إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ممنوع من الحياد | رائحة الموت ...

 

رائحة الموت تزكم الأنوف منذ فترة ولكنها اليوم تفاقم خنق الأنفاس مع امتدادها بشكل كبير ومتسارع أكثر في أكثر من منطقة.. ورائحة الموت إذا عمت المكان فهي لا تفرق بين جثة ناصعة البياض وأخرى شديدة السواد ولا بين أصحاب العيون الزرق أو أصحاب الأعين السود ولا حتى بين الجثث المكتملة وتلك التي لم يبق منها الحوت شيئا.. رائحة الموت تنتشر في سواحلنا وكلما أخرج البحر مزيد الجثث والأشلاء على الشواطئ التونسية كلما كان ذلك مقدمة بأن هناك المزيد والأسباب كثيرة ومعلومة وأهمها العوامل المناخية وحلول موسم الصيف الذي يشجع تجار البشر وسماسرة الموت على مزيد الصفقات البشرية لنقل تلك الفئات من الشباب الحالم بالوصول الى الضفة الأخرى من المتوسط متوهما بأن الجنة هناك تنتظر أن يحل لتغدق عليه من ثمارها وخيراتها.. عشرات الجثث تم إخراجها خلال الأيام القليلة الماضية في صفاقس وحدها حتى أنه لم يكن بإمكان مستشفيات الجهة التي تفتقر للإمكانيات المطلوبة في مثل هذه الكوارث استيعابها في انتظار التعرف على أصحابها أو إكرامها ودفنها ولو بصفة متأخرة.. خفر السواحل يكابد ليلا نهارا لرصد الحراقة الذين احرقوا قلوب الأمهات دون أي مؤشرات عن إمكانية تطويق الظاهرة أو حتى الحد منها.. هناك جملة من الحقائق سيتعين على السياسيين في ضفتي المتوسط التعاطي معها، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحمل الأضعف العبء الأثقل والأخطر ظاهرة اشترك الجميع في صنعها وتطعيمها عبر العقود الماضية حتى نقول هي ظاهرة مرتبطة بخيارات دول الشمال وسياساتها ومصالحها الإستراتيجية، وأول وأهم تلك الملاحظات أن الظاهرة ستزداد على مدى هذا الموسم ولا يمكن القضاء عليها بسهولة.. ويكفي أن تستمع لتصريحات الشاب الذي تم إخراجه من الهلاك والعودة به الى اليابسة وهو يردد أنه سيكرر العملية مرة ومرة وإما أن يصل الى هدفه أو يموت.. وهذه فئة سكنها اليأس وفقدت الأمل في البلد الذي تنتمي إليه ولا ترى في حكامه ما يمكن أن يجعلها تعدل عن هذا القرار ولا أيضا ما يحفزها للبحث عن بدائل لها في الحياة.. أما الملاحظة التالية فتتعلق بتلك الحشود المتسللة الى سواحلنا من مختلف الدول الإفريقية متسلحة ببعض من الزاد لا يقيها البرد والجوع.. وقناعتنا أنه كلما اندلع صراع جديد في القارة الإفريقية أو ظهرت الى السطح أزمة جديدة في المنطقة المغاربية إلا وستكون مشفوعة بموجة جديدة من المهاجرين الهاربين من فظاعة وبشاعة الصراعات الدموية وتداعياتها على أمن وغذاء واستقرار الشعوب وهذا ما سيتعين الانتباه له مجددا مع دخول الحرب في السودان أسبوعها الثالث على التوالي.. ولن يكون مفاجئا أن يسارع عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من اللاجئين الى الهروب عبر مختلف الحدود التي تجمعها مع سبع دول إفريقية.. والأمر ينسحب على أي أزمة جديدة يمكن أن تندلع.. وسيظل هؤلاء المهاجرون من مختلف الجنسيات يكابدون للوصول الى تونس باعتبارها الأقرب الى أوروبا انطلاقا من السواحل الايطالية.. روما وبرئاسة لحكومة اليمينية المتطرفة استشعرت الأمر وهي تسعى جاهدة لقطع الطريق أمام هؤلاء مرة بالتلويح بالعصا والتهديد بمنع السفن المحملة بالمهاجرين غير الناميين من الوصول الى موانئها وأخرى بالتلويح بالجزرة والإغراءات ببعض المشاريع والاتفاقات لتنظيم الهجرة الانتقائية لأصحاب الاختصاصات والمهارات الوطنية.. بقية الدول الأوروبية تراهن على هذا التوجه وتدفع الى مواصلة ضغوطها على الحكومة التونسية وإغلاق المنافذ أمامها للحصول على الدعم المالي أو القروض المالية التي تحتاجها في هذه المرحلة.. في المقابل فإن مختلف الدول الأوروبية لم تتوقف عن استخدام كل الطرق الاستخباراتية والأمنية لتحصين حدودها والتأثير على دول الجنوب لتكون في دور الحارس الأمين لسواحلها وهي الى جانب كل ذلك لم تتوقف ومنذ سقوط جدار برلين قبل نحو ثلاثة عقود من إقامة عشرات الحواجز والتحصن خلف الأسوار التكنولوجية.. وظل المتوسط الذي تحول الى مقبرة للشباب مختبرا أيضا لكل أنواع التكنولوجيا الحديثة لصد المهاجرين.. وإذا كان لا احد بإمكانه أن يمنع هذه الدول من حماية حدودها ومجتمعاتها فانه لا شيء أيضا يفرض على دول العبور أن تتحول الى معقل أو محتشد أو ملجإ للمهاجرين وهو ما يعني أنه من حق كل طرف حماية مصالحه وتحصين حدوده.. وهو ما يعني بالضرورة أن يتحمل كل طرف مسؤوليته إزاء هذه الظاهرة دون إجحاف.. وهذا ما حدث خلال الحرب في سوريا ولم تراجع أغلب الدول الأوروبية موقفها من هذه المعضلة إلا بعد أن هددت تركيا بفتح الحدود أمام هؤلاء.. وهنا أهمية توفر ديبلوماسية مؤثرة وفاعلة تستشرف الأزمات وتعرف متى وكيف تتحرك لضمان مصالحها ..

وقد رأينا كيف عمدت دولة مثل بريطانيا الى إقرار قانون يقضي بترحيل مهاجرين إلى رواندا وكيف تمكنت رغم معارضة المجتمع المدني ورغم انتقادات المعارضة التي اعتبرته قرارا لا أخلاقيا ويتعارض مع القيم الإنسانية الى إقرار المحكمة العليا البريطانية الى أن الخطة لا تنتهك ميثاق الأمم المتحدة للاجئين أو قوانين حقوق الإنسان..

وفي انتظار ربما أن يكون هناك للكرامة والمواطنة عنوان معلوم في كل الأوطان سيستمر البحث عن مزيد القرابين لمحاربة الهجرة غير النظامية بكل الطرق المتاحة.. ولكن سيتعين أيضا الاعتراف بأن في فشل وغياب الفضاء المغاربي سيستمر الضياع وانعدام الفرص تماما كما أنه في فشل وغياب فضاء أورمتوسطي متكافئ ستستمر ضغوطات وهرسلة الغرب..

آسيا العتروس

 

 

 

 

ممنوع من الحياد |  رائحة الموت ...

 

رائحة الموت تزكم الأنوف منذ فترة ولكنها اليوم تفاقم خنق الأنفاس مع امتدادها بشكل كبير ومتسارع أكثر في أكثر من منطقة.. ورائحة الموت إذا عمت المكان فهي لا تفرق بين جثة ناصعة البياض وأخرى شديدة السواد ولا بين أصحاب العيون الزرق أو أصحاب الأعين السود ولا حتى بين الجثث المكتملة وتلك التي لم يبق منها الحوت شيئا.. رائحة الموت تنتشر في سواحلنا وكلما أخرج البحر مزيد الجثث والأشلاء على الشواطئ التونسية كلما كان ذلك مقدمة بأن هناك المزيد والأسباب كثيرة ومعلومة وأهمها العوامل المناخية وحلول موسم الصيف الذي يشجع تجار البشر وسماسرة الموت على مزيد الصفقات البشرية لنقل تلك الفئات من الشباب الحالم بالوصول الى الضفة الأخرى من المتوسط متوهما بأن الجنة هناك تنتظر أن يحل لتغدق عليه من ثمارها وخيراتها.. عشرات الجثث تم إخراجها خلال الأيام القليلة الماضية في صفاقس وحدها حتى أنه لم يكن بإمكان مستشفيات الجهة التي تفتقر للإمكانيات المطلوبة في مثل هذه الكوارث استيعابها في انتظار التعرف على أصحابها أو إكرامها ودفنها ولو بصفة متأخرة.. خفر السواحل يكابد ليلا نهارا لرصد الحراقة الذين احرقوا قلوب الأمهات دون أي مؤشرات عن إمكانية تطويق الظاهرة أو حتى الحد منها.. هناك جملة من الحقائق سيتعين على السياسيين في ضفتي المتوسط التعاطي معها، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتحمل الأضعف العبء الأثقل والأخطر ظاهرة اشترك الجميع في صنعها وتطعيمها عبر العقود الماضية حتى نقول هي ظاهرة مرتبطة بخيارات دول الشمال وسياساتها ومصالحها الإستراتيجية، وأول وأهم تلك الملاحظات أن الظاهرة ستزداد على مدى هذا الموسم ولا يمكن القضاء عليها بسهولة.. ويكفي أن تستمع لتصريحات الشاب الذي تم إخراجه من الهلاك والعودة به الى اليابسة وهو يردد أنه سيكرر العملية مرة ومرة وإما أن يصل الى هدفه أو يموت.. وهذه فئة سكنها اليأس وفقدت الأمل في البلد الذي تنتمي إليه ولا ترى في حكامه ما يمكن أن يجعلها تعدل عن هذا القرار ولا أيضا ما يحفزها للبحث عن بدائل لها في الحياة.. أما الملاحظة التالية فتتعلق بتلك الحشود المتسللة الى سواحلنا من مختلف الدول الإفريقية متسلحة ببعض من الزاد لا يقيها البرد والجوع.. وقناعتنا أنه كلما اندلع صراع جديد في القارة الإفريقية أو ظهرت الى السطح أزمة جديدة في المنطقة المغاربية إلا وستكون مشفوعة بموجة جديدة من المهاجرين الهاربين من فظاعة وبشاعة الصراعات الدموية وتداعياتها على أمن وغذاء واستقرار الشعوب وهذا ما سيتعين الانتباه له مجددا مع دخول الحرب في السودان أسبوعها الثالث على التوالي.. ولن يكون مفاجئا أن يسارع عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من اللاجئين الى الهروب عبر مختلف الحدود التي تجمعها مع سبع دول إفريقية.. والأمر ينسحب على أي أزمة جديدة يمكن أن تندلع.. وسيظل هؤلاء المهاجرون من مختلف الجنسيات يكابدون للوصول الى تونس باعتبارها الأقرب الى أوروبا انطلاقا من السواحل الايطالية.. روما وبرئاسة لحكومة اليمينية المتطرفة استشعرت الأمر وهي تسعى جاهدة لقطع الطريق أمام هؤلاء مرة بالتلويح بالعصا والتهديد بمنع السفن المحملة بالمهاجرين غير الناميين من الوصول الى موانئها وأخرى بالتلويح بالجزرة والإغراءات ببعض المشاريع والاتفاقات لتنظيم الهجرة الانتقائية لأصحاب الاختصاصات والمهارات الوطنية.. بقية الدول الأوروبية تراهن على هذا التوجه وتدفع الى مواصلة ضغوطها على الحكومة التونسية وإغلاق المنافذ أمامها للحصول على الدعم المالي أو القروض المالية التي تحتاجها في هذه المرحلة.. في المقابل فإن مختلف الدول الأوروبية لم تتوقف عن استخدام كل الطرق الاستخباراتية والأمنية لتحصين حدودها والتأثير على دول الجنوب لتكون في دور الحارس الأمين لسواحلها وهي الى جانب كل ذلك لم تتوقف ومنذ سقوط جدار برلين قبل نحو ثلاثة عقود من إقامة عشرات الحواجز والتحصن خلف الأسوار التكنولوجية.. وظل المتوسط الذي تحول الى مقبرة للشباب مختبرا أيضا لكل أنواع التكنولوجيا الحديثة لصد المهاجرين.. وإذا كان لا احد بإمكانه أن يمنع هذه الدول من حماية حدودها ومجتمعاتها فانه لا شيء أيضا يفرض على دول العبور أن تتحول الى معقل أو محتشد أو ملجإ للمهاجرين وهو ما يعني أنه من حق كل طرف حماية مصالحه وتحصين حدوده.. وهو ما يعني بالضرورة أن يتحمل كل طرف مسؤوليته إزاء هذه الظاهرة دون إجحاف.. وهذا ما حدث خلال الحرب في سوريا ولم تراجع أغلب الدول الأوروبية موقفها من هذه المعضلة إلا بعد أن هددت تركيا بفتح الحدود أمام هؤلاء.. وهنا أهمية توفر ديبلوماسية مؤثرة وفاعلة تستشرف الأزمات وتعرف متى وكيف تتحرك لضمان مصالحها ..

وقد رأينا كيف عمدت دولة مثل بريطانيا الى إقرار قانون يقضي بترحيل مهاجرين إلى رواندا وكيف تمكنت رغم معارضة المجتمع المدني ورغم انتقادات المعارضة التي اعتبرته قرارا لا أخلاقيا ويتعارض مع القيم الإنسانية الى إقرار المحكمة العليا البريطانية الى أن الخطة لا تنتهك ميثاق الأمم المتحدة للاجئين أو قوانين حقوق الإنسان..

وفي انتظار ربما أن يكون هناك للكرامة والمواطنة عنوان معلوم في كل الأوطان سيستمر البحث عن مزيد القرابين لمحاربة الهجرة غير النظامية بكل الطرق المتاحة.. ولكن سيتعين أيضا الاعتراف بأن في فشل وغياب الفضاء المغاربي سيستمر الضياع وانعدام الفرص تماما كما أنه في فشل وغياب فضاء أورمتوسطي متكافئ ستستمر ضغوطات وهرسلة الغرب..

آسيا العتروس