إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

حفر وتنظير في التلّوث اللغوي لدى الإذاعات الخاصة والتونسيات والتونسيين

بقلم: الأستاذ الدكتور محمود الذوادي(*)

تعني  كلمة التنظير في العلوم إنشاءَ نظرية أو أكثر تسعى إلى  تفسير الظواهر. أما الحفرُ فيفيد البحث َعن معطيات مرتبطة بالظواهر. يُعتبر امتلاك القدرة على التنظير قمة النضج الفكري لدى الباحثين والمفكرين والعاملين في العلوم الاجتماعية.

دلالات أسماء الإذاعات

هناك اليوم عدد كبير من الإذاعات الخاصة في البلاد التي تقدم برامج متنوعة. أهم هذه الإذاعات هي موزييك وشمس FM وExpress FM  وIFM   وديوان FM   وجوهرة FM. نبرزهنا بعض معالم التلوث اللغوي لديها. فالبعض منها يستعمل كلمات أجنبية في تسميتها.ف Mosaique  و Express FM و IFM  أمثلة. بالطبع، فلتسميات هذه الإذاعات بكلمات أجنبية دلالات تشير إلى اعتزاز باللغة الفرنسية وما لهذا التوجه من تأثيرات على البرامج. والسؤال العلمي بهذا الصدد هو: لماذا يغيب وجود إذاعة خاصة واحدة في العاصمة لنصرة اللغة العربية ؟

النفور من اللغة الوطنية

فميل المشرفين على هذه الإذاعات  إلى اللغة الفرنسية جعل بعض عناوين البرامج تستعمل فقط كلمات أجنبية لا عربية مثل برنامجيْ  Midi Show   و Forum و Emission Impossible في إذاعتيْ موزييك وIFM. أما كلمة  Matinale فهي شائعة الاستعمال في تسمية البرامج الصباحية. فمقدمة برنامج  Forum تصر على استعمال كلمة  fréquence  بدلا عن المفردة العربية.تجمع هذه الإذاعات على استعمال عبارة ' l’invité du jour '  عوضا عن استعمال اللغة العربية/ الوطنية. وكذلك يميل مقدمو البرامج وفي طليعتهم مريم بالقاضي وبرهان بسيس وإلياس الغربي إلى استعمال العبارة الفرنسية bon weekend  بدلا عن المرادف العربي لها.

الرضا بحضور الفرنسية وغياب العربية

لا يكاد يحتج مقدمو البرامج على الضيوف التونسيين الذين يكثرون من استعمال كبير للكلمات والجمل الفرنسية أو يستعملون الفرنسية فقط في حديثهم. وفي المقابل، يقع منع استعمال اللغة العربية الفصحى في بعض الإذاعات في نشرات الأخبار واستعمال الدارجة فقط. وبإقصائه للغة الوطنية، فهذا السلوك اللغوي غير وطني ويعتبر أيضا.كذبا صارخا بالنسبة للادعاء أن التونسيين منفتحون على عوالم جميع اللغات(ماعدا لغتهم الوطنية ).. تطغى الكلمات والجمل الأجنبية في الاشهارات الكثيرة في تلك الإذاعات التي يكثر فيها بث الأغاني الأجنبية.

الهوس اللغوي القهري لدى المذيعين

 أما استعمال المذيعين للكلمات والجمل الفرنسية فلا حصر لها بحيث يمثل نوعا من الهوس اللغوي القهري من كلمات وجمل وعبارات كاملة  مثلdonc,   alors,  pourquoi, que ce soit,  , . . bien sùr ونتيجة لضُعف الوطنية اللغوية لدى المشرفين على هذه الإذاعات فلا أتذكر سماع برنامج فيها حول اللغة العربية والدفاع عنها، بل تساهم في نشر التلوث اللغوي في المجتمع. يشير كل ذلك أن أجيال بعد الاستقلال غير وطنية لغويا وبالتالي مرتبكة الهوية لأن اللغات بطاقات تعريف للشعوب. وقد أكد المفكرون أن شعبا بدون لغته هو نصف أمة.

التشابه اللغوي بين النساء والإذاعات الخاصة

تفيد الملاحظات أن النساء التونسيات يملن كثيرا إلى استعمال الفرنسية مثل ما رأينا الأمر لدى الإذاعات الخاصة. فهن يتفوقن على الرجال التونسيين في هذا المجال مما أدى إلى ضُعف ما نسميه المواطنة اللغوية لديهن.ويعني هذا المفهوم أن المجتمع وأفراده يتصفون بالمواطنة اللغوية الكاملة متى كانت اللغة الوطنية تحتل المكانة الأولى في السمعة الاجتماعية في مجتمعها وفي الاستعمال اليومي فيه لدى الأفراد وفي المؤسسات والقطاعات المجتمعية المختلفة. يستند هذا التعريف للمواطنة اللغوية على أن العلاقة السوّية بين اللغة الوطنية والمجتمع وأفراده يجب أن تكون علاقة طبيعية سليمة وحميمة مما يتطلب منهم الولاء الكامل للغة الوطنية والمحافظة عليها وحمايتها والدفاع عنها مثلها مثل ثروة وعلم وحدود البلاد. وهذا ما نجده، مثلا، سائدا اليوم في مجتمعات الإتحاد الأوروبي. ومن ثم، يجوز القول إن هناك ضُعفا في المواطنة اللغوية لدى الإذاعات الخاصة التونسية والنساء التونسيات المتعلمات وبالتالي فإن وجود الكثير من الموظفات في تلك الإذاعات يعزز مكانة اللغة الفرنسية فيها. وقد أشار أكثر من زميل إلى ملاحظتي في رغبة التونسيات أكثر من التونسيين في الحديث والكتابة بالفرنسية فوصفوها بأنها ملاحظة علمية صحيحة ودقيقة. يُنتظر أن يؤثر ذلك السلوك اللغوي سلبا على علاقة الأطفال التونسيين بلغتهم الوطنية. تمثل هذه السلوكيات اللغوية التونسية من الروضات إلى أعلى السلطات ما ينبغي تسميتها منظومة الاستلاب اللغوي في القمة والقاعدة ومن بينهما في المجتمع التونسي بعد أكثر من نصف قرن من 'الاستقلال'.مثلا، . فالتحيز إلى استعمال الفرنسية نجده حاضرا بقوة في مركز البحوث والتوثيق والدراسات والمعلومات النسائية Crédif بالعاصمة.

أبجدية فهم السلوكيات اللغوية 'المغتربة'

تحتاج ظاهرة الاستلاب اللغوي في الإذاعات الخاصة ولدى التونسيات إلى تفسير علمي يبرز جذور الظاهرة:

ا1- تعلّم اللغات الأجنبية أو التدريس بها                                                                     

 يلاحظ في المجتمعات الأوروبية أن نظم تعليمها تعلّم تلاميذها اللغات الأجنبية لكنها لا تدرّسهم بها مواد التعليم على الأقل في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية.. أما نظام التعليم التونسي فيعلّم التلاميذ اللغة الفرنسية ويدرّسهم بها سابقا (في المدرسة الصادقية والعمومية) من المرحلة الابتدائية واليوم ابتداء من المرحلة الثانوية المواد العلمية بدلا عن اللغة العربية/الوطنية. فنشأت عقلية تونسية حتى عند المثقفين لا تكاد تفرق بين تعلّم اللغات الأجنبية والتدريس بها. بل أصبح لنظر إلى تدريس المواد العلمية باللغة العربية على أنه  ضرب من التخلف بينما يؤكد البحث العلمي أن اللغات تتقدم وتبلغ أعلى عنفوانها في التعبير الشفوي والكتابي  إن هي استُعمِلتْ بالكامل في جميع الميادين والأشياء  في الحديث والكتابة في مجتمعاتها.

2 - يشخص Ralph Patai  مؤلفُ كتاب العقل العربيThe Arab Mind  

آثار التعليم الثنائي اللغة ( استعمال لغتين كوسيلتيْ تدريس ) في مجتمعات المغرب العربي.  فوجد أن التعليم الثنائي اللغة  يؤدي عموما إلى الأعراض التالية لدى خريجيه: 1 ـ الانتماء إلى ثقافتين دون القدرة على تعريف الذات بالانتماء الكامل لأي منهما.2 ـ التذبذب المزدوج يتمثل في رغبتهم  كسب علاقة حميمة كاملة مع الغرب ومع مجتمعهم في نفس الوقت دون النجاح في أي منهما. 3 ـ يتصف خريجو ذلك التعليم بشخصية منفصمة ناتجة عن معايشة عاملين قويين متعاكسين: الارتباط بالثقافة العربية والانجذاب إلى الثقافة الغربية  4 ـ عداء سافر للاستعمار الفرنسي يقابله ترحيب كبير بلغته وثقافته.

 3- الحجر اللغوي أساس توطين اللغة                                                                       

 هدتنا منافع الحجر الصحي ضدّ وباء الكورونا إلى حجر آخر له أيضا فوائد جمة. ابتكرنا مفهوما جديدا لا يكاد يخطر على بال. إنه مفهوم الحجر اللغوي: استعمال اللغة الأم أو الوطنية فقط في كل شيء بما فيه التدريس ابتداء من حاضنات صغار الأطفال وفي المراحل الثلاث للتعليم: الابتدائية والإعدادية والثانوية على الأقل.. يتشابه الحجر اللغوي مع الحجر الصحي في تأثيرات كل منهما على المحجور (الصحة أو اللغات). فالإجراءات الصحية ضد تفشي فيروس جائحة الكورونا (الابتعاد الاجتماعي ولباس الكمامات وغسل اليدين والعزل المنزلي...) تحمي الأفراد كثيرا من الإصابة بالكورونا. وبالمثل يحمي الحجر اللغوي لغات الأم أو اللغات الوطنية من تفشي فيروس انتشار استعمال اللغات الأجنبية في الحديث  والكتابة. فسلامة صحة الأفراد وسلامة لغاتهم هما حصيلة لهذين النوعين من الحجر. يتضح أن الحجر اللغوي يؤدي بالملتزمين به إلى إنشاء  علاقة حميمة مع لغاتهم.

4- عبرُ المبتدأ والخبر للحجر اللغوي

تكشف الموضوعية أن تعلّم اللغة الفرنسية والتدريس بها  (غياب الحجر اللغوي) في المجتمع التونسي في عهديْ الاستعمار و'الاستقلال' يمثل اغتصابا لغويا يحرم اللغة العربية من حضورها كحق سيادة وتحرر للمجتمع التونسي. فسلب حق المجتمع في لغته هو حصيلة لتآمر مزدوج: خارجي وداخلي تقوده النخب التونسية الفاقدة للحجر اللغوي لصالح اللغة الوطنية.

5- الحجر اللغوي في كيباك                                                                                    

فالوطنية اللغوية في مقاطعة كيباك الناطقة بالفرنسية في كندا  جعلت استعمال اللغة الفرنسية  فقط في الكتابة أمرا إجباريا في كل شؤون الحياة. لذا تمنع كتابة كلمة Stop الانكليزية في الشوارع والطرقات  فتُكتب هذه الكلمة بالفرنسية فقط Arrêt. فاللافتات في قرى  ومدن المجتمع التونسي شاهدة على انتشار جائحة التلوث اللغوي بسبب غياب الحجر اللغوي الذي يحترم اللغة العربية للبلاد قبل أي لغة أخرى.

أخطاء التعامل مع اللغة الوطنية

1-أخطأ خير الدين باشا في قرار التدريس باللغة الفرنسية في المدرسة الصادقية بدلا عن العربية جهلا علميا (أو عمدا) منه بالآثار السلبية على اللغة العربية وهوية خريجي هذه المدرسة.

2- .يخطئ معظم التونسيين في الاعتقاد أن مجرد إتقان الصادقيين للغة العربية وغيرهم من خريجي المدرسة العمومية يجعلهم يحترمونها مثل الفرنسية أو يفضلونها في الحديث والكتابة. فبورقيبة والنخب التونسية بعد الاستقلال متحيزون أكثر إلى اللغة الفرنسية. يؤكد التحليل العلمي أن السبب الأول وراء ذلك هو فقدانهم للحجر اللغوي.

3-فأجيال ما قبل وبعد الاستقلال في المجتمع التونسي هي أجيال مسلوبة الوطنية اللغوية بسبب فقدانها أيضا للحجر اللغوي، كما يشهد على ذلك العاملون في الإذاعات الخاصة كما رأينا.

4-كثر الحديث في الماضي ويزداد اليوم حول إصلاح التعليم لكن لا أحد ذكر أن الإصلاح الحقيقي للمنظومة التربوية لا يتم بدون تبني الحجر اللغوي.

5-يثير تحيز الإذاعات الخاصة إلى الفرنسية تساؤلا حول الممولين لها: هل هم تونسيون أم أجانب أم هما معا؟ المؤكد علميا أن لا أحد من التونسيين الممولين هو خريج نظام التعليم التونسي الذي تبنى  الحجر اللغوي في مطلع الاستقلال في ما سُمي شُعبة (أ) التي درس فيها التلاميذ التونسيون باللغة العربية فقط جميع المواد حتى نهاية التعليم الثانوي.

نظرية الحجر اللغوي

تجمع المعطيات السابقة على أن غياب الحجر اللغوي هو السبب الرئيسي في وجود التلوث اللغوي في المجتمع التونسي. إذن، ففكرة الحجر اللغوي تمثل نظرية تفسر أزمة اللغة العربية في هذا المجتمع

* عالم الاجتماع                             

 

                              

 

حفر وتنظير في التلّوث اللغوي لدى الإذاعات الخاصة والتونسيات والتونسيين

بقلم: الأستاذ الدكتور محمود الذوادي(*)

تعني  كلمة التنظير في العلوم إنشاءَ نظرية أو أكثر تسعى إلى  تفسير الظواهر. أما الحفرُ فيفيد البحث َعن معطيات مرتبطة بالظواهر. يُعتبر امتلاك القدرة على التنظير قمة النضج الفكري لدى الباحثين والمفكرين والعاملين في العلوم الاجتماعية.

دلالات أسماء الإذاعات

هناك اليوم عدد كبير من الإذاعات الخاصة في البلاد التي تقدم برامج متنوعة. أهم هذه الإذاعات هي موزييك وشمس FM وExpress FM  وIFM   وديوان FM   وجوهرة FM. نبرزهنا بعض معالم التلوث اللغوي لديها. فالبعض منها يستعمل كلمات أجنبية في تسميتها.ف Mosaique  و Express FM و IFM  أمثلة. بالطبع، فلتسميات هذه الإذاعات بكلمات أجنبية دلالات تشير إلى اعتزاز باللغة الفرنسية وما لهذا التوجه من تأثيرات على البرامج. والسؤال العلمي بهذا الصدد هو: لماذا يغيب وجود إذاعة خاصة واحدة في العاصمة لنصرة اللغة العربية ؟

النفور من اللغة الوطنية

فميل المشرفين على هذه الإذاعات  إلى اللغة الفرنسية جعل بعض عناوين البرامج تستعمل فقط كلمات أجنبية لا عربية مثل برنامجيْ  Midi Show   و Forum و Emission Impossible في إذاعتيْ موزييك وIFM. أما كلمة  Matinale فهي شائعة الاستعمال في تسمية البرامج الصباحية. فمقدمة برنامج  Forum تصر على استعمال كلمة  fréquence  بدلا عن المفردة العربية.تجمع هذه الإذاعات على استعمال عبارة ' l’invité du jour '  عوضا عن استعمال اللغة العربية/ الوطنية. وكذلك يميل مقدمو البرامج وفي طليعتهم مريم بالقاضي وبرهان بسيس وإلياس الغربي إلى استعمال العبارة الفرنسية bon weekend  بدلا عن المرادف العربي لها.

الرضا بحضور الفرنسية وغياب العربية

لا يكاد يحتج مقدمو البرامج على الضيوف التونسيين الذين يكثرون من استعمال كبير للكلمات والجمل الفرنسية أو يستعملون الفرنسية فقط في حديثهم. وفي المقابل، يقع منع استعمال اللغة العربية الفصحى في بعض الإذاعات في نشرات الأخبار واستعمال الدارجة فقط. وبإقصائه للغة الوطنية، فهذا السلوك اللغوي غير وطني ويعتبر أيضا.كذبا صارخا بالنسبة للادعاء أن التونسيين منفتحون على عوالم جميع اللغات(ماعدا لغتهم الوطنية ).. تطغى الكلمات والجمل الأجنبية في الاشهارات الكثيرة في تلك الإذاعات التي يكثر فيها بث الأغاني الأجنبية.

الهوس اللغوي القهري لدى المذيعين

 أما استعمال المذيعين للكلمات والجمل الفرنسية فلا حصر لها بحيث يمثل نوعا من الهوس اللغوي القهري من كلمات وجمل وعبارات كاملة  مثلdonc,   alors,  pourquoi, que ce soit,  , . . bien sùr ونتيجة لضُعف الوطنية اللغوية لدى المشرفين على هذه الإذاعات فلا أتذكر سماع برنامج فيها حول اللغة العربية والدفاع عنها، بل تساهم في نشر التلوث اللغوي في المجتمع. يشير كل ذلك أن أجيال بعد الاستقلال غير وطنية لغويا وبالتالي مرتبكة الهوية لأن اللغات بطاقات تعريف للشعوب. وقد أكد المفكرون أن شعبا بدون لغته هو نصف أمة.

التشابه اللغوي بين النساء والإذاعات الخاصة

تفيد الملاحظات أن النساء التونسيات يملن كثيرا إلى استعمال الفرنسية مثل ما رأينا الأمر لدى الإذاعات الخاصة. فهن يتفوقن على الرجال التونسيين في هذا المجال مما أدى إلى ضُعف ما نسميه المواطنة اللغوية لديهن.ويعني هذا المفهوم أن المجتمع وأفراده يتصفون بالمواطنة اللغوية الكاملة متى كانت اللغة الوطنية تحتل المكانة الأولى في السمعة الاجتماعية في مجتمعها وفي الاستعمال اليومي فيه لدى الأفراد وفي المؤسسات والقطاعات المجتمعية المختلفة. يستند هذا التعريف للمواطنة اللغوية على أن العلاقة السوّية بين اللغة الوطنية والمجتمع وأفراده يجب أن تكون علاقة طبيعية سليمة وحميمة مما يتطلب منهم الولاء الكامل للغة الوطنية والمحافظة عليها وحمايتها والدفاع عنها مثلها مثل ثروة وعلم وحدود البلاد. وهذا ما نجده، مثلا، سائدا اليوم في مجتمعات الإتحاد الأوروبي. ومن ثم، يجوز القول إن هناك ضُعفا في المواطنة اللغوية لدى الإذاعات الخاصة التونسية والنساء التونسيات المتعلمات وبالتالي فإن وجود الكثير من الموظفات في تلك الإذاعات يعزز مكانة اللغة الفرنسية فيها. وقد أشار أكثر من زميل إلى ملاحظتي في رغبة التونسيات أكثر من التونسيين في الحديث والكتابة بالفرنسية فوصفوها بأنها ملاحظة علمية صحيحة ودقيقة. يُنتظر أن يؤثر ذلك السلوك اللغوي سلبا على علاقة الأطفال التونسيين بلغتهم الوطنية. تمثل هذه السلوكيات اللغوية التونسية من الروضات إلى أعلى السلطات ما ينبغي تسميتها منظومة الاستلاب اللغوي في القمة والقاعدة ومن بينهما في المجتمع التونسي بعد أكثر من نصف قرن من 'الاستقلال'.مثلا، . فالتحيز إلى استعمال الفرنسية نجده حاضرا بقوة في مركز البحوث والتوثيق والدراسات والمعلومات النسائية Crédif بالعاصمة.

أبجدية فهم السلوكيات اللغوية 'المغتربة'

تحتاج ظاهرة الاستلاب اللغوي في الإذاعات الخاصة ولدى التونسيات إلى تفسير علمي يبرز جذور الظاهرة:

ا1- تعلّم اللغات الأجنبية أو التدريس بها                                                                     

 يلاحظ في المجتمعات الأوروبية أن نظم تعليمها تعلّم تلاميذها اللغات الأجنبية لكنها لا تدرّسهم بها مواد التعليم على الأقل في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية.. أما نظام التعليم التونسي فيعلّم التلاميذ اللغة الفرنسية ويدرّسهم بها سابقا (في المدرسة الصادقية والعمومية) من المرحلة الابتدائية واليوم ابتداء من المرحلة الثانوية المواد العلمية بدلا عن اللغة العربية/الوطنية. فنشأت عقلية تونسية حتى عند المثقفين لا تكاد تفرق بين تعلّم اللغات الأجنبية والتدريس بها. بل أصبح لنظر إلى تدريس المواد العلمية باللغة العربية على أنه  ضرب من التخلف بينما يؤكد البحث العلمي أن اللغات تتقدم وتبلغ أعلى عنفوانها في التعبير الشفوي والكتابي  إن هي استُعمِلتْ بالكامل في جميع الميادين والأشياء  في الحديث والكتابة في مجتمعاتها.

2 - يشخص Ralph Patai  مؤلفُ كتاب العقل العربيThe Arab Mind  

آثار التعليم الثنائي اللغة ( استعمال لغتين كوسيلتيْ تدريس ) في مجتمعات المغرب العربي.  فوجد أن التعليم الثنائي اللغة  يؤدي عموما إلى الأعراض التالية لدى خريجيه: 1 ـ الانتماء إلى ثقافتين دون القدرة على تعريف الذات بالانتماء الكامل لأي منهما.2 ـ التذبذب المزدوج يتمثل في رغبتهم  كسب علاقة حميمة كاملة مع الغرب ومع مجتمعهم في نفس الوقت دون النجاح في أي منهما. 3 ـ يتصف خريجو ذلك التعليم بشخصية منفصمة ناتجة عن معايشة عاملين قويين متعاكسين: الارتباط بالثقافة العربية والانجذاب إلى الثقافة الغربية  4 ـ عداء سافر للاستعمار الفرنسي يقابله ترحيب كبير بلغته وثقافته.

 3- الحجر اللغوي أساس توطين اللغة                                                                       

 هدتنا منافع الحجر الصحي ضدّ وباء الكورونا إلى حجر آخر له أيضا فوائد جمة. ابتكرنا مفهوما جديدا لا يكاد يخطر على بال. إنه مفهوم الحجر اللغوي: استعمال اللغة الأم أو الوطنية فقط في كل شيء بما فيه التدريس ابتداء من حاضنات صغار الأطفال وفي المراحل الثلاث للتعليم: الابتدائية والإعدادية والثانوية على الأقل.. يتشابه الحجر اللغوي مع الحجر الصحي في تأثيرات كل منهما على المحجور (الصحة أو اللغات). فالإجراءات الصحية ضد تفشي فيروس جائحة الكورونا (الابتعاد الاجتماعي ولباس الكمامات وغسل اليدين والعزل المنزلي...) تحمي الأفراد كثيرا من الإصابة بالكورونا. وبالمثل يحمي الحجر اللغوي لغات الأم أو اللغات الوطنية من تفشي فيروس انتشار استعمال اللغات الأجنبية في الحديث  والكتابة. فسلامة صحة الأفراد وسلامة لغاتهم هما حصيلة لهذين النوعين من الحجر. يتضح أن الحجر اللغوي يؤدي بالملتزمين به إلى إنشاء  علاقة حميمة مع لغاتهم.

4- عبرُ المبتدأ والخبر للحجر اللغوي

تكشف الموضوعية أن تعلّم اللغة الفرنسية والتدريس بها  (غياب الحجر اللغوي) في المجتمع التونسي في عهديْ الاستعمار و'الاستقلال' يمثل اغتصابا لغويا يحرم اللغة العربية من حضورها كحق سيادة وتحرر للمجتمع التونسي. فسلب حق المجتمع في لغته هو حصيلة لتآمر مزدوج: خارجي وداخلي تقوده النخب التونسية الفاقدة للحجر اللغوي لصالح اللغة الوطنية.

5- الحجر اللغوي في كيباك                                                                                    

فالوطنية اللغوية في مقاطعة كيباك الناطقة بالفرنسية في كندا  جعلت استعمال اللغة الفرنسية  فقط في الكتابة أمرا إجباريا في كل شؤون الحياة. لذا تمنع كتابة كلمة Stop الانكليزية في الشوارع والطرقات  فتُكتب هذه الكلمة بالفرنسية فقط Arrêt. فاللافتات في قرى  ومدن المجتمع التونسي شاهدة على انتشار جائحة التلوث اللغوي بسبب غياب الحجر اللغوي الذي يحترم اللغة العربية للبلاد قبل أي لغة أخرى.

أخطاء التعامل مع اللغة الوطنية

1-أخطأ خير الدين باشا في قرار التدريس باللغة الفرنسية في المدرسة الصادقية بدلا عن العربية جهلا علميا (أو عمدا) منه بالآثار السلبية على اللغة العربية وهوية خريجي هذه المدرسة.

2- .يخطئ معظم التونسيين في الاعتقاد أن مجرد إتقان الصادقيين للغة العربية وغيرهم من خريجي المدرسة العمومية يجعلهم يحترمونها مثل الفرنسية أو يفضلونها في الحديث والكتابة. فبورقيبة والنخب التونسية بعد الاستقلال متحيزون أكثر إلى اللغة الفرنسية. يؤكد التحليل العلمي أن السبب الأول وراء ذلك هو فقدانهم للحجر اللغوي.

3-فأجيال ما قبل وبعد الاستقلال في المجتمع التونسي هي أجيال مسلوبة الوطنية اللغوية بسبب فقدانها أيضا للحجر اللغوي، كما يشهد على ذلك العاملون في الإذاعات الخاصة كما رأينا.

4-كثر الحديث في الماضي ويزداد اليوم حول إصلاح التعليم لكن لا أحد ذكر أن الإصلاح الحقيقي للمنظومة التربوية لا يتم بدون تبني الحجر اللغوي.

5-يثير تحيز الإذاعات الخاصة إلى الفرنسية تساؤلا حول الممولين لها: هل هم تونسيون أم أجانب أم هما معا؟ المؤكد علميا أن لا أحد من التونسيين الممولين هو خريج نظام التعليم التونسي الذي تبنى  الحجر اللغوي في مطلع الاستقلال في ما سُمي شُعبة (أ) التي درس فيها التلاميذ التونسيون باللغة العربية فقط جميع المواد حتى نهاية التعليم الثانوي.

نظرية الحجر اللغوي

تجمع المعطيات السابقة على أن غياب الحجر اللغوي هو السبب الرئيسي في وجود التلوث اللغوي في المجتمع التونسي. إذن، ففكرة الحجر اللغوي تمثل نظرية تفسر أزمة اللغة العربية في هذا المجتمع

* عالم الاجتماع