من أجمل الصفات التي أطلقت على الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي أحيينا ذكرى ميلاده قبل يومين، كلمة " حبيب الأمة"..
لم نسمع كلمات أجمل أطلقت على أيّ زعيم أو قائد آخر كما حصل مع بورقيبة.
لكن وبكلّ أسف، رغم تكريسه كأحد أبرز الزعماء العرب، بل الأفارقة وحتى في العالم، ورغم أن عاصمتنا تضمّ عشرات الشوارع والأنهج التي تحمل أسماء رؤساء وقادة عرب، لا أذكر أنّ عاصمة أو مدينة عربية واحدة سمّت شارعا أو حتى ممرّا واحدا باسم باني تونس الحديثة الحبيب بورقيبة.
قوّة الزعيم الراحل في أوج حكمه انّه يجوب نطاق عمله من أوله إلى آخره، لا يجلس في كرسي حكمه وينتظر من ينقل إليه الأخبار.
كانت له مصادره الخاصة المتعدّدة للاطلاع على أحوال الأمة والبلاد.
بالإضافة الى القنوات الرسمية، جمع حوله رجالات خُلّص أغلبهم من المقاومين أو رفقاء درب النضال الوطني ليست لديهم مصالح إلا حماية تونس والحفاظ عليها..
كم من مرّة أبلغوه بتفاصيل أحداث أو مستجدات أخفاها عنه من كلّفهم بأمانة المسؤولية في الدولة!.
كنت أحد معارضي سياسات بورقيبة في ثمانينات القرن الماضي باعتبار مسؤوليتي في رئاسة تحرير "الرأي".
تميّزت آخر سنوات حكمه بصراع أجنحة وتصادم قوى سياسية ولعبة مصالح من أجل خلافته، بلغ الأمر حدّ حبك المؤامرات والدسائس..
كان الجميع على علم بتفاصيل ما يحدث داخل قصر قرطاج من تصفية حسابات، كذلك "فضائح" تمسّ الحياة الخاصة للزعيم.
كنت طرفا في إحباط مؤامرة حيكت بعد أحداث الخبز عندما تم اتهام وزير الداخلية في تلك الفترة 1984 إدريس قيقة بتوظيف هذه الأحداث الأليمة والدفع لحالة من الفوضى بالبلاد من أجل التموقع ضمن الصفوف الأولى في حرب الخلافة.
كانت لقيقة مكانة لدى الزعيم باعتبار أنّه هو من أبلغ الباي بقرار عزله.
يذكر جماعة الوزير الأول الأسبق محمد مزالي أنّ وسيلة بورقيبة هي من خططت بمعية "زمرتها" لإحداث الخبز لإزاحة مزالي انتقاما لِرفضه الخضوع لإرادتها ورغباتها، وهي كذلك من عملت على إفشال عملية إصلاح منظومة الدعم التي شرعت فيها حكومته.
لمّا بلغت تفاصيل ما دُبّر لقيقة وما يرتقبه من عملية تصفية سياسية تمكن سرّا من مغادرة تونس واللجوء الى لندن، حيث مكّنته شخصية خليجية من مقرّ إقامة.
تشكّلت لجنة تحقيق لتدين إدريس قيقة وقيادات أمنية أخرى إعدادا لمثولهم أمام المحكمة العليا بتهمة الخيانة العظمى، وهي جريمة قد تصل عقوبتها الإعدام.
لم تكن وسيلة بورقيبة لتقبل بأن يتورّط أحد أفراد جماعتها ويخرج مزالي ضحية ومنتصرا في هذه المعركة.
باعتبار موقعي ومسؤوليتي في جريدة "الرأي" تم التواصل معي وإبلاغي إمكانية الفوز بسبق صحفي عالمي، لقاء قيقة وإجراء حوار حصري معه يطرح خلاله وجهة نظره في ما حصل ويردّ على الاتهامات الخطيرة التي تم توريطه فيها.
بالفعل سافرت الى لندن في نهاية شهر ماي 1984 عشية جلوس المحكمة التي تم تحديد موعدها ليوم 4 جوان، التقيت وزير الداخلية "الفار" والمتهم في منزل بحي لندني فخم كان مرفوقا بزوجته وجدتها في حالة حزن شديد، كان لي حوار مطول معه دام أكثر من 4 ساعات.
فاجأني قيقة بأول سؤال قبل بداية تسجيل الحوار معه: هل سيكون بإمكاني نشر كلّ ما سيكشفه ويقوله من أسرار ومعلومات خطيرة جدا، في ظلّ الوضع الذي كانت تعيشه البلاد؟ وهل سيسمح للصحيفة بالصدور خاصة أن توقيته كان قبل أيام فقط تفصل عن بداية أشغال المحكمة؟
لم أعده بأي شيء، لكن قلت له سأسعى، وإن لم يكن ذلك في "الرأي" سأنشره في وسيلة إعلامية أجنبية أخرى.
عدت الى تونس وانطلقت في مغامرة نشر هذا السبق الصحفي، وهو ما تم بالفعل، كانت وسيلة بورقيبة أول من سعت للحصول على نسخة من الجريدة و للاطلاع عليها وإعلام الزعيم بورقيبة بفحواه خاصة ردود إدريس قيقة على كلّ الاتهامات الموجهة إليه.
فوجئ فعلا الزعيم بحقائق جديدة، بالتالي أعاد النظر في ما تم نقله له من حكاية المؤامرة المدبَرة ضدّ وزيره الأول محمد مزالي.
كانت لحظة تاريخية مهمة في مسار الحياة السياسية ببلادنا، لكن الأهم ولئن ساند الحظّ إدريس قيقة وواته الظروف ليبلغ صوته ويدافع عن نفسه، فإنّ شخصيات عديدة أخرى تمّ التآمر عليها وهي في الحكم وظُلمت ولم تجد حقّها أو من ينصفها..
لنعلم أن الناس إذا تآمروا على شخص فلا لشيء إلاّ لإضعافه وليبقوه مقيدًا بالسلاسل، غاب عنهم أن مشكلة المؤامرات هي أنها تتعفن داخليا وغالبا ما تعود بالمصائب على من صنعوها، فخدعة أفضل المتآمرين لا بدّ أن تسيء إلى صاحبها.
يرويها: أبوبكر الصغير
من أجمل الصفات التي أطلقت على الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي أحيينا ذكرى ميلاده قبل يومين، كلمة " حبيب الأمة"..
لم نسمع كلمات أجمل أطلقت على أيّ زعيم أو قائد آخر كما حصل مع بورقيبة.
لكن وبكلّ أسف، رغم تكريسه كأحد أبرز الزعماء العرب، بل الأفارقة وحتى في العالم، ورغم أن عاصمتنا تضمّ عشرات الشوارع والأنهج التي تحمل أسماء رؤساء وقادة عرب، لا أذكر أنّ عاصمة أو مدينة عربية واحدة سمّت شارعا أو حتى ممرّا واحدا باسم باني تونس الحديثة الحبيب بورقيبة.
قوّة الزعيم الراحل في أوج حكمه انّه يجوب نطاق عمله من أوله إلى آخره، لا يجلس في كرسي حكمه وينتظر من ينقل إليه الأخبار.
كانت له مصادره الخاصة المتعدّدة للاطلاع على أحوال الأمة والبلاد.
بالإضافة الى القنوات الرسمية، جمع حوله رجالات خُلّص أغلبهم من المقاومين أو رفقاء درب النضال الوطني ليست لديهم مصالح إلا حماية تونس والحفاظ عليها..
كم من مرّة أبلغوه بتفاصيل أحداث أو مستجدات أخفاها عنه من كلّفهم بأمانة المسؤولية في الدولة!.
كنت أحد معارضي سياسات بورقيبة في ثمانينات القرن الماضي باعتبار مسؤوليتي في رئاسة تحرير "الرأي".
تميّزت آخر سنوات حكمه بصراع أجنحة وتصادم قوى سياسية ولعبة مصالح من أجل خلافته، بلغ الأمر حدّ حبك المؤامرات والدسائس..
كان الجميع على علم بتفاصيل ما يحدث داخل قصر قرطاج من تصفية حسابات، كذلك "فضائح" تمسّ الحياة الخاصة للزعيم.
كنت طرفا في إحباط مؤامرة حيكت بعد أحداث الخبز عندما تم اتهام وزير الداخلية في تلك الفترة 1984 إدريس قيقة بتوظيف هذه الأحداث الأليمة والدفع لحالة من الفوضى بالبلاد من أجل التموقع ضمن الصفوف الأولى في حرب الخلافة.
كانت لقيقة مكانة لدى الزعيم باعتبار أنّه هو من أبلغ الباي بقرار عزله.
يذكر جماعة الوزير الأول الأسبق محمد مزالي أنّ وسيلة بورقيبة هي من خططت بمعية "زمرتها" لإحداث الخبز لإزاحة مزالي انتقاما لِرفضه الخضوع لإرادتها ورغباتها، وهي كذلك من عملت على إفشال عملية إصلاح منظومة الدعم التي شرعت فيها حكومته.
لمّا بلغت تفاصيل ما دُبّر لقيقة وما يرتقبه من عملية تصفية سياسية تمكن سرّا من مغادرة تونس واللجوء الى لندن، حيث مكّنته شخصية خليجية من مقرّ إقامة.
تشكّلت لجنة تحقيق لتدين إدريس قيقة وقيادات أمنية أخرى إعدادا لمثولهم أمام المحكمة العليا بتهمة الخيانة العظمى، وهي جريمة قد تصل عقوبتها الإعدام.
لم تكن وسيلة بورقيبة لتقبل بأن يتورّط أحد أفراد جماعتها ويخرج مزالي ضحية ومنتصرا في هذه المعركة.
باعتبار موقعي ومسؤوليتي في جريدة "الرأي" تم التواصل معي وإبلاغي إمكانية الفوز بسبق صحفي عالمي، لقاء قيقة وإجراء حوار حصري معه يطرح خلاله وجهة نظره في ما حصل ويردّ على الاتهامات الخطيرة التي تم توريطه فيها.
بالفعل سافرت الى لندن في نهاية شهر ماي 1984 عشية جلوس المحكمة التي تم تحديد موعدها ليوم 4 جوان، التقيت وزير الداخلية "الفار" والمتهم في منزل بحي لندني فخم كان مرفوقا بزوجته وجدتها في حالة حزن شديد، كان لي حوار مطول معه دام أكثر من 4 ساعات.
فاجأني قيقة بأول سؤال قبل بداية تسجيل الحوار معه: هل سيكون بإمكاني نشر كلّ ما سيكشفه ويقوله من أسرار ومعلومات خطيرة جدا، في ظلّ الوضع الذي كانت تعيشه البلاد؟ وهل سيسمح للصحيفة بالصدور خاصة أن توقيته كان قبل أيام فقط تفصل عن بداية أشغال المحكمة؟
لم أعده بأي شيء، لكن قلت له سأسعى، وإن لم يكن ذلك في "الرأي" سأنشره في وسيلة إعلامية أجنبية أخرى.
عدت الى تونس وانطلقت في مغامرة نشر هذا السبق الصحفي، وهو ما تم بالفعل، كانت وسيلة بورقيبة أول من سعت للحصول على نسخة من الجريدة و للاطلاع عليها وإعلام الزعيم بورقيبة بفحواه خاصة ردود إدريس قيقة على كلّ الاتهامات الموجهة إليه.
فوجئ فعلا الزعيم بحقائق جديدة، بالتالي أعاد النظر في ما تم نقله له من حكاية المؤامرة المدبَرة ضدّ وزيره الأول محمد مزالي.
كانت لحظة تاريخية مهمة في مسار الحياة السياسية ببلادنا، لكن الأهم ولئن ساند الحظّ إدريس قيقة وواته الظروف ليبلغ صوته ويدافع عن نفسه، فإنّ شخصيات عديدة أخرى تمّ التآمر عليها وهي في الحكم وظُلمت ولم تجد حقّها أو من ينصفها..
لنعلم أن الناس إذا تآمروا على شخص فلا لشيء إلاّ لإضعافه وليبقوه مقيدًا بالسلاسل، غاب عنهم أن مشكلة المؤامرات هي أنها تتعفن داخليا وغالبا ما تعود بالمصائب على من صنعوها، فخدعة أفضل المتآمرين لا بدّ أن تسيء إلى صاحبها.