*لقد كان تعامل الاستشراق مع الحضارة العربية الإسلامية والرّموز الحضارية تعاملاً في غالبه تشويهي وكانت القراءات التأويليّة مسكونة بهاجس الحطّ من قيمة التاريخ العربي الإسلامي
فاتحة القول:
يسلّط هذا المقال الضوء على علاقة المستشرقين بالثقافة العربية الإسلامية . ويحاول رصد أسباب هذه العلاقة ومنتجاتها ويركّز على أمثلة تبيّن المنهج الموظّف والغاية المقصودة في هذه العلاقات القديمة الجديدة بحلل مختلفة . كيف ينظر المستشرقون إلى الثقافة العربية الإسلامية والتراث والكتب والمخطوطات والمرويات والتاريخ ؟ كيف صوّر المستشرقون التراث والشخصيات العربية الإسلامية ؟ وهل يُعدّ مشروع الاستغراب حلاًّ وردًّا على ما أنتجه الاستشراق بمختلف مدارسه ؟ هل كان البُعد العلمي هو الغالب على دراساتهم و بحوثهم أم أنّهم تقيّدوا بمنهج يظهر خلاف ما يبطن ؟لقد كانت جهود المستشرقين واسعة ومساعيهم حثيثة لدراسة وثائق وكتب العرب والإحاطة بمضامينها ومحاولة فهم بُنى هذه الحضارة التي انبثق عنها هذا المنتوج الفكري ، ولا ننكر بعض الجهود المعتدلة لبعض المستشرقين تعلّقت بتوظيب وترتيب وترجمة جزء مهمّ من هذه المصادر، إلاّ أنّ الغالب على هذه الجهود الإساءة إلى الفكر العربي الإسلامي، وفهمه ورسم صورة له وفق منهج علمي تشكيكي ، فقد عانى الإسلام و النّبي محمّد من هجومات المتطرفين من فريق المستشرقين، وفي تقديرنا أنّ الغرب استفاد من جهود المستشرقين واستعمل دراساتهم ليحدّد المنافذ التي سيدخل منها إلى تلك البلدان ويستعمرها ، وقد استعملت فرنسا جهد المستشرقين عند دخولها الجزائر و تونس وبلدان إفريقية ، كما اعتمدت إيطاليا على تقارير المستشرقين في غزو ليبيا، وكذلك الانجليز لاحتلال مصر وبلدان عربية أخرى ، وكذلك استخدمت أمريكا الدراسات الاستشراقية والأنتروبولوجية لتسهّل لنفسها غزو العراق ، فأين نجد الدّافع العلمي في هذه الأعمال إذا كانت الدراسات تمضي إلى إدارات الجند والعساكر الهدف منها الاستعمار واستنزاف ثروات شعوب العالم ؟ هل يشتغل الاستشراق داخل أروقة مراكز البحث العلمي وفي أروقة المراكز الثقافية ؟ كيف يمكن للاستشراق الآن أن يجمع بين المنحى العلمي والغرض الجيوسياسي للتمدّد والهيمنة ؟ أليس الاستشراق سجين أطماع الساسة الغربيين والمبشرين المسيحيين في البلدان والشعوب الفقيرة ؟ هل سلمت المؤسسات البنكية العالمية والمنظمات الدولية من زوابع وتوابع الاستشراق ؟ هل نجح الاستشراق في تنشئة مستشرقين عرب داخل أسوار جامعات عربية حذقوا مناهج البحث العلمي وبرعوا في ممارسة التشكيك والتأويل والتفكيك أكثر من أصحابها ؟
*نزعة الهيمنة وسياسة الاستشراق، جهود إدوار سعيد :
لا تخفى النزعة العنصرية للقوى المهيمنة على العالم وإن تخفّت بمقولات الديموقراطية والتقدّم العلمي والتكنولوجي ،لقد كان تعامل الاستشراق مع الحضارة العربية الإسلامية والرّموز الحضارية تعاملاً في غالبه تشويهي وكانت القراءات التأويليّة مسكونة بهاجس الحطّ من قيمة التاريخ العربي الإسلامي وتشويه الحقائق وإدخال الشكّ في عقل وكيان كلّ عربي مسلم ، وقد حاول إداورد سعيد في كتابه ( الاستشراق ) أن يبحث في حقيقة الاستشراق وأسبابه ومنطلقاته فوظّف المنهج البنيوي التفكيكي ليحفر في بنى الأقوال والأفكار، وفي كتابه( التغطية على الإسلام)، ومن خلال هذين الكتابين استطاع إداورد سعيد أن يكشف محاولات وجهود الاستشراق لإخفاء واحتقار وإهمال جوانب الإسلام المشرقة والمضيئة، وتغطيتها بحقائق مزيّفة ضعيفة مضمونها الخلط والحقد وظاهرها التّقيد بمنهج البحث العلمي.ولعلّ الحاصل لنا من كلّ ذلك هو ما نتّفق فيه مع هذا الباحث :أنّ الاستشراق هو سياسة ومعرفة لها منهج محدّد صنعه جمهور مثقفي الغرب (الفلاسفة والمؤرّخون واللغويون ورجال المال ورجال السياسة ورجال الدّين والإعلاميون ورجال الاقتصاد ..)، وهو مشروع للسيطرة على الشرق بكلّ الوسائل ، ولذلك يعتبر الاستشراق أنّ ثقافته لها القدرة والحقّ المطلق في الهيمنة على المجتمعات وتنميطها. ولا نستغرب ذلك إذا عدنا إلى السِيَرْ الذاتية لكثير من المستشرقين فإنّنا نجدهم مجنّدين وخرّيجي جامعات استخدمتهم دولهم برتبة عسكرية أو رتبة مدنية: مراقب، أو مقيم عام ، بغرض جمع الأخبار والمخطوطات – مثلا العدد الهائل من المخطوطات والكتب التي جمعتها المدرسة الاستشراقية الفرنسية ، وأنشأت مؤسسات المعهد الوطني لدراسة الشرق خصوصا مع بداية تهلهل الإمبراطورية العثمانية - بغرض دراسة الشرق ورصد تحرّكات العلماء والسياسيين وحركة الثقافة والمعرفة وتحديد الثروات الطبيعية، وجمع المعلومات بغرض دراسة أنتروبولجية للقبائل واللّغة واللهجات والفنون والميولات والعادات والتقاليد، وتأسيس التأثير على الحياة السياسية والثقافية في المجتمعات وإثارة الشكّ في المنجزات العلمية كالكتب والمخطوطات .
*أعمال المستشرقين ، مشروع علمي أم مسعى هيمنة وتحريف وتشويه:
اشتهرت أعمال استشراقية مثل كتاب (تاريخ القرآن) للألماني تيودور نولدكه، وحاول به زعزعة ربّانية القرآن ونزع القدسية عنه وإنزاله إلى الصّنع البشري، تبدّى ذلك في أسلوبه ومنهجه المتأثّرين بميولات و مصالح وأهواء فكره و ثقافته الغربيين ، ونشير إلى كارل بروكلمان الذي اهتمّ بالأدب العربي، وألّف الكتب التالية:( تاريخ الأدب العربي 1898، نحو السريانية وآدابها 1899، المعجم السرياني 1928،النحو العربي 1941)، ولويس ماسينيون( مستشرق فرنسي، ومستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال إفريقيا والراعي الروحي للجماعات التبشيرية الفرنسية في مصر)،الشغوف بالتّصوف و بشخصية الحسين بن منصور الحلاّج ومن كتبه: (آلام الحلاّج ، مصطلحات الصوفية، أخبار الحلاّج) وترجم طواسين الحلاّج إلى اللغة الفرنسية.
*باحث في الحضارة
بقلم: صلاح بوزيّان*
*لقد كان تعامل الاستشراق مع الحضارة العربية الإسلامية والرّموز الحضارية تعاملاً في غالبه تشويهي وكانت القراءات التأويليّة مسكونة بهاجس الحطّ من قيمة التاريخ العربي الإسلامي
فاتحة القول:
يسلّط هذا المقال الضوء على علاقة المستشرقين بالثقافة العربية الإسلامية . ويحاول رصد أسباب هذه العلاقة ومنتجاتها ويركّز على أمثلة تبيّن المنهج الموظّف والغاية المقصودة في هذه العلاقات القديمة الجديدة بحلل مختلفة . كيف ينظر المستشرقون إلى الثقافة العربية الإسلامية والتراث والكتب والمخطوطات والمرويات والتاريخ ؟ كيف صوّر المستشرقون التراث والشخصيات العربية الإسلامية ؟ وهل يُعدّ مشروع الاستغراب حلاًّ وردًّا على ما أنتجه الاستشراق بمختلف مدارسه ؟ هل كان البُعد العلمي هو الغالب على دراساتهم و بحوثهم أم أنّهم تقيّدوا بمنهج يظهر خلاف ما يبطن ؟لقد كانت جهود المستشرقين واسعة ومساعيهم حثيثة لدراسة وثائق وكتب العرب والإحاطة بمضامينها ومحاولة فهم بُنى هذه الحضارة التي انبثق عنها هذا المنتوج الفكري ، ولا ننكر بعض الجهود المعتدلة لبعض المستشرقين تعلّقت بتوظيب وترتيب وترجمة جزء مهمّ من هذه المصادر، إلاّ أنّ الغالب على هذه الجهود الإساءة إلى الفكر العربي الإسلامي، وفهمه ورسم صورة له وفق منهج علمي تشكيكي ، فقد عانى الإسلام و النّبي محمّد من هجومات المتطرفين من فريق المستشرقين، وفي تقديرنا أنّ الغرب استفاد من جهود المستشرقين واستعمل دراساتهم ليحدّد المنافذ التي سيدخل منها إلى تلك البلدان ويستعمرها ، وقد استعملت فرنسا جهد المستشرقين عند دخولها الجزائر و تونس وبلدان إفريقية ، كما اعتمدت إيطاليا على تقارير المستشرقين في غزو ليبيا، وكذلك الانجليز لاحتلال مصر وبلدان عربية أخرى ، وكذلك استخدمت أمريكا الدراسات الاستشراقية والأنتروبولوجية لتسهّل لنفسها غزو العراق ، فأين نجد الدّافع العلمي في هذه الأعمال إذا كانت الدراسات تمضي إلى إدارات الجند والعساكر الهدف منها الاستعمار واستنزاف ثروات شعوب العالم ؟ هل يشتغل الاستشراق داخل أروقة مراكز البحث العلمي وفي أروقة المراكز الثقافية ؟ كيف يمكن للاستشراق الآن أن يجمع بين المنحى العلمي والغرض الجيوسياسي للتمدّد والهيمنة ؟ أليس الاستشراق سجين أطماع الساسة الغربيين والمبشرين المسيحيين في البلدان والشعوب الفقيرة ؟ هل سلمت المؤسسات البنكية العالمية والمنظمات الدولية من زوابع وتوابع الاستشراق ؟ هل نجح الاستشراق في تنشئة مستشرقين عرب داخل أسوار جامعات عربية حذقوا مناهج البحث العلمي وبرعوا في ممارسة التشكيك والتأويل والتفكيك أكثر من أصحابها ؟
*نزعة الهيمنة وسياسة الاستشراق، جهود إدوار سعيد :
لا تخفى النزعة العنصرية للقوى المهيمنة على العالم وإن تخفّت بمقولات الديموقراطية والتقدّم العلمي والتكنولوجي ،لقد كان تعامل الاستشراق مع الحضارة العربية الإسلامية والرّموز الحضارية تعاملاً في غالبه تشويهي وكانت القراءات التأويليّة مسكونة بهاجس الحطّ من قيمة التاريخ العربي الإسلامي وتشويه الحقائق وإدخال الشكّ في عقل وكيان كلّ عربي مسلم ، وقد حاول إداورد سعيد في كتابه ( الاستشراق ) أن يبحث في حقيقة الاستشراق وأسبابه ومنطلقاته فوظّف المنهج البنيوي التفكيكي ليحفر في بنى الأقوال والأفكار، وفي كتابه( التغطية على الإسلام)، ومن خلال هذين الكتابين استطاع إداورد سعيد أن يكشف محاولات وجهود الاستشراق لإخفاء واحتقار وإهمال جوانب الإسلام المشرقة والمضيئة، وتغطيتها بحقائق مزيّفة ضعيفة مضمونها الخلط والحقد وظاهرها التّقيد بمنهج البحث العلمي.ولعلّ الحاصل لنا من كلّ ذلك هو ما نتّفق فيه مع هذا الباحث :أنّ الاستشراق هو سياسة ومعرفة لها منهج محدّد صنعه جمهور مثقفي الغرب (الفلاسفة والمؤرّخون واللغويون ورجال المال ورجال السياسة ورجال الدّين والإعلاميون ورجال الاقتصاد ..)، وهو مشروع للسيطرة على الشرق بكلّ الوسائل ، ولذلك يعتبر الاستشراق أنّ ثقافته لها القدرة والحقّ المطلق في الهيمنة على المجتمعات وتنميطها. ولا نستغرب ذلك إذا عدنا إلى السِيَرْ الذاتية لكثير من المستشرقين فإنّنا نجدهم مجنّدين وخرّيجي جامعات استخدمتهم دولهم برتبة عسكرية أو رتبة مدنية: مراقب، أو مقيم عام ، بغرض جمع الأخبار والمخطوطات – مثلا العدد الهائل من المخطوطات والكتب التي جمعتها المدرسة الاستشراقية الفرنسية ، وأنشأت مؤسسات المعهد الوطني لدراسة الشرق خصوصا مع بداية تهلهل الإمبراطورية العثمانية - بغرض دراسة الشرق ورصد تحرّكات العلماء والسياسيين وحركة الثقافة والمعرفة وتحديد الثروات الطبيعية، وجمع المعلومات بغرض دراسة أنتروبولجية للقبائل واللّغة واللهجات والفنون والميولات والعادات والتقاليد، وتأسيس التأثير على الحياة السياسية والثقافية في المجتمعات وإثارة الشكّ في المنجزات العلمية كالكتب والمخطوطات .
*أعمال المستشرقين ، مشروع علمي أم مسعى هيمنة وتحريف وتشويه:
اشتهرت أعمال استشراقية مثل كتاب (تاريخ القرآن) للألماني تيودور نولدكه، وحاول به زعزعة ربّانية القرآن ونزع القدسية عنه وإنزاله إلى الصّنع البشري، تبدّى ذلك في أسلوبه ومنهجه المتأثّرين بميولات و مصالح وأهواء فكره و ثقافته الغربيين ، ونشير إلى كارل بروكلمان الذي اهتمّ بالأدب العربي، وألّف الكتب التالية:( تاريخ الأدب العربي 1898، نحو السريانية وآدابها 1899، المعجم السرياني 1928،النحو العربي 1941)، ولويس ماسينيون( مستشرق فرنسي، ومستشار وزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال إفريقيا والراعي الروحي للجماعات التبشيرية الفرنسية في مصر)،الشغوف بالتّصوف و بشخصية الحسين بن منصور الحلاّج ومن كتبه: (آلام الحلاّج ، مصطلحات الصوفية، أخبار الحلاّج) وترجم طواسين الحلاّج إلى اللغة الفرنسية.