضر على منبر كرسي اليونسكو للفلسفة بكلّية العلوم الإنسانية والاجتماعيّة حول ابن رشد اللاتيني وبيّن بما لا يدع مجالا إلى الشكّ أن ولادة فلسفة الذات subjectum تعود أساسا إلى كتابات ابن رشد التي ترجمت إلى اللاتينيّة. وهو ما يؤكّد أنّ العقلانيّة الغربيّة تدين في أغلبيّتها إلى ابن رشد. من هنا جاءت أهمّية أطروحة المرحوم رضا الزواري.
ورضا الزواري دافع منذ بداياته عندما ترجم كتاب ألتوسير "الفلسفة والفلسفة العفويّة للعلماء" ومنذ أن انضمّ إلى الفريق الذي أسّس الجمعيّة التونسيّة للدراسات الفلسفيّة، على الفكر التنويري المتحرّر من الدغمائيّة. واتّجهت نضالاته نفس الإتجاه فكلّما لاحظ انسياق الفريق أو الحزب أو المنظمة التي انتمى إليها نحو التحجّر وغياب الفكر الديمقراطي التحرّري إلا واستقال أو ابتعد ليواصل النضال بطرق أخرى من أجل الحرية والتنوير. فهو قد جمع بين بلاغة الكلمة وبلاغة الفعل، يربط دائما فكره بممارساته فيجد التناغم المطلوب بين النظر والعمل. ودعوته إلى تكوين جبهة موحّدة للقوى الديمقراطيّة وتخلي الأحزاب اليساريّة عن النظام الهرمي للتسيير، كلّ ذلك يبيّن التوجّه الفكري التحرّري لفيلسوفنا والذي تجسّد حقيقة في نضالاته السياسية والنقابيّة.
رحم الله صديقنا الأستاذ رضا الزواري".
وتجدر الإشارة إلى أنّ معهد تونس للفلسفة سينظم أربعينية الفقيد الفيلسوف رضا الزواري يوم الجمعة 8 سبتمبر 2023 بمدينة الثقافة قاعة صفية القلي رواق السينما وذلك على الساعة الخامسة بعد الزوال.
إنّ الترحم على الأستاذ رضا الزواري والوقوف عند البصمات التي تركها في الفكر الفلسفي يحيلاننا مباشرة إلى ضرورة الاعتناء بمادّة الفلسفة. فهي مادّة أساسية في تكوين ناشئتنا من واجبنا أن ندرّسها منذ السنوات الأولى من تعليمهم. والهدف من ذلك صقل أفكارهم وتدريبهم على النقد البنّاء والنّأي بهم عن قبول الأفكار المسبقة والرّكون إلى المسلّمات.