رغم الفتوحات التكنولوجية في مجال الخوارزميات ومولدات النصوص الكتابية يبقى النص الالكتروني بدون روح ويفتقد إلى اللمسة البشرية التي تمنحه الحياة والقلب النابض .
ويشير المختصون في الذكاء الاصطناعي انه لو طلبنا من الذكاء الاصطناعي كتابة مقال من مائتي كلمة حول التلوث البيئي فسيقدم الموضوع في أقل من عشرين ثانية ويأتي المقال المستخرج من المعلومات المخزنة في بطن الكمبيوتر، مليئا بالمعلومات التقريرية الواضحة بالنسبة للبرنامج الالكتروني للذكاء الاصطناعي .
خوارزميات ذكية بالمرصاد للسرقات الصحفية
وبالمقابل، فإننا عندما نطلب من هذا الذكاء أن يصوغ لنا مقالا عن السرقات الصحفية والتلاعب بالمحتوى بغاية التضليل الإعلامي، فإنه سيعطينا مقالا بلا معنى، ونصا بغير قيمة لأن الموضوع الثاني يحتاج إلى شحنة عاطفية ورأي معنوي غير ملموس. وهو رأي من جملة عدة أراء مطروحة في الفكر والمجتمع. وهي أراء تخضع للسياق والانتماء والنقاش المفتوح حولها في المجتمع وفي "الفضاء العام" الهابرماسي، إلى جانب احترام ميثاق أخلاقيات المهنة الصحفية وشروطها المعنوية . وهو أمر لا يقدر عليه الكمبيوتر بكتابة نص تقليدي حي بمقدمة وجوهر موضوع وخاتمة ، بنسق متسلسل شكلا ومحتوى . وهذه هي خاصية الذكاء البشري الطبيعي التي تطورت مع الأزمان ومع مختلف بني الإنسان وحضاراتهم المتلاحقة والمتلاقحة، وكوّنت به إرث الانسانية الفكري والحضاري منذ الإغريق إلى اليوم الغربي مرورا بالعرب في العصر الوسيط.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد برع في سائر مجالات الحياة الانتاجية والخدماتية في العالم فانه يصبح صعب الإبداع في المجالات التي تقوم على حد أدني من شحنات المشاعر والعواطف مثل الكتابة الأدبية والصحفية .
ولكن الخطر يبقى ماثلا، حيث أن المقال الالكتروني الذي صاغه الكمبيوتر بتعليمات فوقية عمودية كلها انصياع عبودي للألهة الخوارزمية، يصبح هو المثال الذي على هديه يسير دون زيغ، الكتاب الصحفيون أو الأدباء الجدد، الذين هم في حالة تعلم لفنون الكتابة الصحفية أو الأدبية عبر الانترنات .وتحتفظ هذه الأخيرة بالمخزون الكتابي الذي قد تكون له الأولوية في الظهور على الشاشة بفعل تدابير الخوارزمي واستحكاماته لإعطاء الأولوية في الإسناد والاستعمال المطلوب، لأبناء وبنات الذكاء الاصطناعي الكتابي قبل أساليب أبناء البشر المشهورين حديثا أو قديما مثل الجاحظ أو الإصفهاني او المعري، الذين يجدون أنفسهم في الشبكة العنكبوتية الصناعية كالأيتام في مأدبة اللئام، أو هم في الوضع الاصطناعي كالشاعر طرفة بن العبد الذي وجد نفسه معزولا و"أفرد في قبيلته إفراد البعير المعبد ".
الكمبيوتر والتعامل مع غريب الكلام
ويبدو واقع التخلف الحضاري والصناعي للعرب مؤثرا على الامكانيات المتاحة لاستغلال خدمات الذكاء الصناعي بالعربية بسبب الضعف الكمي والكيفي للبيانات النصية التي تتوفر في نماذج الذكاء الصناعي التي تسيطر عليها اللغة الانجليزية . وقد تم ضخ ثلاثمائة مليار كلمة في الشبكة الصناعية الجديدة، وتم تدريب الذكاء على التعامل مع قواعد البيانات النصية من شبكة الانترنات بما فيها قصاصات الصحافة والكتب والمجلات .
ولا احد يعرف المصير المستقبلي لاستعمالات هذا الذكاء بالعربية ونوعية الكتابة التي ستسفر عنها هذه النماذج لأن نموذج البرمجة العربية مازال في ظل الجمود البحثي لا يفرق بين الجملة الاسمية والفعلية وبين المبتدإ والخبر والفاعل والمفعول به، أو حتى رسم الهمزة، فما بالك أن يستطيع حل شفرة غريب الكلام في العربية وأشعار الشاعر الصعلوك تأبط شرا.
وهل يستطيع الذكاء القادم التعامل مع فنون صنوف علم بلاغة اللغة العربية وتوظيفها للكتابة الالكترونية بالتحكم في أسلوبية العربية مثل غرابة اللفظ وتنافر الحروف والكلمات وضعف التأليف والتعقيد وفصاحة المتكلم وبلاغة الكلام ومقتضى الحال ومطابقة الكلام لمقتضى الحال. وهل يستطيع الكمبيوتر الكتابي أن يفهم ويفكك ويستعمل غرائب الكلام القديم مثل غرابة اللفظ الممجوج، مثال لفظي "تَكَأْكَأَ" و"افْرَنْقَعَ"، من قول عيسى بن عمر النحوي، وقد سقط عن حماره، فاجتمع الناس حوله، فقال لهم: " مَالَكُمْ تَكَأْكَأْتُمْ عَلَيَّ كَتَكَأْكُإكُمْ عَلَى ذِي جِنَّةٍ، افْرَنْقِعُوا عَنِّي"، أي: (مالكم أجْتَمَعُتُمْ عليَّ، كاجتماعكم على ذي جنون، ابتعدوا عني).
ويبدو الصراع مستمرا يوميا في كواليس الذكاء الاصطناعي وكيفية توسيع مجاله أو الحد منه. وهو لايزال في بداية مسيرته في مجال الكتابة وفنيات اللغة . ويطرح السؤال :أية لغة سنختار؟ هل هي القديمة الفصيحة أو الاجتماعية الدارجة أم اللغة القادمة على مهل حتمي وهي اللغة الالكترونية التي يحاول الروبوت والأزلام المتخفون وراءه تثبيت أركانها في شبكة الشبكات . وينتظر أن تصبح هذه الأخيرة أداة المستقبل المهيمنة في مجتمع استهلاكي صناعي سيطرت فيه الروبوتات علي كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والترفيهية والرياضية، وأصبح فيها الانتقال إلى الحقبة الالكترونية الكاملة مظهرا من مظاهر الحتمية التكنولوجية التي بشر بها عالم الاتصال الكندي مارشال ماكلوهان منذ نصف قرن في كتابه "القرية الكونية" والتي تقر بأن أي تغيير تكنولوجي يولد تغييرا اجتماعيا، منذ دخول الإنسان عصر المكتوب الألي بعد اكتشاف المطبعة عام 1450 وتجاوز المكتوب النسخي إلى الألي ثم اكتشاف الكهرباء وأثره المباشر على ظهور الاذاعة والتلفزيون والكمبيوتر وصولا إلى الجوال النقال حمّال الميديا الجديدة.
وامام المخاوف من الاكتساح الاصطناعي الشامل، يدعو الكثيرون إلى عدم السماح بفسح المجال كاملا أمام الأسلوب الكتابي الذي جاء به الذكاء الاصطناعي واقتحم به خدر الكتابة التقليدية الرومنطيقية، وهي في هودجها ، والحفاظ بالتالي على الأسلوب البشري الذي يجمع في طياته إرث الإنسانية على مدار القرون، وفيه روح كل حضارة وثقافة، مقارنة بالاسلوب الكتابي الصناعي الذي يتمثل في مجموعة من مليارات الألياف البصرية لمعلومات مخزنة في مستودعات التخزين الميتة والتي يستطيع الكمبيوتر ان يجمعها ويحييها وهي رميم في ثوان أو دقائق تحت إمرة الخوارزمي والبرمجيات التي شحن بها، جاعلا منها وجبة دسمة كلها كولستيرول جاهزة للاستعمال والاستهلاك الفوري . ويبدو طلب التريث بسبب التخوفات، كصيحة في واد، أمام سرعة قطار التحولات التكنولوجية .
الكتابة بين التقليد التقليدي والتقليد الالكتروني
وتزداد المخاوف من قدرات الذكاء الاصطناعي في الكتابة قدرته الفائقة على تقليد الأساليب التحريرية الخاصة. وهو يمكن له أن يقدم لصاحبه مقالا يشبه أسلوب كاتبه، مما يوهم القارئ بأنه مقال فلان المعهود .وهو يستعمل للغرض المهارات اللغوية والكتابية وخصوصيات الأسلوب الكتابي الجيد، إلى جانب القدرة الخارقة على البحث السريع عن المحتوى والمعلومات . ويقدم مقالا صحفيا أو أدبيا جاهزا حسب الأسلوب المطلوب. وقد يوهم المعني بالأمر بان ذلك المحتوى الجديد من إبداع صاحبه لتوفر كل الخصوصيات الكتابية فيه . وهو لذلك يستعمل كل خصوصيات أسلوب الصحفي وكأنه كاتبه باستعمال صيغة الأفعال وتكرار العبارات نفسها وعلامات التوقف ومختلف التكرارات والاستطرادات التي يستخدمها في كتاباته المعهودة، وهي الخصوصيات التي يحللها عادة نقاد الكتابة الصحفية أو الأدبية . ولكن الذكاء الاصطناعي يحفظها ويستعملها أدوات إكساء للمعلومات التي بحث عنها واستجاب لسيده الخوارزمي فاخرج مقالا فيه كل مواصفات الكتابة الاسلوبية المطلوبة، ولكن لا روح فيه، منطلقة من فؤاده، أو معبرة عن اعتمالات النفس البشرية المعقدة والبسيطة في نفس الوقت، التي يبدو فيها الكمبيوتر عاجزا عن خوض غمارها والسباحة في اقيانوسها، خوف عطبها بتماس كهربائها وبطارياتها .
ولكن الكمبيوتر يبقى صحفيا عاجزا عن كتابة خاطرة نقدية من نوع " لمحة " أو "حربوشة " للصحفي التونسي محمد قلبي، أو "بطاقة" للصحفي الفرنسي روبار إسكاربيت " في صحيفة "لوموند" الفرنسية لا تتجاوز عشر كلمات، كل كلمة منها مشحونة بالمعاني المكثفة والإيحاءات والقراءات لما بين السطور ومابين الكلمات ومابين الفقرات، بروح سياسية حية نابضة متعددة القراءات. وهذا ما يعجز عنه الذكاء الاصطناعي الذي يبقي مساعدا للبشر مَوْلاَهُ وسيده في كل الأحوال، في انتظار تحول كل من الباث والمتلقي/ الباث إلي روبوتات في عالم افتراضي كامل لكوكب أرضي يستعد سكانه إلي البحث عن مستعمرات قابلة للعيش في القمر أو المريخ الذي تتنافس القوى الفضائية في العالم على اكتشافه وإقامة مستعمرات بشرية معدلة أو روبوتية للعيش هناك واستغلال ثرواته المنجمية والسيطرة على الكواكب والتحكم فيها بفضل قدرات الذكاء الاصطناعي .
وتبدو الكتابة الصحفية الروبوتية في بداياتها. وهي لازالت تفتقر إلي الجودة البشرية الأصيلة. لكن التكنولوجيا، هي قطار يسير دائما نحو التقدم وبلوغ أقصى درجات الجودة بفضل ما يشحنه به الانسان من قدرات خوارزمية خارقة .
وختاما يطرح في هذا السياق سؤال جوهري حول مدي مجال الحرية الإبداعية والتطرق إلى القضايا الحساسة والحارقة مثل الحرية والحريات العامة وحقوق الانسان وحرية الضمير والديمقراطية واحترام الأقليات والحوار بين الأديان والفكر التنويري العقلاني ونبذ الغلو والتطرف وطبيعة النظام السياسي والمساءلة، وهي قضايا مازالت صعبة النفاذ في العصر الورقي الإعلامي سيصطدم بها حتما الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية، كما في الصين الشيوعية المرشحة لخلافة منصب سلطان العالم مع حلفائها، خلفا لأمريكا وحلفاءها في اوروبا، موطن فكر الأنوار ومهد المطبعة والصحافة والحرية .
صحفي باحث في علوم الإعلام والصحافة
بقلم د. الصحراوي قمعون
رغم الفتوحات التكنولوجية في مجال الخوارزميات ومولدات النصوص الكتابية يبقى النص الالكتروني بدون روح ويفتقد إلى اللمسة البشرية التي تمنحه الحياة والقلب النابض .
ويشير المختصون في الذكاء الاصطناعي انه لو طلبنا من الذكاء الاصطناعي كتابة مقال من مائتي كلمة حول التلوث البيئي فسيقدم الموضوع في أقل من عشرين ثانية ويأتي المقال المستخرج من المعلومات المخزنة في بطن الكمبيوتر، مليئا بالمعلومات التقريرية الواضحة بالنسبة للبرنامج الالكتروني للذكاء الاصطناعي .
خوارزميات ذكية بالمرصاد للسرقات الصحفية
وبالمقابل، فإننا عندما نطلب من هذا الذكاء أن يصوغ لنا مقالا عن السرقات الصحفية والتلاعب بالمحتوى بغاية التضليل الإعلامي، فإنه سيعطينا مقالا بلا معنى، ونصا بغير قيمة لأن الموضوع الثاني يحتاج إلى شحنة عاطفية ورأي معنوي غير ملموس. وهو رأي من جملة عدة أراء مطروحة في الفكر والمجتمع. وهي أراء تخضع للسياق والانتماء والنقاش المفتوح حولها في المجتمع وفي "الفضاء العام" الهابرماسي، إلى جانب احترام ميثاق أخلاقيات المهنة الصحفية وشروطها المعنوية . وهو أمر لا يقدر عليه الكمبيوتر بكتابة نص تقليدي حي بمقدمة وجوهر موضوع وخاتمة ، بنسق متسلسل شكلا ومحتوى . وهذه هي خاصية الذكاء البشري الطبيعي التي تطورت مع الأزمان ومع مختلف بني الإنسان وحضاراتهم المتلاحقة والمتلاقحة، وكوّنت به إرث الانسانية الفكري والحضاري منذ الإغريق إلى اليوم الغربي مرورا بالعرب في العصر الوسيط.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد برع في سائر مجالات الحياة الانتاجية والخدماتية في العالم فانه يصبح صعب الإبداع في المجالات التي تقوم على حد أدني من شحنات المشاعر والعواطف مثل الكتابة الأدبية والصحفية .
ولكن الخطر يبقى ماثلا، حيث أن المقال الالكتروني الذي صاغه الكمبيوتر بتعليمات فوقية عمودية كلها انصياع عبودي للألهة الخوارزمية، يصبح هو المثال الذي على هديه يسير دون زيغ، الكتاب الصحفيون أو الأدباء الجدد، الذين هم في حالة تعلم لفنون الكتابة الصحفية أو الأدبية عبر الانترنات .وتحتفظ هذه الأخيرة بالمخزون الكتابي الذي قد تكون له الأولوية في الظهور على الشاشة بفعل تدابير الخوارزمي واستحكاماته لإعطاء الأولوية في الإسناد والاستعمال المطلوب، لأبناء وبنات الذكاء الاصطناعي الكتابي قبل أساليب أبناء البشر المشهورين حديثا أو قديما مثل الجاحظ أو الإصفهاني او المعري، الذين يجدون أنفسهم في الشبكة العنكبوتية الصناعية كالأيتام في مأدبة اللئام، أو هم في الوضع الاصطناعي كالشاعر طرفة بن العبد الذي وجد نفسه معزولا و"أفرد في قبيلته إفراد البعير المعبد ".
الكمبيوتر والتعامل مع غريب الكلام
ويبدو واقع التخلف الحضاري والصناعي للعرب مؤثرا على الامكانيات المتاحة لاستغلال خدمات الذكاء الصناعي بالعربية بسبب الضعف الكمي والكيفي للبيانات النصية التي تتوفر في نماذج الذكاء الصناعي التي تسيطر عليها اللغة الانجليزية . وقد تم ضخ ثلاثمائة مليار كلمة في الشبكة الصناعية الجديدة، وتم تدريب الذكاء على التعامل مع قواعد البيانات النصية من شبكة الانترنات بما فيها قصاصات الصحافة والكتب والمجلات .
ولا احد يعرف المصير المستقبلي لاستعمالات هذا الذكاء بالعربية ونوعية الكتابة التي ستسفر عنها هذه النماذج لأن نموذج البرمجة العربية مازال في ظل الجمود البحثي لا يفرق بين الجملة الاسمية والفعلية وبين المبتدإ والخبر والفاعل والمفعول به، أو حتى رسم الهمزة، فما بالك أن يستطيع حل شفرة غريب الكلام في العربية وأشعار الشاعر الصعلوك تأبط شرا.
وهل يستطيع الذكاء القادم التعامل مع فنون صنوف علم بلاغة اللغة العربية وتوظيفها للكتابة الالكترونية بالتحكم في أسلوبية العربية مثل غرابة اللفظ وتنافر الحروف والكلمات وضعف التأليف والتعقيد وفصاحة المتكلم وبلاغة الكلام ومقتضى الحال ومطابقة الكلام لمقتضى الحال. وهل يستطيع الكمبيوتر الكتابي أن يفهم ويفكك ويستعمل غرائب الكلام القديم مثل غرابة اللفظ الممجوج، مثال لفظي "تَكَأْكَأَ" و"افْرَنْقَعَ"، من قول عيسى بن عمر النحوي، وقد سقط عن حماره، فاجتمع الناس حوله، فقال لهم: " مَالَكُمْ تَكَأْكَأْتُمْ عَلَيَّ كَتَكَأْكُإكُمْ عَلَى ذِي جِنَّةٍ، افْرَنْقِعُوا عَنِّي"، أي: (مالكم أجْتَمَعُتُمْ عليَّ، كاجتماعكم على ذي جنون، ابتعدوا عني).
ويبدو الصراع مستمرا يوميا في كواليس الذكاء الاصطناعي وكيفية توسيع مجاله أو الحد منه. وهو لايزال في بداية مسيرته في مجال الكتابة وفنيات اللغة . ويطرح السؤال :أية لغة سنختار؟ هل هي القديمة الفصيحة أو الاجتماعية الدارجة أم اللغة القادمة على مهل حتمي وهي اللغة الالكترونية التي يحاول الروبوت والأزلام المتخفون وراءه تثبيت أركانها في شبكة الشبكات . وينتظر أن تصبح هذه الأخيرة أداة المستقبل المهيمنة في مجتمع استهلاكي صناعي سيطرت فيه الروبوتات علي كل مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية والترفيهية والرياضية، وأصبح فيها الانتقال إلى الحقبة الالكترونية الكاملة مظهرا من مظاهر الحتمية التكنولوجية التي بشر بها عالم الاتصال الكندي مارشال ماكلوهان منذ نصف قرن في كتابه "القرية الكونية" والتي تقر بأن أي تغيير تكنولوجي يولد تغييرا اجتماعيا، منذ دخول الإنسان عصر المكتوب الألي بعد اكتشاف المطبعة عام 1450 وتجاوز المكتوب النسخي إلى الألي ثم اكتشاف الكهرباء وأثره المباشر على ظهور الاذاعة والتلفزيون والكمبيوتر وصولا إلى الجوال النقال حمّال الميديا الجديدة.
وامام المخاوف من الاكتساح الاصطناعي الشامل، يدعو الكثيرون إلى عدم السماح بفسح المجال كاملا أمام الأسلوب الكتابي الذي جاء به الذكاء الاصطناعي واقتحم به خدر الكتابة التقليدية الرومنطيقية، وهي في هودجها ، والحفاظ بالتالي على الأسلوب البشري الذي يجمع في طياته إرث الإنسانية على مدار القرون، وفيه روح كل حضارة وثقافة، مقارنة بالاسلوب الكتابي الصناعي الذي يتمثل في مجموعة من مليارات الألياف البصرية لمعلومات مخزنة في مستودعات التخزين الميتة والتي يستطيع الكمبيوتر ان يجمعها ويحييها وهي رميم في ثوان أو دقائق تحت إمرة الخوارزمي والبرمجيات التي شحن بها، جاعلا منها وجبة دسمة كلها كولستيرول جاهزة للاستعمال والاستهلاك الفوري . ويبدو طلب التريث بسبب التخوفات، كصيحة في واد، أمام سرعة قطار التحولات التكنولوجية .
الكتابة بين التقليد التقليدي والتقليد الالكتروني
وتزداد المخاوف من قدرات الذكاء الاصطناعي في الكتابة قدرته الفائقة على تقليد الأساليب التحريرية الخاصة. وهو يمكن له أن يقدم لصاحبه مقالا يشبه أسلوب كاتبه، مما يوهم القارئ بأنه مقال فلان المعهود .وهو يستعمل للغرض المهارات اللغوية والكتابية وخصوصيات الأسلوب الكتابي الجيد، إلى جانب القدرة الخارقة على البحث السريع عن المحتوى والمعلومات . ويقدم مقالا صحفيا أو أدبيا جاهزا حسب الأسلوب المطلوب. وقد يوهم المعني بالأمر بان ذلك المحتوى الجديد من إبداع صاحبه لتوفر كل الخصوصيات الكتابية فيه . وهو لذلك يستعمل كل خصوصيات أسلوب الصحفي وكأنه كاتبه باستعمال صيغة الأفعال وتكرار العبارات نفسها وعلامات التوقف ومختلف التكرارات والاستطرادات التي يستخدمها في كتاباته المعهودة، وهي الخصوصيات التي يحللها عادة نقاد الكتابة الصحفية أو الأدبية . ولكن الذكاء الاصطناعي يحفظها ويستعملها أدوات إكساء للمعلومات التي بحث عنها واستجاب لسيده الخوارزمي فاخرج مقالا فيه كل مواصفات الكتابة الاسلوبية المطلوبة، ولكن لا روح فيه، منطلقة من فؤاده، أو معبرة عن اعتمالات النفس البشرية المعقدة والبسيطة في نفس الوقت، التي يبدو فيها الكمبيوتر عاجزا عن خوض غمارها والسباحة في اقيانوسها، خوف عطبها بتماس كهربائها وبطارياتها .
ولكن الكمبيوتر يبقى صحفيا عاجزا عن كتابة خاطرة نقدية من نوع " لمحة " أو "حربوشة " للصحفي التونسي محمد قلبي، أو "بطاقة" للصحفي الفرنسي روبار إسكاربيت " في صحيفة "لوموند" الفرنسية لا تتجاوز عشر كلمات، كل كلمة منها مشحونة بالمعاني المكثفة والإيحاءات والقراءات لما بين السطور ومابين الكلمات ومابين الفقرات، بروح سياسية حية نابضة متعددة القراءات. وهذا ما يعجز عنه الذكاء الاصطناعي الذي يبقي مساعدا للبشر مَوْلاَهُ وسيده في كل الأحوال، في انتظار تحول كل من الباث والمتلقي/ الباث إلي روبوتات في عالم افتراضي كامل لكوكب أرضي يستعد سكانه إلي البحث عن مستعمرات قابلة للعيش في القمر أو المريخ الذي تتنافس القوى الفضائية في العالم على اكتشافه وإقامة مستعمرات بشرية معدلة أو روبوتية للعيش هناك واستغلال ثرواته المنجمية والسيطرة على الكواكب والتحكم فيها بفضل قدرات الذكاء الاصطناعي .
وتبدو الكتابة الصحفية الروبوتية في بداياتها. وهي لازالت تفتقر إلي الجودة البشرية الأصيلة. لكن التكنولوجيا، هي قطار يسير دائما نحو التقدم وبلوغ أقصى درجات الجودة بفضل ما يشحنه به الانسان من قدرات خوارزمية خارقة .
وختاما يطرح في هذا السياق سؤال جوهري حول مدي مجال الحرية الإبداعية والتطرق إلى القضايا الحساسة والحارقة مثل الحرية والحريات العامة وحقوق الانسان وحرية الضمير والديمقراطية واحترام الأقليات والحوار بين الأديان والفكر التنويري العقلاني ونبذ الغلو والتطرف وطبيعة النظام السياسي والمساءلة، وهي قضايا مازالت صعبة النفاذ في العصر الورقي الإعلامي سيصطدم بها حتما الذكاء الاصطناعي في المنطقة العربية، كما في الصين الشيوعية المرشحة لخلافة منصب سلطان العالم مع حلفائها، خلفا لأمريكا وحلفاءها في اوروبا، موطن فكر الأنوار ومهد المطبعة والصحافة والحرية .