تواجه الحكومة التونسية الجديدة، بقيادة أحمد الحشاني، العديد من التحديات الاقتصادية، التي تتمثل في معالجة أزمة الدين العام، وأزمة السيولة، ونقص السلع الأساسية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع التصنيف الائتماني، بالإضافة الى إصلاح المؤسسات العمومية وإعادة هيكلتها، الى جانب وضع خطة عاجلة لحماية الأمن الغذائي للتونسيين وسط التطورات العالمية المتسارعة، والتي تتميز بالركود الاقتصادي وتراجع معدلات النمو.
وتمثل معالحة أزمة الدين العام، ابرز الملفات الحارقة للحكومة الجديدة، خصوصا وان الديون في تونس بلغت حوالي 80٪ من حجم الناتج المحلي الإجمالي، مما يجعلها من أعلى الدول المديونة في العالم، كما تعاني تونس من أزمة سيولة حادة، مما يصعب عليها سداد ديونها وتمويل مشاريعها، تزامنا من نقص حاد في السلع الأساسية، مثل الخبز والغاز والكهرباء.
وارتفاع معدلات التضخم إلى أكثر من 10٪، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتراجع التصنيف الائتماني إلى مستوى غير مرغوب فيه، مما يجعل من الصعب على تونس الحصول على قروض من المؤسسات المالية الدولية.
هذه التحديات الاقتصادية تضع الحكومة التونسية الجديدة في موقف صعب، حيث عليها إيجاد حلول سريعة وفعالة لمعالجة هذه الأزمات، وإلا فإنها ستؤدي إلى مزيد من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في البلاد.
من بين الحلول التي يمكن للحكومة التونسية الجديدة اتخاذها للتعامل مع هذه الأزمات الاقتصادية، تخفيض النفقات الحكومية ، ويمكن للحكومة التونسية الجديدة تخفيض النفقات الحكومية من خلال تقليص الإعانات الحكومية، وتحسين الكفاءة الإدارية، وزيادة الإيرادات الحكومية من خلال تحسين التحصيل الضريبي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وإصلاح النظام المصرفي من خلال تعزيز السيولة المصرفية، ودعم البنوك التجارية، وتحسين الرقابة على البنوك، ودعم الإنتاج المحلي من خلال تقديم إعانات للشركات المحلية، وخفض الرسوم الجمركية على السلع والخدمات المحلية، وتحسين البنية التحتية.
كما يمكن للحكومة التونسية الجديدة تحسين إدارة الموارد الطبيعية من خلال استغلالها بشكل مستدام، ومنع الفساد، وحماية البيئة.، علما وان هذه الحلول ليست سهلة، ولكنها ضرورية للنهوض بالاقتصاد التونسي ومعالجة الأزمات الاقتصادية التي تواجه البلاد.
الحد من عجز الميزانية
وتعاني تونس من عجز كبير في الميزانية منذ سنوات، حيث بلغ العجز في عام 2022 حوالي 7.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ويرجع هذا العجز إلى عدة عوامل، منها ارتفاع الإنفاق الحكومي، وانخفاض الإيرادات الضريبية، وتراجع النمو الاقتصادي، كما يعاني الاقتصاد التونسي من ارتفاع الدين العام، حيث بلغ الدين في عام 2022 حوالي 93٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ويشكل هذا الدين عبئًا كبيرًا على الاقتصاد التونسي، حيث يجب على الحكومة سداد فوائد الدين كل عام.
كما تعاني تونس من مشكلة البطالة، حيث يبلغ معدل البطالة حوالي 18٪. ويرجع هذا إلى عدة عوامل، منها ضعف النمو الاقتصادي، وقلة الاستثمارات، وزيادة عدد السكان.
كما يعاني الاقتصاد التونسي من ارتفاع معدل التضخم، حيث بلغ معدل التضخم في عام 2022 حوالي 8٪. وارتفع الى مستويات غير مطمئنة في الأشهر الأخيرة ليتجاوز حاجز 10% ويتراجع في الفترة القليلة الماضية الى حدود 9.2% ، ويرجع هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، منها ارتفاع أسعار الطاقة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ويرى عدد من خبراء الاقتصاد الذين قدموا لـ"الصباح" جملة من المعطيات الآنية للخروج من الأزمة الحالية، أنه يجب على الحكومة البحث عن حلول لعودة إنتاج الفسفاط بنسق طبيعي باعتباره قادر على توفير موارد هامة من العملة الصعبة، بالإضافة إلى ضرورة حل الإشكالات المتعلقة بشركات البيئة المضربة عن العمل، بالإضافة الى سن قوانين جديدة محفزة يتم تضمينها في قانون المالية لسنة 2024 بهدف دفع الاقتصاد خلال السنة القادمة ومواجهة التحديات وخلاص الديون، والشروع في الإصلاحات الاقتصادية وخاصة الجانب التشريعي وإصلاح ملف الأعمال وفتح الاقتصاد والمنافسة وإصلاح الإدارة وحوكمة المؤسسات العمومية.
ملفات حارقة
كما يؤكد العديد من الخبراء أن حكومة الحشاني أمام العشرات من الملفات الاقتصادية الحارقة وليس ملف واحد، تتعلق بالأساس بالبحث عن مصادر جديدة لدفع الاستثمار ومعالجة الوضعية المالية البالية، فضلا عن وضعية المؤسسات العمومية المفلسة، بالإضافة الى التداين المشط للدولة التونسية والذي بلغ مستويات قياسية خاصة هذه السنة ".
وكل هذه المؤشرات تستدعي مقاربة شاملة وتشخيص كل ملف عن كثب وإدخال إصلاحات هيكلية واتخاذ إجراءات فورية تتناسب مع طبيعة كل أزمة، علما وأن عملية الإصلاح ستكون شاقة وطويلة الأمد وهي بحاجة لمتابعة مستمرة ودقيقة.
ويحذر جزء واسع من خبراء الاقتصاد، من أي تباطؤ في عملية الإصلاح، مؤكدين انه بقدر ما كانت المعالجة سريعة، كانت النتائج أفضل، وهذه المرحلة تستدعي من الحكومة القادمة تكثيف عمليات التشخيص لكافة الملفات الاقتصادية، والعمل على معالجتها وفق مخطط اقتصادي واضح.
تكوين لجان مختصة
ويجمع أغلب الخبراء على ضرورة تكوين لجنة من المختصين في المجال الاقتصادي والمالي قصد وضع برنامج إنقاذ الاقتصاد الوطني وإنعاشه مع تشريك خبراء اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف والأحزاب السياسية، والعمل على إعادة الثقة للمستثمرين ورجال الأعمال.
وحسب خبراء الاقتصاد فإن تونس لم تعد لها القدرة على التوجه للسوق الخارجية للاقتراض بسبب بلوغ التداين الحكومي مستويات قياسية بلغت 82 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي من بينها 60 في المائة ديون خارجية.
وأمام حجم ديون تونس الداخلية والخارجية، والذي يبعث على القلق، خاصة وان هذه الوضعية تفرض التعويل مستقبلا على الإمكانيات الذاتية للدولة لخلق الثروة وتأجيل جزء من الالتزامات المالية المتعلقة بالأجور، بالإضافة الى العمل على إنعاش القطاع السياحي وإعادته الى الواجهة بالنظر الى أهميته الكبيرة في الرفع من احتياطي تونس من النقد الأجنبي.
إنعاش السياحة والفسفاط
كما أن معضلة الفسفاط والتي تسببت في خسائر خيالية للدولة التونسية خلال السنوات الأخيرة وناهزت 6.7 مليار دولار، وفق ما صرح به محافظ البنك المركزي مروان العباسي مؤخرا ، تستدعي وفق الخبراء معالجة الملف بوتيرة متسارعة وعلى الدولة أن تنزل بثقلها لإعادة عمليات الإنتاج الى سالف نشاطها، وتوفير موارد مالية إضافية للدولة قبل نهاية سنة 2023، وهذا الملف هو الأخطر على الإطلاق ويستدعي من حكومة الحشاني القادمة التعامل معه بكل حزم، فالمسألة تتعلق بمصالح المجموعة الوطنية ولا تهاون في هذه المسألة.
ويحذر العديد من المتابعين للشأن الاقتصادي، من سنة 2023، والتي ستكون صعبة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وهناك إمكانية أن تزيد هذه الأزمة في عدد العاطلين عن العمل الى 160 ألف عاطل جديد، كما أن الانكماش الاقتصادي في أوروبا سيكون له تداعيات سلبية على المؤسسات المصدرة.
وإجمالا يجمع الخبراء أن الاقتصاد التونسي ليس في حالة جيدة، ولديه مجموعة من التحديات الرئيسية التي يحتاج إلى مواجهتها، فارتفاع معدلات البطالة وعدم تلبية مطالب العدالة الاجتماعية وتزايد الفساد والمسار غير المستدام للاقتصاد الكلي، كلها عوامل تهدد المكاسب التي حققتها تونس طيلة عقود .
كما يؤكد بعض الخبراء الذين استطلعت "الصباح" آراؤهم أن لتونس كافة المكونات اللازمة لتطوير اقتصاد قادر على النمو بشكل صحي، كما فعلت النمور الآسيوية من قبل، وقربها من أسواق الاتحاد الأوروبي يجعلها إحدى الوجهات المفضلة لبعض المستثمرين خلال الفترة المقبلة.
توصيات البنك الدولي
أشار البنك الدولي في تقريره الى التوجهات الاقتصادية العامة في تونس وقدم في هذا السياق جملة من التوصيات على غرار احتواء حجم كتلة الأجور الأمر الذي سيمكن من إعادة هيكلة المالية العمومية، وتوفير الاستثمار العمومي عن طريق تحويل المساعدات الاجتماعية المقدمة في شكل إعانات إلى تحويلات مباشرة تستهدف مستحقيها ومعالجة المخاطر الضريبية المتأتية من الشركات العمومية .
كما دعا التقرير الى تعزيز الشراكة بين القطاع العام والخاص وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية لدعم القطاع الخاص من خلال تسهيل إجراءات الحصول على التراخيص والتمويلات، مشيرا الى وجود بعض العراقيل التي أبطأت النمو الاقتصادي خلال السنوات الماضية كضعف أداء المؤسسات العمومية وارتفاع كتلة الأجور، وتراجع إنتاجية القطاع الخاص خلال السبع سنوات الماضية، والتي أصبحت أقل ابتكارًا وأقل توجهًا للتصدير وأقل إنتاجية.
وحذر البنك الدولي في تقريره الأخير من تواصل ارتفاع الدين العام في تونس والذي ارتفع من 72.2% من إجمالي الناتج المحلي عام 2019 إلى 86.6% من إجمالي الناتج المحلي عام 2020، وهو مستوى أعلى بكثير من المعيار القياسي لعبء الديون البالغ 70% من إجمالي الناتج المحلي، ومن اجل احتواء هذا التراجع الاقتصادي ولمجابهة أثار المديونية قدم البنك الدولي مقترحات لمساعدة الشركات الجديدة على دخول السوق وأكد في هذا السياق انه ومن بين الإجراءات الملحة التي على الحكومة التونسية تنفيذها هي معالجة الاختناقات الهيكلية التي تساهم في تعقيد وصول الشركات إلى التمويل، ومعالجة التدهور الكبير في أداء المصالح الديوانية و تطوير رؤية واضحة لسياسات الابتكار من أجل دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
ولمح تقرير البنك الى نقص فادح في الإجراءات الحكومية في ظل تدهور الخدمات العامة ، مبرزا أن الحكومة الحالية لم تحدد بعد إستراتيجية واضحة حول كيفية معالجتها للتحديات الاقتصادية والمالية العميقة للسنة الحالية.
ولم تتمكن الحكومة التونسية بعد من إعداد خطة لتنشيط الاقتصاد، رغم الوعود بالعودة نسب نمو إيجابية خلال السنة الحالية، عقب الانكماش غير المسبوق الذي شهده الاقتصاد منذ السنوات الأخيرة بسبب تداعيات جائحة كوفيد-19 ، وحسب مشروع القانون الذي طرحته الحكومة، مؤخرا في إطار سعيها لتنشيط الاقتصاد وتخفيف العبء الضريبي على المؤسسات ودفع الاستثمار، فإنها ارتأت أيضا دمج الاقتصاد الموازي بالمنظم عبر آليات مازالت غامضة، ودفعت بالخبراء الى التحذير من هذه الخطوة في صيغتها المقترحة، حيث يرى جل الخبراء إن مشروع قانون تنشيط الاقتصاد لم يقدم أي حلول لإنعاش القطاعات الاقتصادية، بل يعكس سياسات الدولة في البحث عن موارد مالية جديدة لتمويل العجز في ميزانية الدولة وتمويل ميزانية العام المقبل، من دون معالجة مدروسة وشفافة لضعف النمو الاقتصادي.
إعادة محركات الإنتاج
ودعا عدد من رجال الأعمال الذين التقت بهم "الصباح"، مؤخرا، خلال ملتقى اقتصادي، إلى ضرورة إيجاد حلول واقعية للمؤسسات التي تعاني صعوبات كبيرة جراء تبعات كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، مشددين على أن الرفع من القدرة الإنتاجية للبلاد هو مفتاح إعادة تنشيط الاقتصاد في البلاد وخلق فرص عمل لامتصاص البطالة المتفاقمة، منتقدين في الآن ذاته سياسة الضغط الضريبي التي اعتمدتها الحكومات السابقة والتي طالت القطاعات الاقتصادية ذات التشغيلية العالية، وساهم ذلك في أزمة خانقة لآلاف المؤسسات المتوسطة والصغرى.
ورغم حاجة تونس إلى التمويلات لردم فجوة بأكثر من 20 مليار دينار، وتعبئة الموارد المالية الضرورية لميزانية العام المقبل، فإن حكومة الحشاني الحالية لم تكشف عن أي خطة اقتصادية بعد، في حين يطالب جل الخبراء بضرورة العمل مستقبلا على إعادة محركات الإنتاج بنسق سريع لقطاعي الطاقة والفسفاط والخروج الى الأسواق المالية العالمية مبكرا ، لتفادي أزمة مالية كبيرة خلال 2024، مؤكدين أن حاجة تونس للسنوات الثلاث القادمة تصل الى أكثر من 25 مليار دينار لإعادة نشاط الاقتصاد الى سالف عهده والعودة بنسب النمو الى مستويات مطمئنة.
سفيان المهداوي
تونس- الصباح
تواجه الحكومة التونسية الجديدة، بقيادة أحمد الحشاني، العديد من التحديات الاقتصادية، التي تتمثل في معالجة أزمة الدين العام، وأزمة السيولة، ونقص السلع الأساسية، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع التصنيف الائتماني، بالإضافة الى إصلاح المؤسسات العمومية وإعادة هيكلتها، الى جانب وضع خطة عاجلة لحماية الأمن الغذائي للتونسيين وسط التطورات العالمية المتسارعة، والتي تتميز بالركود الاقتصادي وتراجع معدلات النمو.
وتمثل معالحة أزمة الدين العام، ابرز الملفات الحارقة للحكومة الجديدة، خصوصا وان الديون في تونس بلغت حوالي 80٪ من حجم الناتج المحلي الإجمالي، مما يجعلها من أعلى الدول المديونة في العالم، كما تعاني تونس من أزمة سيولة حادة، مما يصعب عليها سداد ديونها وتمويل مشاريعها، تزامنا من نقص حاد في السلع الأساسية، مثل الخبز والغاز والكهرباء.
وارتفاع معدلات التضخم إلى أكثر من 10٪، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتراجع التصنيف الائتماني إلى مستوى غير مرغوب فيه، مما يجعل من الصعب على تونس الحصول على قروض من المؤسسات المالية الدولية.
هذه التحديات الاقتصادية تضع الحكومة التونسية الجديدة في موقف صعب، حيث عليها إيجاد حلول سريعة وفعالة لمعالجة هذه الأزمات، وإلا فإنها ستؤدي إلى مزيد من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية في البلاد.
من بين الحلول التي يمكن للحكومة التونسية الجديدة اتخاذها للتعامل مع هذه الأزمات الاقتصادية، تخفيض النفقات الحكومية ، ويمكن للحكومة التونسية الجديدة تخفيض النفقات الحكومية من خلال تقليص الإعانات الحكومية، وتحسين الكفاءة الإدارية، وزيادة الإيرادات الحكومية من خلال تحسين التحصيل الضريبي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وإصلاح النظام المصرفي من خلال تعزيز السيولة المصرفية، ودعم البنوك التجارية، وتحسين الرقابة على البنوك، ودعم الإنتاج المحلي من خلال تقديم إعانات للشركات المحلية، وخفض الرسوم الجمركية على السلع والخدمات المحلية، وتحسين البنية التحتية.
كما يمكن للحكومة التونسية الجديدة تحسين إدارة الموارد الطبيعية من خلال استغلالها بشكل مستدام، ومنع الفساد، وحماية البيئة.، علما وان هذه الحلول ليست سهلة، ولكنها ضرورية للنهوض بالاقتصاد التونسي ومعالجة الأزمات الاقتصادية التي تواجه البلاد.
الحد من عجز الميزانية
وتعاني تونس من عجز كبير في الميزانية منذ سنوات، حيث بلغ العجز في عام 2022 حوالي 7.1٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ويرجع هذا العجز إلى عدة عوامل، منها ارتفاع الإنفاق الحكومي، وانخفاض الإيرادات الضريبية، وتراجع النمو الاقتصادي، كما يعاني الاقتصاد التونسي من ارتفاع الدين العام، حيث بلغ الدين في عام 2022 حوالي 93٪ من الناتج المحلي الإجمالي. ويشكل هذا الدين عبئًا كبيرًا على الاقتصاد التونسي، حيث يجب على الحكومة سداد فوائد الدين كل عام.
كما تعاني تونس من مشكلة البطالة، حيث يبلغ معدل البطالة حوالي 18٪. ويرجع هذا إلى عدة عوامل، منها ضعف النمو الاقتصادي، وقلة الاستثمارات، وزيادة عدد السكان.
كما يعاني الاقتصاد التونسي من ارتفاع معدل التضخم، حيث بلغ معدل التضخم في عام 2022 حوالي 8٪. وارتفع الى مستويات غير مطمئنة في الأشهر الأخيرة ليتجاوز حاجز 10% ويتراجع في الفترة القليلة الماضية الى حدود 9.2% ، ويرجع هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، منها ارتفاع أسعار الطاقة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
ويرى عدد من خبراء الاقتصاد الذين قدموا لـ"الصباح" جملة من المعطيات الآنية للخروج من الأزمة الحالية، أنه يجب على الحكومة البحث عن حلول لعودة إنتاج الفسفاط بنسق طبيعي باعتباره قادر على توفير موارد هامة من العملة الصعبة، بالإضافة إلى ضرورة حل الإشكالات المتعلقة بشركات البيئة المضربة عن العمل، بالإضافة الى سن قوانين جديدة محفزة يتم تضمينها في قانون المالية لسنة 2024 بهدف دفع الاقتصاد خلال السنة القادمة ومواجهة التحديات وخلاص الديون، والشروع في الإصلاحات الاقتصادية وخاصة الجانب التشريعي وإصلاح ملف الأعمال وفتح الاقتصاد والمنافسة وإصلاح الإدارة وحوكمة المؤسسات العمومية.
ملفات حارقة
كما يؤكد العديد من الخبراء أن حكومة الحشاني أمام العشرات من الملفات الاقتصادية الحارقة وليس ملف واحد، تتعلق بالأساس بالبحث عن مصادر جديدة لدفع الاستثمار ومعالجة الوضعية المالية البالية، فضلا عن وضعية المؤسسات العمومية المفلسة، بالإضافة الى التداين المشط للدولة التونسية والذي بلغ مستويات قياسية خاصة هذه السنة ".
وكل هذه المؤشرات تستدعي مقاربة شاملة وتشخيص كل ملف عن كثب وإدخال إصلاحات هيكلية واتخاذ إجراءات فورية تتناسب مع طبيعة كل أزمة، علما وأن عملية الإصلاح ستكون شاقة وطويلة الأمد وهي بحاجة لمتابعة مستمرة ودقيقة.
ويحذر جزء واسع من خبراء الاقتصاد، من أي تباطؤ في عملية الإصلاح، مؤكدين انه بقدر ما كانت المعالجة سريعة، كانت النتائج أفضل، وهذه المرحلة تستدعي من الحكومة القادمة تكثيف عمليات التشخيص لكافة الملفات الاقتصادية، والعمل على معالجتها وفق مخطط اقتصادي واضح.
تكوين لجان مختصة
ويجمع أغلب الخبراء على ضرورة تكوين لجنة من المختصين في المجال الاقتصادي والمالي قصد وضع برنامج إنقاذ الاقتصاد الوطني وإنعاشه مع تشريك خبراء اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف والأحزاب السياسية، والعمل على إعادة الثقة للمستثمرين ورجال الأعمال.
وحسب خبراء الاقتصاد فإن تونس لم تعد لها القدرة على التوجه للسوق الخارجية للاقتراض بسبب بلوغ التداين الحكومي مستويات قياسية بلغت 82 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي من بينها 60 في المائة ديون خارجية.
وأمام حجم ديون تونس الداخلية والخارجية، والذي يبعث على القلق، خاصة وان هذه الوضعية تفرض التعويل مستقبلا على الإمكانيات الذاتية للدولة لخلق الثروة وتأجيل جزء من الالتزامات المالية المتعلقة بالأجور، بالإضافة الى العمل على إنعاش القطاع السياحي وإعادته الى الواجهة بالنظر الى أهميته الكبيرة في الرفع من احتياطي تونس من النقد الأجنبي.
إنعاش السياحة والفسفاط
كما أن معضلة الفسفاط والتي تسببت في خسائر خيالية للدولة التونسية خلال السنوات الأخيرة وناهزت 6.7 مليار دولار، وفق ما صرح به محافظ البنك المركزي مروان العباسي مؤخرا ، تستدعي وفق الخبراء معالجة الملف بوتيرة متسارعة وعلى الدولة أن تنزل بثقلها لإعادة عمليات الإنتاج الى سالف نشاطها، وتوفير موارد مالية إضافية للدولة قبل نهاية سنة 2023، وهذا الملف هو الأخطر على الإطلاق ويستدعي من حكومة الحشاني القادمة التعامل معه بكل حزم، فالمسألة تتعلق بمصالح المجموعة الوطنية ولا تهاون في هذه المسألة.
ويحذر العديد من المتابعين للشأن الاقتصادي، من سنة 2023، والتي ستكون صعبة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وهناك إمكانية أن تزيد هذه الأزمة في عدد العاطلين عن العمل الى 160 ألف عاطل جديد، كما أن الانكماش الاقتصادي في أوروبا سيكون له تداعيات سلبية على المؤسسات المصدرة.
وإجمالا يجمع الخبراء أن الاقتصاد التونسي ليس في حالة جيدة، ولديه مجموعة من التحديات الرئيسية التي يحتاج إلى مواجهتها، فارتفاع معدلات البطالة وعدم تلبية مطالب العدالة الاجتماعية وتزايد الفساد والمسار غير المستدام للاقتصاد الكلي، كلها عوامل تهدد المكاسب التي حققتها تونس طيلة عقود .
كما يؤكد بعض الخبراء الذين استطلعت "الصباح" آراؤهم أن لتونس كافة المكونات اللازمة لتطوير اقتصاد قادر على النمو بشكل صحي، كما فعلت النمور الآسيوية من قبل، وقربها من أسواق الاتحاد الأوروبي يجعلها إحدى الوجهات المفضلة لبعض المستثمرين خلال الفترة المقبلة.
توصيات البنك الدولي
أشار البنك الدولي في تقريره الى التوجهات الاقتصادية العامة في تونس وقدم في هذا السياق جملة من التوصيات على غرار احتواء حجم كتلة الأجور الأمر الذي سيمكن من إعادة هيكلة المالية العمومية، وتوفير الاستثمار العمومي عن طريق تحويل المساعدات الاجتماعية المقدمة في شكل إعانات إلى تحويلات مباشرة تستهدف مستحقيها ومعالجة المخاطر الضريبية المتأتية من الشركات العمومية .
كما دعا التقرير الى تعزيز الشراكة بين القطاع العام والخاص وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية لدعم القطاع الخاص من خلال تسهيل إجراءات الحصول على التراخيص والتمويلات، مشيرا الى وجود بعض العراقيل التي أبطأت النمو الاقتصادي خلال السنوات الماضية كضعف أداء المؤسسات العمومية وارتفاع كتلة الأجور، وتراجع إنتاجية القطاع الخاص خلال السبع سنوات الماضية، والتي أصبحت أقل ابتكارًا وأقل توجهًا للتصدير وأقل إنتاجية.
وحذر البنك الدولي في تقريره الأخير من تواصل ارتفاع الدين العام في تونس والذي ارتفع من 72.2% من إجمالي الناتج المحلي عام 2019 إلى 86.6% من إجمالي الناتج المحلي عام 2020، وهو مستوى أعلى بكثير من المعيار القياسي لعبء الديون البالغ 70% من إجمالي الناتج المحلي، ومن اجل احتواء هذا التراجع الاقتصادي ولمجابهة أثار المديونية قدم البنك الدولي مقترحات لمساعدة الشركات الجديدة على دخول السوق وأكد في هذا السياق انه ومن بين الإجراءات الملحة التي على الحكومة التونسية تنفيذها هي معالجة الاختناقات الهيكلية التي تساهم في تعقيد وصول الشركات إلى التمويل، ومعالجة التدهور الكبير في أداء المصالح الديوانية و تطوير رؤية واضحة لسياسات الابتكار من أجل دعم القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
ولمح تقرير البنك الى نقص فادح في الإجراءات الحكومية في ظل تدهور الخدمات العامة ، مبرزا أن الحكومة الحالية لم تحدد بعد إستراتيجية واضحة حول كيفية معالجتها للتحديات الاقتصادية والمالية العميقة للسنة الحالية.
ولم تتمكن الحكومة التونسية بعد من إعداد خطة لتنشيط الاقتصاد، رغم الوعود بالعودة نسب نمو إيجابية خلال السنة الحالية، عقب الانكماش غير المسبوق الذي شهده الاقتصاد منذ السنوات الأخيرة بسبب تداعيات جائحة كوفيد-19 ، وحسب مشروع القانون الذي طرحته الحكومة، مؤخرا في إطار سعيها لتنشيط الاقتصاد وتخفيف العبء الضريبي على المؤسسات ودفع الاستثمار، فإنها ارتأت أيضا دمج الاقتصاد الموازي بالمنظم عبر آليات مازالت غامضة، ودفعت بالخبراء الى التحذير من هذه الخطوة في صيغتها المقترحة، حيث يرى جل الخبراء إن مشروع قانون تنشيط الاقتصاد لم يقدم أي حلول لإنعاش القطاعات الاقتصادية، بل يعكس سياسات الدولة في البحث عن موارد مالية جديدة لتمويل العجز في ميزانية الدولة وتمويل ميزانية العام المقبل، من دون معالجة مدروسة وشفافة لضعف النمو الاقتصادي.
إعادة محركات الإنتاج
ودعا عدد من رجال الأعمال الذين التقت بهم "الصباح"، مؤخرا، خلال ملتقى اقتصادي، إلى ضرورة إيجاد حلول واقعية للمؤسسات التي تعاني صعوبات كبيرة جراء تبعات كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، مشددين على أن الرفع من القدرة الإنتاجية للبلاد هو مفتاح إعادة تنشيط الاقتصاد في البلاد وخلق فرص عمل لامتصاص البطالة المتفاقمة، منتقدين في الآن ذاته سياسة الضغط الضريبي التي اعتمدتها الحكومات السابقة والتي طالت القطاعات الاقتصادية ذات التشغيلية العالية، وساهم ذلك في أزمة خانقة لآلاف المؤسسات المتوسطة والصغرى.
ورغم حاجة تونس إلى التمويلات لردم فجوة بأكثر من 20 مليار دينار، وتعبئة الموارد المالية الضرورية لميزانية العام المقبل، فإن حكومة الحشاني الحالية لم تكشف عن أي خطة اقتصادية بعد، في حين يطالب جل الخبراء بضرورة العمل مستقبلا على إعادة محركات الإنتاج بنسق سريع لقطاعي الطاقة والفسفاط والخروج الى الأسواق المالية العالمية مبكرا ، لتفادي أزمة مالية كبيرة خلال 2024، مؤكدين أن حاجة تونس للسنوات الثلاث القادمة تصل الى أكثر من 25 مليار دينار لإعادة نشاط الاقتصاد الى سالف عهده والعودة بنسب النمو الى مستويات مطمئنة.