إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في الذكرى الثانية لرحيله .. أحمد المستيري الزعيم الوطني وأب الديمقراطية!

 

بقلم د.مصطفى بن جعفر

رئيس المجلس التأسيسي السابق

أحد مؤسسي حركة الديمقراطيين الاشتراكيين

سيذكر التاريخ يوم الثالث والعشرين من ماي 2021، يوم شيّع جثمان الفقيد الأستاذ أحمد المستيري إلى مثواه الأخير في مقبرة سيدي عبد العزيز بالمرسى في موكب خاشع، إنّ واجب الإنصاف لما أنجزه في خدمة الوطن والاعتراف بالجميل لما تركه من مراجع للعائلة الديمقراطية يمليان علينا أن نذكّر بأهمّ المحطّات في مسيرة أحمد المستيري، هذا الزعيم الذي سخّر حياته للقضيّة الوطنيّة في أعمق وأنبل عناصرها ابتداء من معركة التحرّر من الاستعمار ثمّ رفض الحكم الفرديّ والتسلّط ثمّ النّضال من أجل الحريّات الجماعيّة والفرديّة والسعي لإرساء الديمقراطيّة التعدديّة. 

منذ سنة 1948، انخرط الفقيد في مهنة المحاماة ودافع عن المناضلين الوطنيين أمام المحاكم المدنية والعسكرية الفرنسية، وتدرج في المسؤوليات صلب الحزب الحر الدستوري الجديد حتّى أصبح عضو جامعة تونس عام 1950 وعضوا في القيادة السرية عام 1952 إثر محاولة فاشلة لاغتياله من طرف "اليد الحمراء" التي اغتالت الزعيم فرحات حشاد.

في أوت 1954، وعلى إثر الخطاب الذي أعلن فيه منداس فرانس استعداد فرنسا للتفاوض حول الحكم الذاتي، أصبح الفقيد مديرا لديوان المنجي سليم وزير الداخلية في حكومة الطاهر بن عمار وكان من المساهمين في المفاوضات، كما كان حاضرا في 3 جوان 1955 يوم وقّع الطاهر بن عمار على اتفاقيات الحكم الذاتي. 

تقدم الفقيد لانتخابات المجلس القومي التأسيسي عن دائرة تونس، وكان مع أحمد بن صالح من أصغر النواب سنا، وفي 14 افريل 1956 عيّن في أول حكومة شكّلها الحبيب بورڤيبة بعد الاستقلال على رأس كتابة الدولة (أي وزارة) العدل، حيث ساهم في تونسة الجهاز القضائي، وفي تحرير القوانين الجديدة وفي مقدمتها مجلّة الأحوال الشخصية التي كانت إنجازا تاريخيا ومنطلقا لثورة مجتمعية وضعت تونس في الصفوف الأولى لبلدان العالم العربي الإسلامي وبلدان إفريقيا. الجميع يعلم ما للزعيم الحبيب بورقيبة من فضل وجرأة وتحمّس للمشروع، ولكن باستثناء بعض المؤرخين والأخصائيين قلّما يقع التذكير بالدور الأساسي الذي لعبه أحمد المستيري في وضع المجلة وإدارة الجدل الذي أثارته وتكوين اللجان التي صاغتها وتشريك أفضل ما كان لتونس من قامات في علوم الدين والفقه والقانون(السادة محمد بن سلامة والشيخ محمد القروي ومحمود العنابي، وهم قضاة سامون وقع إلحاقهم بديوان أحمد المستيري فشرعوا في تحرير النصوص، بالتعاون مع الشيخ الفاضل بن عاشور، وقد كان على اتصال مستمر بوالده، المصلح الكبير الذائع الصيت، الشيخ الطاهر بن عاشور والشيخ عبد العزيز جعيط). لقد كان الفقيد بمثابة قائد فرقة موسيقية يوزع الأدوار ويسهر على تحقيق الانسجام بين العازفين.

وبعد فترة وجيزة، وعند طرح النزاع مع فرنسا إثر قصف ساقية سيدي يوسف في 8 فيفري 1958، وقع تعيينه ممثلا لتونس في مجلس الأمن للأمم المتحدة فكان العضد الكفء للسفير المنجي سليم والمشاكس اللاذع لسفير فرنسا فكانت النتيجة ذلك الانتصار المدوي للديبلوماسية التونسية في مواجهة إحدى الدول الخمس الوازنة في العالم.

في 10 ديسمبر 1958، أسندت إليه حقيبة المالية والتجارة، وكان من أولوياته إبرام سلسلة من الاتفاقيات مع فرنسا، والدفاع عن استقلال العملة الوطنية الجديدة لا سيما عبر الخروج نهائيا عن منطقة الفرنك.

في عام 1960 انطلقت رحلته الدبلوماسية حيث كان أول سفير تونسي عيّن في موسكو لدى الاتحاد السوفياتي ثم في القاهرة لدى الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، ثم أول سفير لتونس في الجزائر عام 1962، وفي 24 جوان 1966، عاد إلى تونس ليتولى وزارة الدفاع تاركا في كل هذه المحطات بصمات لن تمحى.

وبحكم مزاولتي للدراسة خارج الوطن، كنت أعرف سي أحمد بالسماع وأتابع مواقفه الجريئة واستقالته المدوية سنة 1968 ولم أتعرف عليه عن قرب إلاّ سنة 1971 إثر عودته إلى الحزب كمقرر في "اللجنة العليا للحزب" التي عوضت المكتب السياسي ووقع بعثها في إطار سياسة الانفتاح المعلنة، وخلال انعقاد مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري بمدينة المنستير، علما وأنه وبعد سنة وبضعة أشهر من تعيينه في جوان 1971 وزيرا للداخلية، وقعت إقالته عندما عبّر عن امتعاضه ورفض تعويض مدير الأمن الوطني وتعيين ولاة جدد دون علمه في عملية تؤشر لعدم وفاء الرئيس الحبيب بورقيبة بوعوده بشأن تحقيق الانفتاح السياسي.

لم يمنعه ذلك من مواصلة النشاط دفاعا عن الديمقراطية التي تبلورت خلال النقاشات التي تواصلت لأشهر في فترة الإعداد للمؤتمر. وجاءت لوائح المؤتمر لتؤكد رسوخ النفس الديمقراطي عبر اعتماد آلية الانتخاب كقاعدة للولوج إلى المسؤوليات صلب هياكل الحزب تمهيدا لبناء المنظومة السياسية على أسس التعددية. وقد نالت هذه التوجهات دعم أغلبية المؤتمرين من كل الجهات.

على إثر هذا المؤتمر وما حصل من التفاف على قراراته ومن إجراءات تعسفية ضد الفقيد، تمّ طرده من الحزب صحبة جمع من رفاقه ممن عرفوا فيما بعد بالتيار التحرري، ثم طرد من مجلس النواب بعد تحوير وضع خصيصا على مقاسه في القانون الانتخابي (الفصل 109 الشهير الذي كان احمد بن صالح ضحيته الأولى)، لم يمنعه ذلك من مواصلة النضال على رأس المجموعة التي كانت وراء بعث صحيفة الرأي بإدارة حسيب بن عمار وتأسيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان برئاسة سعد الدين الزمرلي وما أثارته من تحفظات وتشكيك لا من طرف السلطة الحاكمة فحسب بل من شق واسع من تيار اليسار أيضا.

كانت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي أسسها أحمد المستيري في 10 جوان 1978 وتولى أمانتها العامة، محطة كرست التصدع الذي قسم مجموعة التيار التحرري حيث رفض البعض الانخراط في المشروع قبل أن يعود أغلبهم إلى الحزب الاشتراكي الدستوري، كما كان تأسيس الحركة تحديا مليئا بالأخطار بضعة أشهر فقط بعد الاصطدام الدموي بين النظام والاتحاد العام التونسي للشغل في 26 جانفي 1978. وقد أصدرت الحركة لمدة سنوات جريدة "المستقبل" وL’Avenir "".

شاركت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين في انتخابات 1981وكانت أول انتخابات تعددية وفرصة مهدورة في تاريخ تونس حيث أفضى التزييف الفاضح للنتائج إلى برلمان أحادي اللون، وقد كشف أكثر من مسؤول فيما بعد أن تلك الانتخابات وقع تزويرها تزويرا فاضحا حرم مرشحي الحركة مما حققوه من انتصار في عديد الجهات والتواجد صلب البرلمان وحرم تونس -وهو الأهم والأخطر-مما كان من المفروض أن يكون أول تجربة تعددية ديمقراطية.

 في أفريل 1986، وقع اعتقال أحمد المستيري وسجنه ثم أخضع للإقامة الجبرية باعتباره زعيم المعارضة والقائد الأساسي للمظاهرة التي خرجت في شارع الحبيب بورقيبة منددة بالعدوان الأمريكي على ليبيا. وقد أكد الحدث، وقوف الفقيد إلى جانب الأشقاء وانحيازه لقضايا السلم والحريات مفندا ما كان يروجه الخصوم حول انحيازه للغرب. لقد دفع اعتقال الزعيم إلى مقاطعة انتخابات 1986 من طرف حركة الديمقراطيين الاشتراكيين رغم تردد بعض قيادييها.

إثر تحول 7 نوفمبر 1987 تشبثت الحركة بالمطالبة بانتخابات عامة من أجل التأكد من صدق النوايا المعلنة ورفضت الانخراط في مناورات التسويف عبر تنظيم انتخابات جزئية كما انفردت برفض "القائمة المشتركة" وهي آخر مناورة حاولت السلطة أن تفرغ بها مبدأ التعددية وفرض ديمقراطية الديكور.

وجاءت انتخابات 1989 لتؤكد أن خطاب 7 نوفمبر لم يكن سوى مجرد خدعة حيث تكررت أساليب التزييف، أي البرلمان الأحادي اللون. 

نتائج الانتخابات وخاصة ظروف الإعداد لها وإجرائها دفعت الفقيد إلى التخلّي طوعا عن الأمانة العامة لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، في رسالة مشفرة بسحب الثقة من الرئيس بن علي وسياسته التي تواصلت في وضع ديكور ديمقراطي انخرط فيه العديد من رفاق الدرب في مقدمتهم الدالي الجازي ومحمد مواعدة، مما دفع أحمد المستيري إلى وضع حد لكل نشاط حزبي.

سال حبر كثير حول موقفه من الاتجاه الإسلامي ثم من حركة النهضة، في حين أن مواقفه منسجمة مع تصوّره لـ"مجتمع المواطنة" المبني على احترام الحريات وحقوق الإنسان بمعناها الكوني ككلّ لا يتجزأ ودولة القانون والمؤسسات التي تتصرف مع مواطنيها دون تمييز أو إقصاء.

ولكم أكد الفقيد بالتكرار المملّ أنه "لا يحقّ لأيّ حزب أن ينطق باسم الإسلام أو يحتكره في دولة مدنيّة"، فالخلط بين الدين والسياسة يلحق الضرر بالاثنين. ومن هذا المنطلق قد عبر بعد الثورة عن تخوفه تجاه التحركات التي كان الهدف منها تغيير الهوية الوطنية الحديثة للشعب التونسي.

لقد كان الزعيم أحمد المستيري بلا منازع أب الديمقراطية ورائدها في تونس كما شكل مساره ومبادئه مدرسة سياسية قدمت إضافة نوعية، وأحدثت تغييرا سياسيا في تاريخ الدولة الوطنية بعد الاستقلال. وعلى الرغم مما حصل من انقسام في صفوف أنصار المستيري ورواد التيار "الديمقراطي الاشتراكي" في عهدي بورقيبة وبن علي ثم بعد ثورة 2011 فقد كان لهذا التيار تأثير قوي في تطور الخطاب السياسي وما شهده المشهد السياسي من تحولات خلال الخمسين سنة الماضية.

وكأنّ ثورة 17 ديسمبر 2010 -14 جانفي 2011 جاءت لتكريس المبادئ التي استمات طوال مسيرته في الدفاع عنها وهي الحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية، فكان من الطبيعي أن يساندها وأن يعترض على الحكومات التي تشكّلت مباشرة بعد انسحاب بن علي حيث اعتبرها التفافا على الثورة. ولكم كانت عديدة هي الحواجز التي أقيمت أمامه وحالت دون مساهمته الفعلية في دفع الانتقال الديمقراطي سواء مباشرة بعد الثورة أوفي صائفة 2013 خلال مداولات الحوار الوطني العصيبة.

ستحفظ الذّاكرة الوطنيّة مسيرة مناضل من الحجم الثقيل، اقتحم فضاء السياسة من بابه الكبير من مقاومة الاستعمار إلى بناء الدولة الحديثة إلى استشراف حتميّة التغيير الديمقراطيّ، فكان مقاوما صلبا ورجل دولة مقتدرا وزعيما سياسيّا رائدا وأبا للديمقراطيّة في تونس على مدى ستّة عقود. وكان حيثما مرّ وتحمل المسؤولية رجل الإصلاحات الجذرية التي تركت في تاريخ تونس بصمات لن تنمحي.

في الذكرى الثانية لرحيله .. أحمد المستيري الزعيم الوطني وأب الديمقراطية!

 

بقلم د.مصطفى بن جعفر

رئيس المجلس التأسيسي السابق

أحد مؤسسي حركة الديمقراطيين الاشتراكيين

سيذكر التاريخ يوم الثالث والعشرين من ماي 2021، يوم شيّع جثمان الفقيد الأستاذ أحمد المستيري إلى مثواه الأخير في مقبرة سيدي عبد العزيز بالمرسى في موكب خاشع، إنّ واجب الإنصاف لما أنجزه في خدمة الوطن والاعتراف بالجميل لما تركه من مراجع للعائلة الديمقراطية يمليان علينا أن نذكّر بأهمّ المحطّات في مسيرة أحمد المستيري، هذا الزعيم الذي سخّر حياته للقضيّة الوطنيّة في أعمق وأنبل عناصرها ابتداء من معركة التحرّر من الاستعمار ثمّ رفض الحكم الفرديّ والتسلّط ثمّ النّضال من أجل الحريّات الجماعيّة والفرديّة والسعي لإرساء الديمقراطيّة التعدديّة. 

منذ سنة 1948، انخرط الفقيد في مهنة المحاماة ودافع عن المناضلين الوطنيين أمام المحاكم المدنية والعسكرية الفرنسية، وتدرج في المسؤوليات صلب الحزب الحر الدستوري الجديد حتّى أصبح عضو جامعة تونس عام 1950 وعضوا في القيادة السرية عام 1952 إثر محاولة فاشلة لاغتياله من طرف "اليد الحمراء" التي اغتالت الزعيم فرحات حشاد.

في أوت 1954، وعلى إثر الخطاب الذي أعلن فيه منداس فرانس استعداد فرنسا للتفاوض حول الحكم الذاتي، أصبح الفقيد مديرا لديوان المنجي سليم وزير الداخلية في حكومة الطاهر بن عمار وكان من المساهمين في المفاوضات، كما كان حاضرا في 3 جوان 1955 يوم وقّع الطاهر بن عمار على اتفاقيات الحكم الذاتي. 

تقدم الفقيد لانتخابات المجلس القومي التأسيسي عن دائرة تونس، وكان مع أحمد بن صالح من أصغر النواب سنا، وفي 14 افريل 1956 عيّن في أول حكومة شكّلها الحبيب بورڤيبة بعد الاستقلال على رأس كتابة الدولة (أي وزارة) العدل، حيث ساهم في تونسة الجهاز القضائي، وفي تحرير القوانين الجديدة وفي مقدمتها مجلّة الأحوال الشخصية التي كانت إنجازا تاريخيا ومنطلقا لثورة مجتمعية وضعت تونس في الصفوف الأولى لبلدان العالم العربي الإسلامي وبلدان إفريقيا. الجميع يعلم ما للزعيم الحبيب بورقيبة من فضل وجرأة وتحمّس للمشروع، ولكن باستثناء بعض المؤرخين والأخصائيين قلّما يقع التذكير بالدور الأساسي الذي لعبه أحمد المستيري في وضع المجلة وإدارة الجدل الذي أثارته وتكوين اللجان التي صاغتها وتشريك أفضل ما كان لتونس من قامات في علوم الدين والفقه والقانون(السادة محمد بن سلامة والشيخ محمد القروي ومحمود العنابي، وهم قضاة سامون وقع إلحاقهم بديوان أحمد المستيري فشرعوا في تحرير النصوص، بالتعاون مع الشيخ الفاضل بن عاشور، وقد كان على اتصال مستمر بوالده، المصلح الكبير الذائع الصيت، الشيخ الطاهر بن عاشور والشيخ عبد العزيز جعيط). لقد كان الفقيد بمثابة قائد فرقة موسيقية يوزع الأدوار ويسهر على تحقيق الانسجام بين العازفين.

وبعد فترة وجيزة، وعند طرح النزاع مع فرنسا إثر قصف ساقية سيدي يوسف في 8 فيفري 1958، وقع تعيينه ممثلا لتونس في مجلس الأمن للأمم المتحدة فكان العضد الكفء للسفير المنجي سليم والمشاكس اللاذع لسفير فرنسا فكانت النتيجة ذلك الانتصار المدوي للديبلوماسية التونسية في مواجهة إحدى الدول الخمس الوازنة في العالم.

في 10 ديسمبر 1958، أسندت إليه حقيبة المالية والتجارة، وكان من أولوياته إبرام سلسلة من الاتفاقيات مع فرنسا، والدفاع عن استقلال العملة الوطنية الجديدة لا سيما عبر الخروج نهائيا عن منطقة الفرنك.

في عام 1960 انطلقت رحلته الدبلوماسية حيث كان أول سفير تونسي عيّن في موسكو لدى الاتحاد السوفياتي ثم في القاهرة لدى الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، ثم أول سفير لتونس في الجزائر عام 1962، وفي 24 جوان 1966، عاد إلى تونس ليتولى وزارة الدفاع تاركا في كل هذه المحطات بصمات لن تمحى.

وبحكم مزاولتي للدراسة خارج الوطن، كنت أعرف سي أحمد بالسماع وأتابع مواقفه الجريئة واستقالته المدوية سنة 1968 ولم أتعرف عليه عن قرب إلاّ سنة 1971 إثر عودته إلى الحزب كمقرر في "اللجنة العليا للحزب" التي عوضت المكتب السياسي ووقع بعثها في إطار سياسة الانفتاح المعلنة، وخلال انعقاد مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري بمدينة المنستير، علما وأنه وبعد سنة وبضعة أشهر من تعيينه في جوان 1971 وزيرا للداخلية، وقعت إقالته عندما عبّر عن امتعاضه ورفض تعويض مدير الأمن الوطني وتعيين ولاة جدد دون علمه في عملية تؤشر لعدم وفاء الرئيس الحبيب بورقيبة بوعوده بشأن تحقيق الانفتاح السياسي.

لم يمنعه ذلك من مواصلة النشاط دفاعا عن الديمقراطية التي تبلورت خلال النقاشات التي تواصلت لأشهر في فترة الإعداد للمؤتمر. وجاءت لوائح المؤتمر لتؤكد رسوخ النفس الديمقراطي عبر اعتماد آلية الانتخاب كقاعدة للولوج إلى المسؤوليات صلب هياكل الحزب تمهيدا لبناء المنظومة السياسية على أسس التعددية. وقد نالت هذه التوجهات دعم أغلبية المؤتمرين من كل الجهات.

على إثر هذا المؤتمر وما حصل من التفاف على قراراته ومن إجراءات تعسفية ضد الفقيد، تمّ طرده من الحزب صحبة جمع من رفاقه ممن عرفوا فيما بعد بالتيار التحرري، ثم طرد من مجلس النواب بعد تحوير وضع خصيصا على مقاسه في القانون الانتخابي (الفصل 109 الشهير الذي كان احمد بن صالح ضحيته الأولى)، لم يمنعه ذلك من مواصلة النضال على رأس المجموعة التي كانت وراء بعث صحيفة الرأي بإدارة حسيب بن عمار وتأسيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان برئاسة سعد الدين الزمرلي وما أثارته من تحفظات وتشكيك لا من طرف السلطة الحاكمة فحسب بل من شق واسع من تيار اليسار أيضا.

كانت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي أسسها أحمد المستيري في 10 جوان 1978 وتولى أمانتها العامة، محطة كرست التصدع الذي قسم مجموعة التيار التحرري حيث رفض البعض الانخراط في المشروع قبل أن يعود أغلبهم إلى الحزب الاشتراكي الدستوري، كما كان تأسيس الحركة تحديا مليئا بالأخطار بضعة أشهر فقط بعد الاصطدام الدموي بين النظام والاتحاد العام التونسي للشغل في 26 جانفي 1978. وقد أصدرت الحركة لمدة سنوات جريدة "المستقبل" وL’Avenir "".

شاركت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين في انتخابات 1981وكانت أول انتخابات تعددية وفرصة مهدورة في تاريخ تونس حيث أفضى التزييف الفاضح للنتائج إلى برلمان أحادي اللون، وقد كشف أكثر من مسؤول فيما بعد أن تلك الانتخابات وقع تزويرها تزويرا فاضحا حرم مرشحي الحركة مما حققوه من انتصار في عديد الجهات والتواجد صلب البرلمان وحرم تونس -وهو الأهم والأخطر-مما كان من المفروض أن يكون أول تجربة تعددية ديمقراطية.

 في أفريل 1986، وقع اعتقال أحمد المستيري وسجنه ثم أخضع للإقامة الجبرية باعتباره زعيم المعارضة والقائد الأساسي للمظاهرة التي خرجت في شارع الحبيب بورقيبة منددة بالعدوان الأمريكي على ليبيا. وقد أكد الحدث، وقوف الفقيد إلى جانب الأشقاء وانحيازه لقضايا السلم والحريات مفندا ما كان يروجه الخصوم حول انحيازه للغرب. لقد دفع اعتقال الزعيم إلى مقاطعة انتخابات 1986 من طرف حركة الديمقراطيين الاشتراكيين رغم تردد بعض قيادييها.

إثر تحول 7 نوفمبر 1987 تشبثت الحركة بالمطالبة بانتخابات عامة من أجل التأكد من صدق النوايا المعلنة ورفضت الانخراط في مناورات التسويف عبر تنظيم انتخابات جزئية كما انفردت برفض "القائمة المشتركة" وهي آخر مناورة حاولت السلطة أن تفرغ بها مبدأ التعددية وفرض ديمقراطية الديكور.

وجاءت انتخابات 1989 لتؤكد أن خطاب 7 نوفمبر لم يكن سوى مجرد خدعة حيث تكررت أساليب التزييف، أي البرلمان الأحادي اللون. 

نتائج الانتخابات وخاصة ظروف الإعداد لها وإجرائها دفعت الفقيد إلى التخلّي طوعا عن الأمانة العامة لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين، في رسالة مشفرة بسحب الثقة من الرئيس بن علي وسياسته التي تواصلت في وضع ديكور ديمقراطي انخرط فيه العديد من رفاق الدرب في مقدمتهم الدالي الجازي ومحمد مواعدة، مما دفع أحمد المستيري إلى وضع حد لكل نشاط حزبي.

سال حبر كثير حول موقفه من الاتجاه الإسلامي ثم من حركة النهضة، في حين أن مواقفه منسجمة مع تصوّره لـ"مجتمع المواطنة" المبني على احترام الحريات وحقوق الإنسان بمعناها الكوني ككلّ لا يتجزأ ودولة القانون والمؤسسات التي تتصرف مع مواطنيها دون تمييز أو إقصاء.

ولكم أكد الفقيد بالتكرار المملّ أنه "لا يحقّ لأيّ حزب أن ينطق باسم الإسلام أو يحتكره في دولة مدنيّة"، فالخلط بين الدين والسياسة يلحق الضرر بالاثنين. ومن هذا المنطلق قد عبر بعد الثورة عن تخوفه تجاه التحركات التي كان الهدف منها تغيير الهوية الوطنية الحديثة للشعب التونسي.

لقد كان الزعيم أحمد المستيري بلا منازع أب الديمقراطية ورائدها في تونس كما شكل مساره ومبادئه مدرسة سياسية قدمت إضافة نوعية، وأحدثت تغييرا سياسيا في تاريخ الدولة الوطنية بعد الاستقلال. وعلى الرغم مما حصل من انقسام في صفوف أنصار المستيري ورواد التيار "الديمقراطي الاشتراكي" في عهدي بورقيبة وبن علي ثم بعد ثورة 2011 فقد كان لهذا التيار تأثير قوي في تطور الخطاب السياسي وما شهده المشهد السياسي من تحولات خلال الخمسين سنة الماضية.

وكأنّ ثورة 17 ديسمبر 2010 -14 جانفي 2011 جاءت لتكريس المبادئ التي استمات طوال مسيرته في الدفاع عنها وهي الحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية، فكان من الطبيعي أن يساندها وأن يعترض على الحكومات التي تشكّلت مباشرة بعد انسحاب بن علي حيث اعتبرها التفافا على الثورة. ولكم كانت عديدة هي الحواجز التي أقيمت أمامه وحالت دون مساهمته الفعلية في دفع الانتقال الديمقراطي سواء مباشرة بعد الثورة أوفي صائفة 2013 خلال مداولات الحوار الوطني العصيبة.

ستحفظ الذّاكرة الوطنيّة مسيرة مناضل من الحجم الثقيل، اقتحم فضاء السياسة من بابه الكبير من مقاومة الاستعمار إلى بناء الدولة الحديثة إلى استشراف حتميّة التغيير الديمقراطيّ، فكان مقاوما صلبا ورجل دولة مقتدرا وزعيما سياسيّا رائدا وأبا للديمقراطيّة في تونس على مدى ستّة عقود. وكان حيثما مرّ وتحمل المسؤولية رجل الإصلاحات الجذرية التي تركت في تاريخ تونس بصمات لن تنمحي.