إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

رأي .. هل ستكون الصين القطب العالمي الثالث؟

 

بقلم صادق الشافعي

منذ بداية الحرب في أوكرانيا كان تدخل أميركا ومعها بقية دول الحلف الأطلسي الأوروبية شديد الوضوح شديد السخاء وشديد الإصرار على إلحاق هزيمة تامة وكاملة «بالمعتدي الروسي». «ومنذ البداية كان الدعم الأميركي العملي والواقعي المباشر واسع التنوع في كل المجالات وأولها التسليح.وكان، وما زال، التأييد والتشجيع والدعم الأميركي قائماً. وما زال الضغط الأميركي على دول حلف «الناتو» وغيرها من الدول الأوروبية قائماً للدخول المباشر والانخراط في مجريات الحرب اليومية والتنسيق في كل تفاصيلها، وعلى مستويات عالية ومتنوعة من الدعم والتنسيق وعلى كافة الصعد السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية.
على أساس الموقف الأميركي ومعه دول «الناتو» الأوروبية، ضرورة إلحاق هزيمة عسكرية بالدولة الروسية بما يمكن توظيفه لإسقاط صفتها وكونها واحداً من القطبين العالميين على المستوى الدولي الى جانب الولايات المتحدة، وبحيث تنفرد الأخيرة (الولايات المتحدة) بصفة القطب العالمي الأوحد.
هذه الخلفية والأساس تشكل مقوماً هاماً وأساسياً في الموقف الأميركي ومعه الأوروبي الأطلسي في عدم المبادرة الى التقدم باي مشروع حل، ولا الدفع بأي من أصدقائهم للتقدم بمثل هذا المشروع. ويترافق أيضاً مع عدم التشجيع ولا التجاوب مع أي مقترحات او حتى أفكار اولية لصالح الحل التفاوضي تأتي من أي جهة او دولة.
 كما يصل الى فتح معارك مكملة في ميادين غير عسكرية ولكنها مؤثرة وفاعلة، مثل المعارك الاقتصادية والتمويلية والبنكية والتجارية وحتى الثقافية والرياضية والفنية.
وبالمقابل، وفي الفترات الأخيرة بدأت الصين تفرض وجودها على المستوى الدولي كبلد أساسي لا يمكن تجاهله ولا تجاهل تأثيره ودوره، ليس فقط على مستوى محيطه الجغرافي ولكن على المستوى العالمي.
خصوصاً وان فرض الوجود هذا لا يرجع فقط إلى عامل قوة الصين العسكرية، ولا إلى التحالفات أو المساعدات التي تقدمها ويقوم فرض وجودها على أساسها، وإنما يبدأ الوجود أولاً في التطور والانفتاح الذي تشهده دولة الصين نفسها مقترناً ومنسجماً مع تطور وتقدم اقتصادي لافت.
ومقترناً أيضاً مع الاتساع في دور الصين ونجاحها في فرض حضور واسع ومؤثر لها من باب السياسة النشطة والمتوازنة، ومن باب التعاون والتبادل الاقتصادي والتجاري العادل والمنصف مع عدد واسع من دول العالم وبالذات في إفريقيا.
وقد عبر ذلك عن نفسه في حضور قوي للصين عبر تعاون تجاري استثماري في مشاريع استثمارية ثابتة وطويلة الأجل تراعي حاجة تلك البلاد لها ويقبل أهلها وحكوماتها بالتعاون معها بالترحيب بها.
كل هذا وغيره ما فرض للصين حضوراً قوياً وثقلاً مؤثراً على المستوى الدولي، ولم يعد بمستطاع دول العالم تجاهل هذا الحضور وتجاوزه.
وقد اعتبرت استراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة عن الرئيس جو بايدن، الصين مصدر تهديد للنظام العالمي الحالي أكبر من موسكو.
  في هذا الوضع بدأ ويستمر الحديث والتعاطي عن دور للصين في الأزمة الأوكرانية. ويأخذ هذا الحديث والتعاطي أكثر من تعبير وأكثر من شكل معتمداً بدرجة عالية على الدور الذي يرجوه هذا الطرف او ذاك من وراء حديثه. وتصل الأمور لدى بعض توابع الطرف الأميركي الى درجة الاتهام للصين بأنها أقرب في رؤيتها ومواقفها إلى الطرف الروسي، ويصل التطرف إلى حد الحديث عن تحالف روسي صيني في التعامل مع هذا الأمر. كما تصل إلى درجة الحديث عن مبادرة صينية لمعالجة الأزمة الأوكرانية وأنها مبادرة أقرب الى الطرف الروسي.
لكن شيئاً من هذا لم يحصل في أرض الواقع ولا ظهرت أي من تعبيراته وتفاصيله المحددة.
بالمحصلة وحتى الآن، فإن الأزمة والصراع الدموي القائم والمستمر حول أوكرانيا وبعض مقاطعاتها بشكل خاص ما زال مستمراً، وما زالت عناوين الصراع هي ذاتها وما زال الوضع العام بعيداً عن الحسم لصالح أي طرف، وما زال التدخل الصيني مطلوباً بمبادرة تملك إمكانية قبول أفضل وأكثر من غيرها.
وما زال ثقل الوزن الصيني في توازنات القوى العالمية في تزايد باتجاه واحتمال أن تفرض الصين نفسها كقطب عالمي ثالث على قدم المساواة مع أميركا ومع روسيا وفي توازن بينها يصعب تجاوزه وتخطيه.

رأي .. هل ستكون الصين القطب العالمي الثالث؟

 

بقلم صادق الشافعي

منذ بداية الحرب في أوكرانيا كان تدخل أميركا ومعها بقية دول الحلف الأطلسي الأوروبية شديد الوضوح شديد السخاء وشديد الإصرار على إلحاق هزيمة تامة وكاملة «بالمعتدي الروسي». «ومنذ البداية كان الدعم الأميركي العملي والواقعي المباشر واسع التنوع في كل المجالات وأولها التسليح.وكان، وما زال، التأييد والتشجيع والدعم الأميركي قائماً. وما زال الضغط الأميركي على دول حلف «الناتو» وغيرها من الدول الأوروبية قائماً للدخول المباشر والانخراط في مجريات الحرب اليومية والتنسيق في كل تفاصيلها، وعلى مستويات عالية ومتنوعة من الدعم والتنسيق وعلى كافة الصعد السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية.
على أساس الموقف الأميركي ومعه دول «الناتو» الأوروبية، ضرورة إلحاق هزيمة عسكرية بالدولة الروسية بما يمكن توظيفه لإسقاط صفتها وكونها واحداً من القطبين العالميين على المستوى الدولي الى جانب الولايات المتحدة، وبحيث تنفرد الأخيرة (الولايات المتحدة) بصفة القطب العالمي الأوحد.
هذه الخلفية والأساس تشكل مقوماً هاماً وأساسياً في الموقف الأميركي ومعه الأوروبي الأطلسي في عدم المبادرة الى التقدم باي مشروع حل، ولا الدفع بأي من أصدقائهم للتقدم بمثل هذا المشروع. ويترافق أيضاً مع عدم التشجيع ولا التجاوب مع أي مقترحات او حتى أفكار اولية لصالح الحل التفاوضي تأتي من أي جهة او دولة.
 كما يصل الى فتح معارك مكملة في ميادين غير عسكرية ولكنها مؤثرة وفاعلة، مثل المعارك الاقتصادية والتمويلية والبنكية والتجارية وحتى الثقافية والرياضية والفنية.
وبالمقابل، وفي الفترات الأخيرة بدأت الصين تفرض وجودها على المستوى الدولي كبلد أساسي لا يمكن تجاهله ولا تجاهل تأثيره ودوره، ليس فقط على مستوى محيطه الجغرافي ولكن على المستوى العالمي.
خصوصاً وان فرض الوجود هذا لا يرجع فقط إلى عامل قوة الصين العسكرية، ولا إلى التحالفات أو المساعدات التي تقدمها ويقوم فرض وجودها على أساسها، وإنما يبدأ الوجود أولاً في التطور والانفتاح الذي تشهده دولة الصين نفسها مقترناً ومنسجماً مع تطور وتقدم اقتصادي لافت.
ومقترناً أيضاً مع الاتساع في دور الصين ونجاحها في فرض حضور واسع ومؤثر لها من باب السياسة النشطة والمتوازنة، ومن باب التعاون والتبادل الاقتصادي والتجاري العادل والمنصف مع عدد واسع من دول العالم وبالذات في إفريقيا.
وقد عبر ذلك عن نفسه في حضور قوي للصين عبر تعاون تجاري استثماري في مشاريع استثمارية ثابتة وطويلة الأجل تراعي حاجة تلك البلاد لها ويقبل أهلها وحكوماتها بالتعاون معها بالترحيب بها.
كل هذا وغيره ما فرض للصين حضوراً قوياً وثقلاً مؤثراً على المستوى الدولي، ولم يعد بمستطاع دول العالم تجاهل هذا الحضور وتجاوزه.
وقد اعتبرت استراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة عن الرئيس جو بايدن، الصين مصدر تهديد للنظام العالمي الحالي أكبر من موسكو.
  في هذا الوضع بدأ ويستمر الحديث والتعاطي عن دور للصين في الأزمة الأوكرانية. ويأخذ هذا الحديث والتعاطي أكثر من تعبير وأكثر من شكل معتمداً بدرجة عالية على الدور الذي يرجوه هذا الطرف او ذاك من وراء حديثه. وتصل الأمور لدى بعض توابع الطرف الأميركي الى درجة الاتهام للصين بأنها أقرب في رؤيتها ومواقفها إلى الطرف الروسي، ويصل التطرف إلى حد الحديث عن تحالف روسي صيني في التعامل مع هذا الأمر. كما تصل إلى درجة الحديث عن مبادرة صينية لمعالجة الأزمة الأوكرانية وأنها مبادرة أقرب الى الطرف الروسي.
لكن شيئاً من هذا لم يحصل في أرض الواقع ولا ظهرت أي من تعبيراته وتفاصيله المحددة.
بالمحصلة وحتى الآن، فإن الأزمة والصراع الدموي القائم والمستمر حول أوكرانيا وبعض مقاطعاتها بشكل خاص ما زال مستمراً، وما زالت عناوين الصراع هي ذاتها وما زال الوضع العام بعيداً عن الحسم لصالح أي طرف، وما زال التدخل الصيني مطلوباً بمبادرة تملك إمكانية قبول أفضل وأكثر من غيرها.
وما زال ثقل الوزن الصيني في توازنات القوى العالمية في تزايد باتجاه واحتمال أن تفرض الصين نفسها كقطب عالمي ثالث على قدم المساواة مع أميركا ومع روسيا وفي توازن بينها يصعب تجاوزه وتخطيه.