وبعد اجتماعات متعددة لتحضير مسودة القانون الأساسي للجمعية تم انتخاب هيئة تأسيسية للمشروع برئاسة محمد علي الحامي لتتولى تركيز المشروع حسب أسسه القانونية وفي نفس الوقت تشرع في عقد الاجتماعات بالعمال لمزيد توعيتهم بفوائد المشروع وأهدافه وسرعان ما آمنوا بجدواه وتحمسوا لإنجاحه في مختلف القطاعات وخاصة عمال رصيف الحاضرة الذين سرعان ما تغلغل في نفوسهم الوعي الاقتصادي والاجتماعي وبعبارة أشمل الوطني بما بثه فيهم محمد علي من شجاعة وثبات وإيمان بالمستقبل الأفضل وبذلك سجل التاريخ الوطني لمحمد علي في تلك الفترة الصعبة والدقيقة صفحات المجد والخلود الأولى من تاريخه النضالي الوطني الناصع. بيد أن الأوضاع الاجتماعية في البلاد سرعان ما تدهورت وآلت إلى الغضب العمالي الشديد وأصبح الانفجار وشيكا لما اجتاحت البلاد موجة من الإضرابات والأحداث الاجتماعية خاصة بميناء العاصمة اهتز لها الكيان الاستعماري البغيض أيما اهتزاز وأقضت مضاجع أقطابه الذين صاروا وكأنما أصابهم مس من الجنون أفقدهم رشدهم وأعمى بصائرهم وانطلقت صحافتهم تندر بالثبور وعظائم الأمور وتمطر العمال التونسيين بماضي سهامها لما شاهدته هذه المرة من دقة في التنظيم وإجماع الكلمة وفي تجاوب الشعب معهم خاصة بعد استنجادهم بمحمد علي الذي سارع بتلبية النداء وكون لجنة ترأسها بنفسه تضيم الدكتور احمد بن ميلاد واحمد توفيق المدني عضو اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري والمختار العياري عضو الحزب الشيوعي وهو جد الصحفي المذيع عادل يوسف وبعض العملة ممن لهم معرفة بالشؤون الاجتماعية وإشعاع بين زملائهم لجمع التبرعات المادية لعائلات العمال المضربين حتى يتمكنوا من مواصلة الإضراب وتم انتخاب البشير بودمغة يساعده البشير الفالح للإشراف على تسيير حركة الإضراب.
وبعد كر وفر تواصل الإضراب وفي الإثناء أتصل العمال بمختلف الدوائر الاستعمارية من السفارة الفرنسية الى إدارة الأمن علهم يجدون من يساعدهم على حل مشاكلهم ولما وجدوا كل الأبواب موصدة أمامهم التجأوا في آخر الأمر يوم 3 ديسمبر 1924 الى الباي محمد الحبيب بقصره بضاحية قرطاج لرفع شكواهم إليه عله يساعدهم على حل مشاكلهم بيد أنه لم يحاول حتى استقبالهم والتعرف على مشاكلهم وخرج اليهم عوضا عن الباي وزيره الأكبر مصطفى دنقزلي ليسألهم عن سبب مجيئهم لمقابلة الباي، وبعد نقاش حاد أجابهم حسبما جاء في كتاب (العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية) لطاهر الحداد صفحة 72 (ان الحضرة العلية تقول للكل إنها متأثرة من هذه الحادثة وقد بلغها التشويش الذي أوقعتموه بباب الجديد مع الورقلية وبالقلالين. وتريدكم الرجوع الآن الى الشغل وستضع يدها في النازلة وبعد مناقشات بين العمال والوزير قال له محمود الخياري رئيس الوفد: يا حضرة الوزير اننا لم نأت الى الباب ليكون عضدا للشركات الاستعمارية في جبرنا على الخدمة وقد دخلنا كل مكاتب الحكومة تقريبا.. ولكن لم نلق منهم معاضدة حقيقية فإنهم ما استطاعوا ان يجبرونا على العودة الى الشغل فان قوانين العالم اليوم قررت حرية الشغل مثلما قررت حرية الاعتصام لمن يريد ذلك وليس قصدنا ان يضع الباي يده وانما أتينا إليه بصفته الممثل الأعلى لحكومة البلاد.. الخ ورجع اللاجئون للحضرة العلية مستائين أشد الاستياء مما سمعوا وبقي الوزير واقفا مكانه وكان شديد الغضب مما سمعه.
واهتمت الصحافة الوطنية على اختلاف اتجاهاتها بهذه الحالة وكان قد سبق لبعضها ان دعت العمال الى رص صفوفهم وتوحيد كلمتهم والإسراع ببعث النقابات تأسيا بما وقع في قلعة المعمرين الأجانب والاسرائليين مدينة ماطر لما أسس العمال في مستهل عام 1924 أول نقابة وطنية كانت تعمل في البداية بطريقة سرية ولما نما عددها واشتد ساعدها أصبحت تعمل بصفة علنية، ولم تكثف بالقيام بواجبها النقابي في الدفاع عن منظوريها بل نراها تولي عناية فائقة للنهوض بهم اجتماعيا وأخلاقيا فكانت تعمل على الحد من تفشي شرب الخمر وتعاطي لعب الميسر وقد نوه ممثل الحزب الحر الدستوري بماطر المناضل الصادق حمودة ميهوب بنشاط هذه النقابة وحزمها وشجاعتها في مجابهة ظلم المعمرين وتهديد كل من عامل (والي) المكان ورئيس الشرطة الفرنسية اللذان زجا بعدد من العمال في غياهب السجون.
هذا ونوهت جريدة (الصواب) في العدد الصادر يوم 29 أوت 1924 بنشاط هذه النقابة وتفاني أعضائها في خدمة رفاقهم فقالت (لقد تنبه عمال ماطر بما أوتوا من الذكاء وصفاء القريحة إلى تأسيس نقابة كانت الوحيدة في هذا الباب فأفادتهم فوائد جمة من جراء التضامن وضم العناصر على تأييد المصلحة المشتركة كما كان لها التأثير والنفع الاعم في الرجوع الى سنن الإسلام ومبادئه الفاضلة وتختم هذه الجريدة مقالها بما يلي: إذن فالسعي الى إيجاد النقابات وتأليفها على أمتن الأسس له منفعة مزدوجة وفائدة أكمل وأشمل فعلى التونسيين أن يتبنوا هذه الآراء ويعلموا بها.
وكانت هذه الجريدة قد سبق لها أن قالت في عددها الصادر يوم 21 جوان 1924 (نرجو من بقية العمال في مختلف أنحاء المملكة أن ينسجوا على هذا المنوال ويقتدوا بإخوانهم في ماطر حتى تحفظ حقوقهم وتصان مجهوداتهم من عبث العابثين.(يتبع)
مربي متقاعد
بقلم: البشير الشريف
وبعد اجتماعات متعددة لتحضير مسودة القانون الأساسي للجمعية تم انتخاب هيئة تأسيسية للمشروع برئاسة محمد علي الحامي لتتولى تركيز المشروع حسب أسسه القانونية وفي نفس الوقت تشرع في عقد الاجتماعات بالعمال لمزيد توعيتهم بفوائد المشروع وأهدافه وسرعان ما آمنوا بجدواه وتحمسوا لإنجاحه في مختلف القطاعات وخاصة عمال رصيف الحاضرة الذين سرعان ما تغلغل في نفوسهم الوعي الاقتصادي والاجتماعي وبعبارة أشمل الوطني بما بثه فيهم محمد علي من شجاعة وثبات وإيمان بالمستقبل الأفضل وبذلك سجل التاريخ الوطني لمحمد علي في تلك الفترة الصعبة والدقيقة صفحات المجد والخلود الأولى من تاريخه النضالي الوطني الناصع. بيد أن الأوضاع الاجتماعية في البلاد سرعان ما تدهورت وآلت إلى الغضب العمالي الشديد وأصبح الانفجار وشيكا لما اجتاحت البلاد موجة من الإضرابات والأحداث الاجتماعية خاصة بميناء العاصمة اهتز لها الكيان الاستعماري البغيض أيما اهتزاز وأقضت مضاجع أقطابه الذين صاروا وكأنما أصابهم مس من الجنون أفقدهم رشدهم وأعمى بصائرهم وانطلقت صحافتهم تندر بالثبور وعظائم الأمور وتمطر العمال التونسيين بماضي سهامها لما شاهدته هذه المرة من دقة في التنظيم وإجماع الكلمة وفي تجاوب الشعب معهم خاصة بعد استنجادهم بمحمد علي الذي سارع بتلبية النداء وكون لجنة ترأسها بنفسه تضيم الدكتور احمد بن ميلاد واحمد توفيق المدني عضو اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستوري والمختار العياري عضو الحزب الشيوعي وهو جد الصحفي المذيع عادل يوسف وبعض العملة ممن لهم معرفة بالشؤون الاجتماعية وإشعاع بين زملائهم لجمع التبرعات المادية لعائلات العمال المضربين حتى يتمكنوا من مواصلة الإضراب وتم انتخاب البشير بودمغة يساعده البشير الفالح للإشراف على تسيير حركة الإضراب.
وبعد كر وفر تواصل الإضراب وفي الإثناء أتصل العمال بمختلف الدوائر الاستعمارية من السفارة الفرنسية الى إدارة الأمن علهم يجدون من يساعدهم على حل مشاكلهم ولما وجدوا كل الأبواب موصدة أمامهم التجأوا في آخر الأمر يوم 3 ديسمبر 1924 الى الباي محمد الحبيب بقصره بضاحية قرطاج لرفع شكواهم إليه عله يساعدهم على حل مشاكلهم بيد أنه لم يحاول حتى استقبالهم والتعرف على مشاكلهم وخرج اليهم عوضا عن الباي وزيره الأكبر مصطفى دنقزلي ليسألهم عن سبب مجيئهم لمقابلة الباي، وبعد نقاش حاد أجابهم حسبما جاء في كتاب (العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية) لطاهر الحداد صفحة 72 (ان الحضرة العلية تقول للكل إنها متأثرة من هذه الحادثة وقد بلغها التشويش الذي أوقعتموه بباب الجديد مع الورقلية وبالقلالين. وتريدكم الرجوع الآن الى الشغل وستضع يدها في النازلة وبعد مناقشات بين العمال والوزير قال له محمود الخياري رئيس الوفد: يا حضرة الوزير اننا لم نأت الى الباب ليكون عضدا للشركات الاستعمارية في جبرنا على الخدمة وقد دخلنا كل مكاتب الحكومة تقريبا.. ولكن لم نلق منهم معاضدة حقيقية فإنهم ما استطاعوا ان يجبرونا على العودة الى الشغل فان قوانين العالم اليوم قررت حرية الشغل مثلما قررت حرية الاعتصام لمن يريد ذلك وليس قصدنا ان يضع الباي يده وانما أتينا إليه بصفته الممثل الأعلى لحكومة البلاد.. الخ ورجع اللاجئون للحضرة العلية مستائين أشد الاستياء مما سمعوا وبقي الوزير واقفا مكانه وكان شديد الغضب مما سمعه.
واهتمت الصحافة الوطنية على اختلاف اتجاهاتها بهذه الحالة وكان قد سبق لبعضها ان دعت العمال الى رص صفوفهم وتوحيد كلمتهم والإسراع ببعث النقابات تأسيا بما وقع في قلعة المعمرين الأجانب والاسرائليين مدينة ماطر لما أسس العمال في مستهل عام 1924 أول نقابة وطنية كانت تعمل في البداية بطريقة سرية ولما نما عددها واشتد ساعدها أصبحت تعمل بصفة علنية، ولم تكثف بالقيام بواجبها النقابي في الدفاع عن منظوريها بل نراها تولي عناية فائقة للنهوض بهم اجتماعيا وأخلاقيا فكانت تعمل على الحد من تفشي شرب الخمر وتعاطي لعب الميسر وقد نوه ممثل الحزب الحر الدستوري بماطر المناضل الصادق حمودة ميهوب بنشاط هذه النقابة وحزمها وشجاعتها في مجابهة ظلم المعمرين وتهديد كل من عامل (والي) المكان ورئيس الشرطة الفرنسية اللذان زجا بعدد من العمال في غياهب السجون.
هذا ونوهت جريدة (الصواب) في العدد الصادر يوم 29 أوت 1924 بنشاط هذه النقابة وتفاني أعضائها في خدمة رفاقهم فقالت (لقد تنبه عمال ماطر بما أوتوا من الذكاء وصفاء القريحة إلى تأسيس نقابة كانت الوحيدة في هذا الباب فأفادتهم فوائد جمة من جراء التضامن وضم العناصر على تأييد المصلحة المشتركة كما كان لها التأثير والنفع الاعم في الرجوع الى سنن الإسلام ومبادئه الفاضلة وتختم هذه الجريدة مقالها بما يلي: إذن فالسعي الى إيجاد النقابات وتأليفها على أمتن الأسس له منفعة مزدوجة وفائدة أكمل وأشمل فعلى التونسيين أن يتبنوا هذه الآراء ويعلموا بها.
وكانت هذه الجريدة قد سبق لها أن قالت في عددها الصادر يوم 21 جوان 1924 (نرجو من بقية العمال في مختلف أنحاء المملكة أن ينسجوا على هذا المنوال ويقتدوا بإخوانهم في ماطر حتى تحفظ حقوقهم وتصان مجهوداتهم من عبث العابثين.(يتبع)